المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ٢٥/١/١٤٢٥هـ
السؤال
ورد في مسند الإمام أحمد -﵀- هذا الحديث الصحيح، والذي صححه الألباني -﵀-، والحديث هو: عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب - ﵁- قال: كم تقرؤون سورة الأحزاب قال: بضعًا وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله - ﷺ- مثل البقرة أو أكثر منها آية الرجم"، فالسؤال هو: كيف كانت سورة الأحزاب في زمن الرسول -ﷺ- مثل سورة البقرة، ونحن الآن نقرؤها ٧٣ آية، فإذا كان قد حصل نسخ في السورة؛ فهل من الممكن أن ينسخ أكثر من ٢٠٠ آية؛ لأن سورة البقرة ٢٨٦ آية؟ فأرجو الإجابة منكم مشكورين..
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالحديث الذي أشار إليه السائل الكريم روي عن أبي بن كعب -﵁-، من طريقين:
أحدهما: من طريق يزيد بن أبي الزناد عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب - ﵁-، وقد أخرجه أحمد في مسنده (٢٠٧٠١)، ويزيد بن أبي زياد ضعيف، قال عنه ابن معين: لا يحتج به.
والثاني: من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب﵁-، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (٤٤٢٨) والحاكم في المستدرك (٢/٤١٥) وصححه والنسائي في الكبرى (٧١٥٠) والبيهقي (٨/٢١١) وأحمد (٢١٢٠٦) وعبد الرزاق (١٣٣٦٣)، وعاصم بن بهدلة صدوق له أوهام، والحديث بهذا حسن، ومن أهل العلم من قال: تفرد عاصم بن بهدلة في مثل هذا مما لا يحتمل.
[ ١٢١ ]
وبكل حال فالحديث -على القول بثبوته - دال على أن جزءًا كبيرًا من سورة الأحزاب قد نسخ، وأن مما كان فيه آية رجم الزاني المحصن، ولا يخفى عليك -أخي الكريم- أن أمر النسخ مرده إلى الله -تعالى- فإذا شاء تعالى نسخ، وإذا شاء أحكم، وهذا معنى قوله -تعالى-"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير" [البقرة:١٠٦]، ولذا قرر أهل العلم أن نسخ النص الشرعي لا يكون إلا بنص شرعي مثله، ولما كان الأمر كذلك؛ فلا ريب أنه إنما يقع لحكمة بالغة، فهو تعالى الحكيم العليم، ولهذا فلا إشكال -حقيقة - فيما دل الحديث عليه؛ لأننا نعلم يقينًا أن النسخ لا يكون إلا لحكمة بالغة، ربما يدركها الخلق، وقد تغيب عنهم، وغير بعيد أن يقع نسخ هذا الجزء الكبير من السورة، فإن الأمر لله -تعالى- يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، بل وقع النسخ فيما هو أكبر من ذلك؛ إذ مما لا شك فيه أن هذه الشريعة جاءت ناسخة لكل الشرائع قبلها ومهيمنة عليها، ونحن نعلم أن الشرائع قبلنا قد نزلت معها كتب إلهية، هي كلام الله الذي أنزله على الرسل قبل نبينا محمد - ﷺ-، كما في صحف إبراهيم -﵇- والتوراة، والإنجيل، وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، ولم يكن في هذا النسخ غضاضة ولا حرج؛ لأن ذلك كله إنما يقع لحكمة بالغة ومشيئة نافذة، وربما كان من تلك الحكم أن الآيات المنسوخة من سورة الأحزاب أو غيرها تضمنت شرائع، وأحكامًا وقتية يحتاجها الناس فقط في الوقت الذي نزلت فيه، أما مَنْ بعدهم من الناس فلا يحتاجونها، كأن تكون الآيات تقص خبرًا وقع في تلك الفترة، أو تبين حكمًا في حادثة وقتية، أما أصول الدين كالعقائد، وأمهات الأخلاق، وأصول العبادات، فهذه لا يتناولها النسخ قطعًا؛ لأن حاجة الخلق متعلقة بها مهما اختلف زمانهم وتغير مكانهم؛ ولأنها - أيضًا - مما لا يعتريه اختلاف، ولا يطرأ عليه تغير؛ لأن ما تضمنه من قيم يتصف
[ ١٢٢ ]
بالدوام والثبات.
بقي -أيها السائل الكريم- أن ألفت نظرك إلى أن الحديث دل على أن سورة الأحزاب كانت سورة طويلة تعدل سورة البقرة، ولا تلازم بين أن تعدل سورة البقرة في الطول، وأن تكون مماثلة لها في عدد الآيات، فسورة الشعراء - مثلًا - هي أكثر من سورة آل عمران في عدد الآيات، مع أن آل عمران ضعفها في الطول.
وأخيرًا فيجب أن تعلم يقينًا، أن ما بين أيدينا الآن هو كلام الله الذي أنزله على رسوله - ﷺ-، بقي منه ما أبقاه الله، ونُسخ منه ما أراد -تعالى- نسخه، ونقله إلينا في كل عصر عدوله، حتى بلغنا غضًّا طريًّا كما نزل، بلا نقص ولا زيادة، فهذه حقيقة لا يعتريها شك، وإجماع أهل الإسلام لا يختلفون فيه، وهو مصداق قوله -تعالى-: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر:٩] هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ١٢٣ ]