المجيب د. محمد بن عبد الرحمن السعوي
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات نفسية /الاحباط
التاريخ ٢٥-١-١٤٢٤
السؤال
إنني أشعر باضطراب في المشاعر تجاه هذا الغزو البريطاني الأمريكي على العراق وأشعر بالقلق المتواصل حتى أنني بدأت أحس بنوع من القنوط والألم لما يصيب إخواننا المسلمين هناك.
أرجو المساعدة وفقكم الله،،،
الجواب
أيها الأخ الكريم
شكرًا لثقتك واتصالك بنا في "موقع الإسلام اليوم "
الإنسان على هذه البسيطة قد حكم الله عليه عندما أنزله إليها أن لا تكون حياته حياة نعيم وهناء وسعادة بشكل مستمر وبدون انقطاع بل لابد وأن يكتنفها الكثير من الضيق في العيش والآلام الجسدية والنفسية والاجتماعية ولا بد أن يعتريها الهم والنكد والغم.. فهذه سنة قدرية قدرها الله ﷾ وحكم بها لأنه سبحانه لم يعدها دار نعيم لبني البشر بل دار شقاء وكبد في العيش وأما الدار الخالدة المشتملة على النعيم والسعادة فهي دار الخلد، دار الجنان.
ولعلك أخي الكريم تدرك بعد ذلك أن الشقاء والأحزان التي تصيب الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما تكون على نوعين هما:
الأول: هو ناتج عن مصائب ذاتية وشخصية وفردية.
الثاني: ناتج عن مصائب جماعية تصيب الجماعة والأمة وقد لا تصيب الفرد الواحد بعينه وإنما تصيب الأمة بأكملها وتضايق الفرد الواحد كثيرًا ويتألم لها ألمًا نفسيًا شديدًا حتى وإن لم تقترب منه تلك المصائب وكان بمنأى عنها بذاته.
والمتفكر في هذين النوعين من المصائب يجد أن أثره وتأثيره على الفرد لا يكاد يختلف بل إن طريقة التلقي لهذين النوعين من المصائب تكاد تكون واحدة عند الكثير من الناس والذي يتمثل في أمرين هامين جدًا هما:
الأول: هو عدم القدرة على امتصاص تلك المصيبة بل والاستسلام لها والذي ربما لا يقف عند حد حتى يصل إلى درجة التسخط والغضب على الله ﷾ والاعتراض عليه لما أنزل من تلك المصائب وأحلها به والعياذ بالله.
النوع الثاني: وهم المؤمنون الصابرون الذين يحتسبون الأجر عند الله ويدركون أن ما وقع بهم لم يكن إلا وخلفه حكمة عظيمة من الله تعالى حتى وإن بدا من شكلها الظاهري أنها مسيئة وشيء مزعج ومؤلم.
أصحاب النوع الأول لا يجنون إلا غضب الله واكتساب الإثم والوزر ولم ينفعهم تسخطهم عند ربهم شيئًا بل إنها لم تؤدي إلى نتيجة إيجابية عليهم.
وأما أصحاب النوع الآخر فكان الرضى والاطمئنان حليتهم وكسب الثواب ومغفرة الرحمن نصيبهم.
أيها الأخ الكريم..
إننا في مثل هذه الأزمات مطالبون بعدة أمور يجدر بنا التنبه لها والعمل بها وهي:-
[ ٢٠ / ٣٦٢ ]
أولًا:- أن كل ما يصيبنا سواء على المستوى الفردي أو الجماعي والذي يصيب الأمة جميعها إنما هو قد كان بقضاء الله وقدرة وأن الله قد قدره قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك عن المصطفي ﷺ. الله حينما أمرنا بالإيمان بالقدر خيره وشره وجعله الركن السادس من أركان الإيمان إنما يكون هذا وقته وهذا أوان إظهاره. فإظهاره لا يكون وقت الدعة والراحة بل في وقت الأزمة والمصيبة، ولذلك فيكون التسخط منا قضًا تمامًا لهذا المبدأ ومعطلًا له ومبطلًا العمل به.
إننا ونحن نرى هذه الحرب على إخواننا المسلمين في العراق يجب أن ندرك أن ذلك لم يكن ليتم لولا أن الله قد قدره وكتبه وأنها مصيبة لم تكن لتخطئنا حين أصابتنا ولم تكن لتصيبنا لو أخطئنا.
ثانيًا: أن كل ما يصيب الأمة على المستوى الجماعي وما يصيب الإنسان على المستوى الشخصي إنما يأتيها وينالها بما كسبت أيدي الناس بل هو من عند أنفسهم وبسبب أفعالهم. ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ آل عمران.
فالأمة اليوم لا يشك أحد أنها قد تجاوزت كثيرًا وقصرت في حق الله تعالى وانتشر الظلم فيما بينها فالقوي يسيطر على الضعيف ويسلبه حقه والفساد المالي من الرشاوي والربا قد أثقل كاهل المستضعفين الجهل وقلة التعليم وبغي الناس بعضهم على بعض هي فقط مظهر من مظاهر البؤس والظلم الذي حل بأفراد هذه الأمة حتى صار حق الفرد والمواطن في البلاد الإسلامية من أبخس الحقوق على هذه الأرض أليست هذه كلها مصائب نجلبها نحن على أنفسنا؟ ألسنا نستحق عقاب الله ﷾ حينما تنزل بالأمة مثل هذه الأزمات التي لا تكاد تنفك عنها؟
ثالثًا: الأمل لا بد أن يكون موجودًا على الدوام والثقة بالله وبنصره لابد أن تكون حاضرة يستشعرها كل شخص وكل إنسان فهذا هو مقتضى الإيمان لقضاء الله وقدره كما أسلفنا. الأحاديث الواردة على النبي ﷺ كثيرة جدًا التي تذكر بنصرة هذا الدين والتمكين له وانتشاره في أرجاء المعمورة.
المسلمون اليوم يشكلون خمس العالم وهم يتضاعفون كل ثلاثين سنة كما تشير البيانات الدولية بذلك وما ذلك إلا مصداقًا لأقوال النبي ﵊. الإسلام والمسلمون وهم في هذه الحالة المزرية والهوان الشديد إلا انه تكثر مكتسباته يومًا بعد آخر وهذا كله مما يبعث على الثقة بالله تعالى وعلى الطمأنينة وزيادة الفرحة والبهجة والسرور التي تملئ قلب الإنسان المسلم.
أيها الأخ الكريم
قد تتسائل عن الدور الذي يمكن أن يعمله الشخص العادي في مثل هذه الأزمات فأقول هناك أمور أساسية يجب أن لا يغفل عنها المرأ وهي:
١- الدعاء المتواصل والإلحاح على الله بأن يكفي المسلمين شر هذه المحن وأن يصلح أحوالهم ويبدلها بخير منها. الدعاء سلاح يجهله الكثيرون لقلة بصيرتهم وعجلتهم في الأمر ولا يدركون أن الأحوال يغيرها الله ربما بسبب دعوة صادقة من قلب مخلص لله سبحانه.
٢- الإيمان التام أن هذه المصائب وإن بدا ظاهرًا أنها شر على المسلمين إلا أنها تبقى في حقيقتها تحمل الكثير من الخير للمسلمين على المدى البعيد والتاريخ شاهد بذلك.
[ ٢٠ / ٣٦٣ ]
٣- البعد عن القيل والقال وكثرة الشائعات لأنه قد تبث أنها تسبب الكثير من الأزمات النفسية من القلق والهم والحزن والنبي ﵇ يقول " كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع "
حاول أن تكون أخي الكريم في المجالس أقل القوم كلامًا وأكثرهم حلمًا.. ولا تدخل في نقاشات عقيمة لا طائل من ورائها إلا الزيادة في الخصومات والمراء والفحش في الكلام.
أخيرًا أشعر نفسك بالطمأنينة والسكنية من خلال الإيمان الجازم بأن الله أرحم بعباده منك ومن كل أحد فلست أكثر رأفة ورحمة ومحبة للمسلمين من خالقهم فهو رؤوف رحيم وقد يكون ما يصيب المسلمين من هذا البلاء العظيم إنما هو من مقتضى رحمته ﷿ لأمر غيبي لا يعلمه إلا هو سبحانه.
اسأل الله تعالى أن يقي المسلمين شر البلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن. كما أسأله تعالى أن يصلح حالهم ويبدلها إلى أحسن حال المستوى الجماعي والفردي.
[ ٢٠ / ٣٦٤ ]