المجيب د. عبد العزيز بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات نفسية /الحقد
التاريخ ١٣/٠٨/١٤٢٦هـ
السؤال
أود أن أستشيركم في قول الله تعالى: "ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره"، وقد أخبرنا الرسول -﵊- أن الحقد والغل في القلب يحلق الدين ويذيب الحسنات، وبصراحة أنا أود أن أتخلص من غل في قلبي على بعض الأشخاص، لكني لم أستطع، وأخاف كثيرًا على الحسنات التي أعملها ليلًا ونهارًا ولله الحمد. أفيدوني بارك الله فيكم.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
أخي الفاضل: كم أعجبتني هذه الحساسية التي تعمر قلبك، فأنت في الوقت الذي تعترف فيه بأن قدرًا من (الغل) يحتل مساحة من قلبك تفزع (جدًا) لإدراكك أنه سيكون له تأثير على ما اجتهدت في جمعه وتحصيله من الحسنات.. ولعلك تستحضر سؤال النبي الكريم -ﷺ- أصحابه: "أتدرون ما المفلس؟! ". وسارع الصحابة بالإجابة مشيرين إلى المصطلح العام المعروف للمفلس: (المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) . ولكنهم فوجئوا أن النبي -ﷺ- يشير إلى تعريف غير متداول لمصطلح المفلس، ولكنه يمثل القيمة الحقيقية لـ (الإفلاس)، فيقول: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار"! صحيح مسلم (٢٥٨١) .
إنه أمر مفزع حقًا أن يفاجأ الإنسان -الذي كان يشعر باغتباط لمحافظته على أعمال الخير، وحرصه عليها- أن تلك الأعمال التي تعب في جمعها وتحصيلها قد انتقلت منه إلى غيره، بل وحلَّت محلها أوزار استحق بها النار، ومن أجل ماذا حدث هذا المصير المؤلم؟.. إرضاء لنزوة عاطفية، وتجاوبًا مع انفعال عارض!
أخي الكريم: إن الغل والحقد له آثاره النفسية السيئة على صاحبه، وتخيل إنسانًا يحمل فوق رأسه حملًا ثقيلًا أينما راح، وحيثما حل ماذا يناله من الضيق والتعب، ولتعلم أن المنطوي على الغل أشدُّ تعبًا، وأكثر إجهادًا منه!.. حين يعلم بنعمة أصابت صاحبه يظل إعصار الغل يدور داخله بقوة، ينسيه طموحاته، ويشغله عن همومه وأعماله، ليظل خصمه هو (محور) اهتمامه، وكأنما هو ماثل أمامه يثيره ويستفزه!! ومن ثم فهو في عذاب دونه الكثير من العذاب، ولذا أخبر (الله -﷿- أنه ينقى قلوب ساكني الجنة من الغل والحقد، وذلك أن صاحب الغل معذب به، ولا عذاب في الجنة) [تفسير الثعالبي (٢/١٩١)] .
[ ٢٠ / ٣٤٨ ]
أخي الكريم: سيرة النبي الكريم صفحة مشرقة للفضائل، ولو رحت تلتمس موقفه - ﷺ- ممن آذاه لرأيت عجبًا، فهو -ﷺ- يكاد يقتل نفسه من الغم حين يرى إعراضهم عن الهدى والحق، رغم خلو ساحته من المسؤولية بالتبليغ، حتى أشفق عليه ربه -﷿- فقال: "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" [فاطر:٨] وحين نصره الله عليهم، بعد حروب طويلة، حرصوا في كل واحدة منها على قتله، نراهم -كما ورد في السيرة، وليس له إسناد ثابت- يقفون بِذِلَّةٍ بين يديه، وهو يسألهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟ "، ولأنهم يدركون تأصّل التسامح في قلبه، وتجرده من حظوظ نفسه لمبدئه ودينه، قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم!!، فقال - ﷺ -: "أقول كما قال أخي يوسف: "لا تثريب عليكم اليوم"، اذهبوا فأنتم الطلقاء!! ".
وحين نتأمل في كلمة: (لا تثريب عليكم) نجدها اختيرت بعناية، لتتناسب مع النفس الكريمة الكبيرة، فهي تحمل معاني تدور حول: (أي لا تأنيب عليكم، ولا عتب عليكم اليوم، ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم) [تفسير ابن كثير (٢/٦٤٢)] !!
إنه طيٌّ كامل لصفحة، وفتح لصفحة أخرى جديدة، إنه وعد بنسيان (تام) لكل ما جرى من أمور (سلبية) تشعرهم بمجرد (الخجل) منه!.. وصفحة حياته العطرة - ﷺ - مليئة بسطور العفو والصفح، خاصة وقد أكد هذا المعنى عنده ربه -﷿- في وصيته له: (فاصفح الصفح الجميل) [الحجر:٨٥]، أي: (فأعرضْ عنهم إعراضا جميلا، ولا تعجل عليهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم) [فتح القدير للشوكاني (٣/٢٠١)] .
والصفح الجميل: (هو - كما قال عليٌّ وابن عباس - ﵄-: الرضا بغير عتاب) [الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٥/٩٤)] .
أخي الكريم: لعل من الوسائل العملية التي يمكن أن تساعد في التخلص من الغل والحقد ما يلي:
(١) أهمية استشعار أن الإنسان لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كما أخبر بذلك المصطفى - ﷺ-: (ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد والغل والحقد والغش وكلها خصال مذمومة) [فتح الباري (١/٥٨] .
(٢) استشعار الإنسان أن تخلصه من الغل والحقد يمنحه راحة نفسية كبيرة؛ عاجلة وآجلة، (وقد أثنى الله تعالى على خليله إبراهيم - ﵇ - بسلامة القلب، فقال: (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم)، وقال -حاكيًا عنه- أنه قال: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده من الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله. فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد) [الجواب الكافي (٨٤)] .
[ ٢٠ / ٣٤٩ ]
(٣) إن المسلم ينبغي له أن يتسامى عن الأخلاق الدنيئة، وعلى رأسها الغل والحقد، وأن يغلب عليه العفو والصفح، وقد أدَّب الله ﷿ رسوله -ﷺ- بقوله: "ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" [فصلت: ٣٤] (قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذا الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم) [الجامع لأحكام القرآن (١٥/٣١٤)] .
وذلك الأمر ليس سهلًا أو يسيرًا، فهو يحتاج إلى صدق ومجاهدة، ولذا جاء بعد الآية السابقة قوله تعالى: (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) [فصلت:٣٥]، أي وما يلقى (هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة "إلا الذين صبروا" بكظم الغيظ واحتمال الأذى، "وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" أي نصيب وافر من الخير. قاله ابن عباس) [الجامع لأحكام القرآن (١٥/٣١٦)] .
وقد دعا النبي - ﷺ - أصحابه للتسامي والترفع، ابتغاء ما عند الله، فقال لهم: "ألا أدلكم على مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك" أخرجه أحمد (١٧٣٣٤) والبيهقي في الشعب (٨٠٨٠)، وأصله في صحيح مسلم (٨١٤) .
وقد ضرب أبو بكر -﵁- نموذجًا رائعًا في العفو والصفح، فقد شقَّ عليه ما رُميتْ به ابنته عائشة أم المؤمنين -﵂- من الإفك، وشقَّ عليه أكثر أن يكون ممن خاض في الإفك مسطح بن أثاثة -﵁- وكان أبو بكر -﵁ينفق عليه لقرابته منه وحاجته. فلما نزلت الآيات ببراءة عائشة -﵂- قال أبو بكر -﵁- والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا، ولا أنفعه بنفع أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها ما أدخل، فأنزل الله في ذلك: "ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" [النور:٢٢]، فقال أبو بكر -﵁والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا [تفسير الطبري (٩/٢٨٨)] .
وما أجمل تلك المشاعر التي حملتها تلك الأبيات:
إني شَكوتُ لِظالِمي ظُلمي وَغَفَرتُ ذاكَ لَهُ عَلى عِلمِ
رَأَيتُهُ أَسدى إِلي يَدًا لَما أَبانَ بِجَهلِهِ حِلمي
رَجَعت إِساءَته عَلَيه وَإِحساني فَآَب مُضاعَفا تَجرُمي
وَغَدوتُ ذا أَجرٍ وَمحمَدَةٍ وَغدا بِكَسب الذَمِ وَالإِثمِ
مازالَ يَظلِمُني وَأَرحَمَهُ حَتى بَكيت لَهُ مِنَ الظُلمِ
(٤) التحلي بالصفات التي يغلب على الظن أنها تسهم بقوة في إزالة الغل والحقد، ومن ذلك ما ما رُوي عن الرسول - ﷺ: "تصافحوا يذهب عنكم الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء" [قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/١١): وهذا يتصل من وجوه شتى، حسان كلها] .
ورُوي عنه -ﷺ-: "تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر". أخرجه الترمذي (٢١٣٠) .
[ ٢٠ / ٣٥٠ ]
(٥) استشعار أثر الإحن والضغائن في حجب المغفرة عن المسلم، فقد روى أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلح" أخرجه مسلم (٢٥٦٥) .
هذا بعض ما يساعد في التخلص من الغل والحقد، ويدفع إلى (تنظيف) القلب منهما.
أسأل الله أن يمنّ عليك بالهداية والثبات، ويعينك على التخلص من كل ما ينقص إيمانك، أو يحبط أعمالك.
[ ٢٠ / ٣٥١ ]