المجيب أحمد بن علي المقبل
مرشد طلابي بوزارة التربية والتعليم
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات نفسية / الثقة/بالنفس
التاريخ ٣٠-١٢-١٤٢٢
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أنا شاب طيب ومحترم أعمل في وظيفة محترمة متزوج ولي أولاد، أصحابي كلهم ولله الحمد صالحون أستحي وأقدر الناس كثيرًا ولكن عندي عقدة النقص حيث أسعى دائما " لتوكيد الذات" لكن محاولاتي تبؤ بالفشل..!! أجامل الناس حتى على حساب نفسي.. أرى أن هناك أناس أسعد وأهنأ عيشًا مني أتمنى أن أصبح مثلهم وأسعى أن تكون لي مكانة اجتماعية.. ومشكلتي الكبيرة التي حطمتني ولا زالت تقتات سعادتي هي أني أهتم كثيرًا برأي الآخرين في شخصي وإنجازاتي.. أحس أن سعادتي مرتبطة بهم أو بمعنى أصح ببعضهم..!! هؤلاء الأشخاص أهتم بهم اهتمام شديد اجدًاَ واعتقد أن الصواب هو الذي يقولون عليه هم صوابًا لذلك أحاول استشارتهم دائمًا وأغلب الأحيان أجد منهم التجاهل واللامبالاة.. بل والتعالي..!!!
أحتقر نفسي إذا جلست معهم.. صدقوني أنني أشعر بالتعاسة.. دلوني كيف النجاة من هذه الدوامة المزعجة حتى أشعر بطعم الحياة!!؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:-
أخي الكريم أشكر لك ثقتك واسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد وأن يرينا وإياك الحق حقًا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه وألا يجعله ملتبسًا علينا فنضل.. أما عن استشارتك فتعليقي عليها ما يلي:-
أولًا: " تأكيد الذات" مطلب هام وضروري للجميع.. ولا أحد يزعم أنه لا يهتم لتأكيد ذاته أمام الآخرين.. ووضعها بالصورة التي يتمناها لنفسه.. وان اختلفت الطرق والوسائل بحسب الأشخاص والظروف والإمكانات والقدرات..! وكذلك إصابة الهدف المرجو أو مجانبته بين هؤلاء الناس.. لخلل في المرسل أو المتلقي أو الرسالة التي يراد من خلالها تحقيق هذا الهدف!!!
وهذه الرغبة بـ"توكيد الذات" مسألة إيجابية.. متى ما تعاملنا معها بالطريقة المناسبة.. لأنها تعني الطموح.. والرغبة في الارتقاء بشكل أو بآخر.
ثانيًا: يجب أن نفرق بين رغبتنا بالارتقاء بأنفسنا اجتماعيًا أو نفسيًا أو علميًا أو ماديًا.. وبين إحساسنا بالنقص!! فالأول تفكير إيجابي يدفعنا إلى الأمام لنحقق لأنفسنا المكانة التي نتمناها.. والثاني إحساس سلبي يجلب لنا التعاسة ويشدنا إلى الوراء ويقتل فينا أشياء كثيرة من بينها " روح المبادرة والإبداع ".
ثالثًا: نحن جميعًا محتاجون - فعلًا - للارتقاء بأنفسنا بشكل أو بآخر.. ولا أحد منا يدعي الكمال.. فنحن بشر!! ولا يعني ذلك أننا نشعر بالنقص.. ونرثي لحالنا.. بل نسعى لاستكمال ما ينقصنا بشكل موضوعي نركز فيه على قدراتنا وإمكاناتنا.. واثقين بأننا سنحقق ما نريد بعون الله وتوفيقه.. بالإصرار والعمل وبذل الجهد.. وبأننا لسنا أقل قدرًا وقدرة من الآخرين.. وبأن لدينا الإيجابيات والسلبيات.. ودورنا هو في تنمية إيجابياتنا والتخلص من سلبياتنا.. شيئًا فشيئًا.
[ ٢٠ / ٤١١ ]
رابعًا: إن إدراكنا لهذه الحقيقة يجعلنا متفائلين دائمًا بالوصول إلى أهدافنا.. وواثقين من قدراتنا.. وهذا التفاؤل والثقة هو ما يسمى بـ "التفكير الإيجابي" الذي يعتبر الركيزة الأساسية لبناء الذات.
خامسًا: أما عن تقديرك للآخرين.. ومجاملتك لهم وحيائك منهم فهو نوع من نبل الأخلاق.. يجب أن تعتز به وتضيفه إلى رصيدك الإيجابي.. على ألا يتحول هذا الحياء وهذا التقدير إلى انقياد كامل لا إرادي أو استجداء واضح لنيل استحسانهم وثناءهم..!! والفرق هنا واضح وشاسع..! فإذا كنت تتعامل مع الجميع بنفس الطريقة ونفس الأسلوب.. فهناك خلل ما..! لأن الناس يتباينون ويختلفون في أحقيتهم لهذا الاحترام والتقدير إن في المساحة أو الدرجة!!!
وإن كنت تهتز فرحًا لأي إطراء أو كلمة ثناء من أي كان.. وتنقبض حزنًا.. لأي كلمة أو موقف سلبي من أي كان.. وتحاول دائمًا إرضاء الجميع حتى ولو على حساب نفسك أو أسرتك أو عملك فهناك أيضًا خلل..!! لماذا؟! لأنه ليس من الصواب إرضاء كل الناس وليس من الخطأ إسخاط كل الناس ولكن المعول الحقيقي هو على أي نوع منهم أرضيت وأي نوع أسخطت..!!
إذًا فالمعادلة يسيرة.. وفهمها يسير.. والبدء بتطبيقها يسير أيضًا.. وإن كان إتقانها قد يحتاج إلى بعض الوقت ولكن المهم هنا أن نبدأ بمراجعة الذات..!!
سادسًا: ابدأ منذ الآن واكتب جميع إيجابياتك بموضوعية وتجرد في صفحة.. وفي الصفحة الثانية اكتب جميع سلبياتك وهذه خطوة هامة جدًا لنقل تلك الأفكار المتداخلة لديك من عالمك الداخلي إلى عالمك الخارجي.. ووضعها أمامك على الورق..!
ثم قارن بينهما.. واستعمل ما يسمى بقانون " ماذا ولماذا وكيف" حيث تسأل نفسك السؤال التالي:-
ماذا ينقصني؟ ثم أجب بوضوح وتجرد عن طريق الكتابة.. واجعلها على شكل نقاط..
وبعدها اطرح السؤال الثاني:
لماذا؟ وأجب عن كل نقطة مهما كانت التفاصيل من وجهة نظرك.
وأخيرًا ضع السؤال الثالث: كيف أتغلب على كل ذلك؟ وستجد أنك تضع إجابات جيدة هي أقرب ما تكون إلى " التوصيات " حاول أن تلتزم بها وتطبقها.. وشيئًا فشيئًا ستجد أنك تستطيع أن تواجه الأمور بشكل أكثر إيجابية وفاعلية.. بل وأن الكثير من الصفات التي كنت تستبعد امتلاكها قد أصبحت جزءًا من شخصيتك بلا أي تكلف.
سابعًا: أما رأي الناس واهتمامك الكبير فيه..! فالوسطية هنا مطلب ضروري.. والتطرف فيه مرفوض سواء بطلبه والاهتمام فيه بشكل كبير تذوب فيه شخصية الإنسان ورأيه الخاص في أموره الخاصة..!! أو بتجاهله إلى الحد الذي ينسى معه الإنسان نفسه ويتعامل بفردية مطلقة وكأنه لا أحد معه على هذا الكون!!! فكلا الأمرين خاطئ..!!!
ثم إن الأمور تتفاوت فيما بينها من ناحية الوضوح والأثر والنوع والعلاقة بالناس.. وكل ذلك يؤثر في تقييمنا لها ولرأي الناس حولها..!!
[ ٢٠ / ٤١٢ ]
ثامنًا: صدقني - أخي الكريم - أنت تملك الكثير من الإيجابيات وعوامل النجاح الذاتي والاجتماعي.. فلا تتعامل مع نفسك بهذا " الشكل " وتتحدث عنها بهذه " اللغة "!! وكل ما عليك هو أن تكون إيجابيًا - كما أسلفت- مع نفسك أولًا.. لأن " الأفكار الإيجابية" تستدعي مواقف إيجابية.. حسب " قانون التداعي النفسي" ثم تكون إيجابيًا مع من حولك.. تشاركهم في أحاديثهم ومناسباتهم.. ولا تفكر كثيرًا بالأثر أو الانطباع الذي تتركه لديهم عندما تقابلهم.. أو بعد ما تغادرهم.. بل تتعامل معهم بوضوح وتقدير.. ولا تنشغل كثيرًا بما تعنيه نظراتهم لك.. أو مشاعرهم تجاهك.. وثق أنك لن تستطيع أن ترضي كل الناس.. إلا بشرط واحد.. وهو أن تتحول إلا إنسان متلون متذبذب لا موقف لك ولا مبدأ.. وبالتالي ستخسر نفسك.. وستخسر بخسارتها الجميع..!! فكن واثقًا من ذلك.. واخرج يا عزيزي من دائرتك الخاصة إلى دوائر الآخرين.. ولا تفكر كثيرًا بذاتك.. فأنت تملك الكثير مما يملكه غيرك بل ربما تفوقهم في أمور.. ويفوقونك في أمور.. والفرق بينكما أنك تحاملت على نفسك وتعاملت معها بحساسية كبيرة أما الآخر فتعامل في نفسه بإيجابية وثقة..!!
تاسعًا: أنت قادر على أن تبدأ منذ الآن.. وتتخذ القرار وتعامل الناس بحسب أقدارهم وفئاتهم من أصدقاء وزملاء ومعارف.. كل بحسب قدره ومكانته.. دون أن يسعدك التبسم أو يقنطك التجهم.. فأنت الذي يملك زمام نفسك.. وأنت أدرى بصحبك.. وأقدر على التعامل مع كل منهم بما يستحق.
عاشرًا: قبل هذا وبعده.. صدق الالتجاء إلى الله.. وطلب العون منه والتوفيق.. والقرب منه والتذلل إليه.. والثقة فيه ستنعكس عليك ثقة في نفسك ويقينًا واطمئنانًا بقدرتك على التعامل مع الحياة والناس كما تتمنى.. وفقك الله وأعانك وسدد على طريق الخير والحق خطاك.
[ ٢٠ / ٤١٣ ]