وحدانية الالهية
[ ١ / ٦٩ ]
(١٠- الوهابية ليست مذهبًا جديدًا ولا ينبغي جعلها لقبًا)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم مدير المعارف الشيخ محمد ابن عبد العزيز بن مانع.
هداني الله وإياه صراطه المستقيم وجنب الجميع طريق أَهل الجحيم. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد اطلعت على ما كدر الخاطر، وهو أَن إدارة الامتحانات بمديرية المعارف ذكرت في امتحان شهادة النظم الدراسية الابتدائية لعام ٧١هـ في البند الثاني من المادة الثانية (ب): إنتشار مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المملكة العربية السعودية. وهذا ظاهر في أَن المعارف ترى أَن الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب مذهب جديد، وهذا هو بعينه ما عليه القبوريون في هذه الأَزمان وأَعداء التجديد والدعوة التي من الله بها على أَهل نجد والحجاز على يد الشيخ رحمة الله عليه، فلا بد من إيضاح هذه المسألة والرجوع عن هذه الكلمة الخاطئة رجوعًا منتشرًا. والسلام.
(صادر المعهد العلمي بالرياض رقم ٢٢٥ في ١٣-٨-٧١هـ) (١) .
_________________
(١) قلت: ويستحسن هنا ذكر نموذج من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بيان حقيقة دعوته. قال ﵀ في رسالته إلى عبد الرحمن ابن عبد الله السويدي: وأَخبرك أني ولله الحمد متبع لست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به هو مذهب أَهل السنة والجماعة الذي عليه أَئمة المسلمين مثل الأَئمة الأَربعة وأَتباعهم إلى يوم القيامة. ولكني بينت للناس اخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن اشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه أَحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم. الخ. أنظر (الدرر السنية الجزء الأول ص ٥٤) . وأَما التكفير فأَنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. وأَما القتال فلم نقاتل أحدًا إلى اليوم الا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرف (الدرر ص ٥١) . وقولكم أننا نكفر المسلمين فانا لم نكفر المسلمين بل ما كفرنا إلا المشركين (تاريخ ابن غنام ص ٣٤٤ مطبعة المدني) . أَقول ولله الحمد والمنة: أَنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين، ولست ولله الحمد أَدعو إلى مذهب صوفي أَو فقيه أَو متكلم أَو إمام من الأَئمة الذين أَعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم بل أَدعو إلى الله وحده لا شريك له وأَدعو إلى سنة رسوله التي أوصى بها أول أمته وآخرهم. (ص ٢١٥ تاريخ ابن غنام) . وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -﵀- في المقامات التي شبه فيها الوقائع التي جرت على هذه الدعوة الاسلامية وامامها من عدوهم في الدين بما جرى لنبينا محمد ﷺ وصحابته من عدوه ونصر الله له ما نصه: (المقام الثامن) أَن الله سبحانه ألبس هذه الطائفة أَفخر لباس، واشتهر بين الخاصة والعامة من الناس، فلا يسميهم أَحد إلا بالمسلمين فقال جل ذكره (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا) فهذا الاسم الحقه الله أصحاب رسوله، وألحقه هذه الطائفة، كما ألحقه اخوانهم من السابقين الأولين. فيالها عبرة ما أقطعها لحجة من شك وارتاب، وما أنفعها في الاعتبار لمن أراد الحق وطلبه وإليه أناب. (الدرر السنية جزء ٩ ص٢٢٣، ٢٢٤) .
[ ١ / ٧١ ]
(١١- يسوغ تلقيبهم بأهل التجديد والتوحيد)
وقال شيخنا قدس الله روحه في تقريره على العقيدة الواسطية شارحًا قول مؤلفها (وسموا أَهل الكتاب والسنة): لأَن مستمدهم هو الكتاب والسنة. ونظيره تسمية أَنصار الدين «المجددين» (١) وقيل لهم: «أَهل التوحيد» . فأَهل التجديد والتوحيد - فيمن قيل لهم ذلك- يسوغ فرقًا بين من يدعي الإسلام (٢) .
(١٢- وهم يرون الصلاة على النبي ركنا)
وقال بعد استعراض المذاهب في الصلاة على النبي في الصلاة:
ثم انظر العجب أَن أَهل نجد يرون الصلاة على النبي ركنًا وأُولئلك لا يرون أَنها ركن في الصلاة. فهم -أَهل نجد- أَعظم الناس حفظًا لحقوق الرسول. وهم خير من جميع النواحي، فإنه لم يوجد إطباق على الخير مثل إطباق أَهل نجد. أَما الأَفراد فموجود كثير في المغرب وغيره. (٣) . (تقرير)
(١٣- ومسألة تكفير المعين ليسوا فيها على مذهب الخوارج)
مسأَلة تكفير المعين: من الناس من يقول: لا يكفر المعين أَبدا.
_________________
(١) وورد في الحديث الذي رواه أبو داود: «ان الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» .
(٢) قلت ويعبر بعض الكتاب المتأخرين «بدعوة الاصلاح» «والامام المصلح» وفي رأيي أَنها لا تفي بمعنى أَهل التجديد والتوحيد والامام المجدد.
(٣) وانظر الجواب عن قولهم أَهل نجد خوارج بدليل أَنهم يحلقون رؤوسهم في (باب السواك) قريبا.
[ ١ / ٧٣ ]
ويستدل هؤلاء بأَشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها (١) وأَظنهم لا يكفرون إلا من نص القرآن على كفره كفرعون. والنصوص لا تجيء بتعيين كل أَحد. يدرس باب (حكم المرتد) ولا يطبق على أَحد، هذه ضلالة عمياء وجهالة كبرى، بل يطبق بشرط.
ثم الذين توقفوا في تكفير المعين في الأَشياء التي قد يخفى دليلها فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أُوضحت له الحجة بالبيان الكافي كفر سواء فهم، أَو قال:
ما فهمت، أَو فهم وأَنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد.
وأَما ما علم بالضرورة أَن الرسول جاء به وخالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أَو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام.
والقسم الثالث (٢) أَشياء تكون غامضة فهذه لا يكفر الشخص فيها ولو بعدما أُقيمت عليه الأَدلة وسواء كانت في الفروع أَو الأُصول ومن أَمثلة ذلك الرجل الذي أَوصى أَهله أَن يحرقوه إذا مات (٣) .
_________________
(١) قلت: وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه المسألة ووضحها ونقل فيها كلام ابن تيمية قال ﵀: واما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم، فانه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة. فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أَن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار تقوم عليهم الحجة بالقرآن -الى ان قال- وإذا كان كلام الشيخ ليس في الشرك والردة بل في المسائل الجزئيات. الخ. (أنظر الدرر الجزء الثامن ص ٧٩، ٩٠، ٩٠ وجوابًا للشيخ عبد الله أَبا بطين عن هذه العبارة ص ٢١٠ منه) .
(٢) تقدم القسم الأول وهو الأشياء التي قد يخفي دليلها وليست من المسائل الخفية، والثاني ما علم بالضرورة أن الرسول جاء به.
(٣) أخرجه البخاري في الجزء الرابع ص ٢٠٥.
[ ١ / ٧٤ ]
وإمام الدعوة أَلف مؤلفًا في مسأَلة تكفير المعين وهو المسمى:
«مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد» بين ووضح أَنه لا مناص من تكفير المعين بشروطه الشرعية.
ثم عند ذكر التكفير تعلم أَن الناس ثلاثة أَقسام: طرفان، ووسط طرف يكفر بمجرد المعاصي. هؤلاء هم الخوارج يخرجونه من الإيمان ويدخلونه في أَهل الكفران، والمعتزلة تخرجه من الإيمان ولا تدخله في الكفر، ولكنهم يحكمون بخلوده في النار. أَما أَهل الحق فلا يعتقدون ذلك في العصاة. ولا يخفى بطلان قول الخوارج والمعتزلة، كما لا يخفى بطلان قول من قال: إن من قال لا إله إلا الله فهو مسلم وإن فعل ما فعل. (تقرير)
(١٤- جهل الكثير بحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀)
وقال -بعد أَن ذكر إمكان نشر الدعوة إلى الله ولو بطريقة التنقل والسياحة وبيان حقيقة ما دعا إليه الشيخ محمد ﵀: وأَنا أَقص الآن قصة عبد الرحمن البكري من اَهل نجد- كان أَولا من طلاب العلم على العم الشيخ عبد الله (١) وغيره، ثم بدا له أَن يفتح مدرسة في عمان يعلم فيها التوحيد من كسبه الخاص فإذا فرغ ما في يده أخذ بضاعة (٢) من أَحد وسافر إلى الهند وربما أخذ نصف سنة في الهند. قال الشيخ البكري: كنت بجوار مسجد في الهند وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعنوا ابن عبد الوهاب، وإذا خرج
_________________
(١) ابن عبد اللطيف آل الشيخ.
(٢) مال يتجر فيه ببعض ربه.
[ ١ / ٧٥ ]
من المسجد مر بي وقال: أَنا أُجيد العربية لكن أحب أَن أَسمعها من أَهلها، ويشرب من عندي ماءً باردًا. فأَهمني ما يفعل في درسه، قال: فاحتلت بأَن دعوته وأَخذت «كتاب التوحيد» (١) ونزعت ديباجته ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه، فلما حضر قلت: أَتأْذن لي أَن آتي ببطيخة. فذهبت، فلما رجعت إذا هو يقرأُ ويهز رأْسه فقال: لمن هذا الكتاب؟ هذه التراجم (٢) شبه تراجم البخاري هذا والله نفس البخاري؟! فقلت لا أدري، ثم قلت أَلا نذهب للشيخ الغزوي لنسأَله -وكان صاحب مكتبة وله رد على جامع البيان- فدخلنا عليه فقلت للغزوي كان عندي أَوراق سأَلني الشيخ من هي له؟ فلم أَعرف، ففهم الغزوي المراد، فنادى من يأْتي بكتاب «مجموعة التوحيد» فأُتي بها فقابل بينهما فقال هذا لمحمد بن عبد الوهاب. فقال العالم الهندي مغضبًا وبصوت عال: الكافر. فسكتنا وسكت قليلًا. ثم هدأَ غضبه فاسترجع. ثم قال: إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه. ثم إنه صار كل يوم يدعو له ويدعوا معه تلاميذه وتفرق تلاميذ له في الهند وإذا فرغوا من القراءة دعوا جميعًا للشيخ ابن عبد الوهاب. اهـ.
(تقرير) (٣)
(١٥- المسلمون والاسلام)
والمسلمون الآن إذا اطلقوا فإن المراد بهم المسلمون من أَمة محمد ﷺ خاصة بخلاف غيرهم. فإن من لم يتبع شريعة
_________________
(١) الذي هو حق الله على العبد.
(٢) العناوين.
(٣) قلت هذه قصة يتناقلها المشايخ وسمعتها من شيخنا في تقريره مرتين: وقال تعليقًا على هذه القصة: أن العماية الكبرى كلها من المنتسبين إلى الاسلام، وان على الداعي إلى الله أن يدعو إلى العقائد أولًا، لا إلى الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج. وقال: ومع الأسف أهل التوجيه والدعوة قليل فيهم هذا أو معدوم.
[ ١ / ٧٦ ]
محمد ﷺ فليس بمسلم بل يقال يهودي، نصراني أَما قبل بعث النبي ﷺ فإن من اتبع ما جاء به رسوله فهو مسلم.
(تقرير)
وقال: إسلام الأَكثر إسلام إسمي، فإن أَكثر المنتسبين إليه في هذا الوقت يقال لهم المسلمون إسمًا ضد اليهود والنصارى. من وجد منه ما ينقضه فإنه إسلام الإسم ولا حب ولا كرامة.
أَفيظن أَن من رضوا بالأَوثان وعبدوها وحاموا دونها وجبوا بها الجبايات وحكموا القوانين، أَفبعد هذا إسلام؟ هل هذا إلا الكفر الذي بعث ﷺ بهدمه؟! وأَصغركم يعرف أَن كل من دخل في الإسلام يبقى عليه بكل حال، بل إذا نقضه خرج. وباب حكم المرتد معروف ومبين من هو بإجماع بين أَهل العلم أَن الردة ردتان. (تقرير على الورقات) .
لكن وقع ما أَخبر به النبي ﷺ في قوله: «يأْتي قوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها» (١) وقد وقع استحلوا الشرك وسموه بغير اسمه، فقالوا: توسل واستشفاع. لكن هو توسل المشركين واستشفاعهم. (تقرير مسائل التوحيد) .
(١٦- وسئل عن جزار ينتسب إلى الاسلام يقال له فاضل الدين هل تحل ذبيحته؟)
فأَجاب:
يشترط في القصاب فاضل الدين أَن يكون مسلمًا، صحيح المعتقد
_________________
(١) عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا تذهب الليالي والايام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» رواه ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية.
[ ١ / ٧٧ ]
ينكر الخرافات كعبادة القبور وغيرها مما يعبد من دون الله، وينكر جميع المعتقدات والبدع الكفرية: كمعتقد القاديانية، والرافضة الوثنية، وغيرها. ولا يكتفى في حل ذبيحته بمجرد الانتساب إلى الإسلام والنطق بالشهادتين وفعل الصلاة وغيرها من أَركان الإسلام مع عدم الشروط التي ذكرناها، فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام وينطقون بالشهادتين ويؤدون أَركان الإسلام الظاهرة ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم ولا تحل ذكاتهم لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأَنبياء والصالحين والاستغاثة بهم وغير ذلك من أَسباب الردة عن الإسلام. وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام أَمر معلوم بالأَدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأَئمتها.
ثم ما ذكرنا من الأمور المطلوبة في هذا القصاب يعتبر في ثبوتها نقل عدل ثقة يعلم حقيقة ذلك من هذا الرجل، وينقله الثقة عن هذا العدل حتى يصل إلى من يثبت لديه ذلك حكمًا ممن يعتمد على ثبوته عنده شرعًا. والله أَعلم. قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن ابراهيم. (ص-م-٦١٧ في ٢٠-٥-٧٤هـ)
(١٧- معرفة أصل الاسلام أولا)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة فضيلة السكرتير العام لجمعية العلماء المركزية -دلهي- وفقهم الله للعمل بكتابه، وتحكيم شريعة رسوله محمد ﷺ.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنحمد الله إليكم تعالى، ونصلي ونسلم على خاتم أَنبيائه ورسله، وآله وصحبه. وقد وصلنا كتابكم الذي ذكرتم فيه أَن المجلس
[ ١ / ٧٨ ]
التنفيذي للجمعية المركزية لعلماء الهند قرر في جلسته المنعقدة بولاية دلهي بالهند أَن يتصل بالهيئات الإسلامية في البلاد الإسلامية الناهضة، ليستنير بآراء رجالها، وما وضعوه من قوانين في سبيل الإصلاح الديني والاجتماعي الذي يتلاءم مع التعاليم والأَخلاق الإسلامية، ويتعرف العوامل والأَسباب الأَساسية التي راعاها المصلحون الشرعيون، والأَهداف التي يرمون إليها، وذلك تمهيدًا لإصدار قوانين إصلاحية شاملة للنهوض بالمسلمين بالهند وذكرتم من المسائل التي يهم المجلس أَن يستنير بالرأْي فيها ما يلي:
١- حكم من يتزوج بزوجة ثانية مع وجود الزوجة الأولى.
٢- حكم إشراط ابن الإبن في الميراث مع وجود أَبناء الصلب.
٣- حكم إنفاق الأَموال في حفلات الزواج والمأْتم.
وقبل الشروع في الجواب أحب أَن أُقدم لكم مقدمة مختصرة مهمة، وهي: انه مما يسرنا ويسر كل مسلم غيور على دينه أَن يتكون من الجمعيات العامة التي تهدف إلى إصلاح الأَوضاع والتمسك بأَصل الدين وتعاليمه الشريفة ومحاربة كل ما خالف الشريعة الإسلامية من البدع والخرافات والدجل، وكذلك ما هو أَهم من ذلك ما يدخله الملحدون والزنادقة والمستشرقون وغيرهم في أَفكار بعض المسلمين في تشكيكهم في أَصل دينهم، وتضليلهم عن سنة نبيهم ﷺ وشريعته، وتحكيم القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية. وأَهم ذلك معرفة أَصل التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ، وتحقيقه علمًا وعملا ومحاربة ما يخالفه من الشرك الأَكبر الذي يخرج من الملة، أَو من
[ ١ / ٧٩ ]
أنواع الشرك الأَصغر. وهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله. وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله: من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأَوضاع وسائر الأَشياء التي ما أَنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أَو حاكم إليها معتقدًا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة. (١)
(ص-ف٦٢ -١ في ٩-١-١٣٨٥هـ)
(١٨- تفسير أصل الاسلام - التوحيد)
(هذه نصيحة ذكر فيها نوعي التوحيد، وان الاقرار بتوحيد الربوبية يكفي في الاسلام - قال في بيان معنى توحيد الالهية) (٢):
ومعناه إفراد الله تعالى بجميع أَنواع العبادة: بأَن لا يدعى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرجى ولا يخاف إلا هو ولا يذبح ولا ينذر إلا له، إلى غير ذلك من أَنواع العبادة وهي كثيرة فإن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأَقوال والأَعمال الظاهرة والباطنة.
ومجرد الإقرار بتوحيد الربوبية من أَن الله هو الخالق الرازق المدبر وحده لا يكفي في عصمة الدم والمال، ولا يكون به الرجل مسلمًا حتى يوحد الله تعالى في العبادة، فإن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية
_________________
(١) قلت وتأتي الأجوبة عن بقية الأسئلة في مواضعها من أبواب الفقه إن شاء الله.
(٢) سقطت الصحيفة الأولى من هذه النصيحة ولم أجدها بعد البحث والسؤال.
[ ١ / ٨٠ ]
كما قال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وكانوا مع إقرارهم بذلك كفارا مشركين حلال الدم والمال، لشركهم بالله في العبادة.
وشرك هؤلاء المشركين الذين نزل القرآن بكفرهم وقاتلهم رسول الله ﷺ ليس أَكثر من جعلهم الوسائط بينهم وبين الله تعالى، يدعونهم مع الله، ويذبحون لهم، ونحو ذلك، يزعمون أَنهم يشفعون لهم عند الله ويقربونهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٢) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (٣) وقال تعالى عن صاحب يس: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ - إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ- إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) (٤) . وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) (٥)
_________________
(١) سورة يونس ٣١.
(٢) سورة يونس ١٨.
(٣) سورة الزمر ٣.
(٤) سورة (ياسين) من ٢٢- ٢٥.
(٥) سورة الانعام ٩٤.
[ ١ / ٨١ ]
وقال تعالى: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (١) .
وهذا التوحيد هو مدلول الكلمة العظيمة لا إله إلا الله، وفإنها اشتملت على أَمرين هما ركناها: النفي، والإثبات. فشطرهالا الأَول وهو «لا إله» نفي، وشطرها الآخر وهو «إلا الله» إثبات. فالنفي المحض ليس بتوحيد، كما أَن الإثبات المحض ليس بتوحيد، وإنما التوحيد في مجموع الأمرين: نفي الألوهية التي بحق عن غير الله نفيًا عامًا كما تفيده «لا» النافية للجنس الداخلة على النكرة. وإثبات جميع أنواع الألوهية لله وحده كما تقتضيه «إلا» الإيجابية. إذ معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (٢) .
وقد جاء تفسير لا إله إلا الله مبينًا في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ - وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٣) . والمراد بالكلمة المذكورة في هذه الآية لا إله إلا الله، فإن المعنى أَن إبراهيم ﵇ جعل (إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) كلمة باقية في عقبه أَي ذريته يدين بها منهم من لا يشرك بالله شيئًا، ومن المعلوم عند العلماء من المفسرين وغيرهم أَن الكلمة التي ترك إبراهيم ﵇ في عقبه هي لا إله إلا الله، فكان معبرًا عنها في هذه الآية الكريمة (إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) فاتضح بذلك أَن هذا هو معنى لا إله إلا الله.
_________________
(١) سورة الأحقاب ٢٨.
(٢) سورة الحج ٦٢.
(٣) سورة الزخرف ٢٦- ٢٨.
[ ١ / ٨٢ ]
ومما يفسر لا إله إلا الله ويوضح معناها أَيضًا قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (١) فإنه لا كلمة يدعو إليها النبي ﷺ أَهل الكتاب وغيرهم سوى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، وجاءت هذه الكلمة مفسرة في هذه الآية يقول الله ﷿: (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) وهذا من أَبين شيء في تفسير لا إله إلا الله.
هذا ما نعتقده وندين الله به.
وإني إذ أُقرر هذه الأُصول العظيمة الواجبة الاتباع استنهض همم إخواني المسلمين في داني الأَرض وقاصيها واستثير عزائمهم إلى التمسك بذلك والاعتناء به، وادعوهم إلى أَن يرجعوا إلى ربهم في سرهم وعلانيتهم، ويصدقوا فيما بينهم، وأَن تتصافا قلوبهم وتتوحد كلمتهم وتجتمع صفوفهم، ويكون الهدف والقصد واحدًا وهو تحكيم الشرع الشريف ورفض القوانين الوضعية التي عزل بها الكتاب والسنة. فبذلك يقوم لنا مجدنا، ونكون السباقين إلى كل خير، المنصورين في كل حلبة. قال الله تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (٢) . وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) (٣) .
هذا وإني قد فتحت الباب على مصراعيه لمن يريد المذاكرة معي في أَي شيء مما يراد به الحق ونصرة الإسلام والمسلمين.
_________________
(١) سورة آل عمران ٦٤.
(٢) سورة آل عمران ١٣٩.
(٣) سورة آل عمران ١٠٣.
[ ١ / ٨٣ ]
وختامًا أُوصي إخواني المسلمين باغتنام بقية هذا الشهر الشريف وأَن يختموه بتوبة نصوح ويتعرضوا فيه لنفحات رحمة المولى ﵎، فإن لله في أَيام الدهر نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، فمن أَصابته سعد سعادة لا يشقى بعدها أَبدا. وأَحرى الأَيام بها أَيام هذا الشهر العظيم. وفي الحديث عن النبي ﷺ: «شهر رمضان أَوله رحمة، وأَوسطه مغفرة وآخره عتق من النار» (١) . هذا وأَسأَل الله عز شأْنه أَن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأَن يبلغنا في إخواننا المسلمين ما نحبه لهم من خيري الدنيا والآخرة، وأَن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، كما أَسأَله تعالى وأَبتهل إليه أَن يجعل أَزكى صلواته وأَفضل تسليماته وأَسمى تكريماته على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أَجمعين. (بخط مدير مكتبه)
(١٩- الجهل بأصل الاسلام ومضرته)
في هذه الأَزمان وقبلها بأَزمان يدعي العلم ضخام العمائم الذين يدعون أَنهم حفاظ الدين على الأمة وأَنهم وأَنهم، أَبو جهل أَعلم منهم، فإنه يعلم معنى لا إله إلا الله وهم لا يعرفونه. والجهل درجات فيه تعرف قدر الذين أَبو جهل أَعلم منهم. (تقرير)
ما دخلت الخرافات إلا بالتسامح في معرفة التوحيد وبالغلو في الصالحين، وأَنه يكفي التسمي بالإسلام. فبذلك وقع الشرك.
(تقرير التوحيد ١٥-١١-٦٧هـ) .
_________________
(١) رواه ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما.
[ ١ / ٨٤ ]
(٢٠- الدعوة إلى التوحيد قبل الدعوة إلى الفروع كالحج والصيام والزكاة والنهي عن بعض المحرمات )
بسم الله الرحمن الرحيم
أُوجه خطابي هذا إلى كافة المسلمين من حجاج بيت الله الحرام وغيرهم، نصيحة لهم، وبراءة للذمة، ورجاء أَن ينتبهوا من غفلتهم ويستيقظوا من رقدتهم، ويصير أكبر همهم وجل بحوثهم وعامة كتاباتهم وإرشاداتهم حول تحقيق معرفة ما هم إليه أَشد شيء ضرورة من بيان حقيقة ما بعث الله به رسوله ﷺ، بل ضرورتهم إلى ذلك أَعظم من ضرورتهم إلى الطعام والشراب، بل أَعظم وأَكبر من ضرورتهم إلى النفس، فإن المتكلمين من الكتاب والمرشدين وسواهم ممن يلم بجنس هذه الأمور قد اختلفت وجهتهم وافترقت مغازيهم في كتاباتهم وإرشاداتهم، وذلك بحسب اختلاف وافتراق ما يدور في أَفكارهم ويستقر في تصوراتهم ويحسن في أَنظارهم من حيث المهمات والأَهميات لا فرق في ذلك بين المتكلم والمرشد الديني والمتكلم خلافه. وأَجد من يتكلم عن الأمور الدينية أَكثرهم أَو كلهم إلا من شاء الله لا يكتبون ولا يرشدون إلا في أُمور هي في الحقيقة من الفروع والمكملات، فتجد الكاتب وتجد المرشد لا يتكلم إلا حول فرضية الصلاة مثلا ووجوب فعلها في جماعة أَو الحج، أَو صيام رمضان، أَو الزكاة وأَشباه ذلك. أَو في أَشياء من المحرمات كالربا والتعدي على الأَنفس والأَموال والأَعراض وغير ذلك من المعاصي والمخالفات، ونعم ما فعلوا، وحسن طريقًا ما سلكوا ولكنهم كانوا عن أَهم الأَهم في بعد إلى الغاية، فقد كان خير الخلق محمد رسول الله ﷺ في أَول بعثته ومبدأ دعوته
[ ١ / ٨٥ ]
يبدأُ بالأَهم فالأَهم، وأَقام ﷺ بمكة عشر سوات من بعثته قبل فرض الصلاة التي هي عمود الإسلام وما بعدها من الأركان كل ذلك في بيان التوحيد والدعوة إليه، وبيان الشرك وتهجينه والتحذير منه.
وأَول سورة أُنزلت عليه ﷺ في رسالته سورة: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ - وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) وكان ﷺ يسلك في الإنذار عن الشرك والدعوة إلى التوحيد شتى الطرق ويسعى في حثه الناس لإبلاغهم ذلك بكل ما يمكنه حتى إنه مرة صعد على الصفا ﷺ رافعًا صوته واصباحاه. فلما اجتمعوا إليه قال: يا أَيها الناس إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فحقيق بالمسلمين ولا سيما العلماء (١) كبير عنايتهم ومزيد اهتمامهم بمعرفة حقيقة ما بعث الله به الرسل من أَولهم إلى آخرهم وخاتمهم محمد رسول الله ﷺ وعليهم أَجمعين وتعليمهم ذلك، والعمل به ظاهرًا وباطنًا، والموالاة والمحبة والتناصح فيه، والتواصي به: من توحيد الله ﵎ في ربوبيته وفي ذاته ﵎، وأَسمائه وصفاته وأَفعاله، وفي إلهيته وما يستحق من عبادته وحده لا شريك له، وأَنه ما في العالم علويه وسفليه من ذات أَو صفة أَو حركة أَو سكون إلا الله خالقه لا خالق غيره ولا رب سواه، وأَن يوحد ﷾ في ذاته وأَسمائه وصفاته وأَفعاله بأَن يؤمن أَنه تعالى واحد أَحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن
_________________
(١) أن يجعلوا.
[ ١ / ٨٦ ]
له كفوا أحد، وأَنه حي قيوم، على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأَنه ﵎ سميع بصير، يرضى، ويسخط، ويحِب، وَيُحَب، إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة من أَسمائه وصفاته ﵎، فنثبت كل ما ورد في الكتاب والسنة من هذا الباب إثباتًا بريئًا من تشبيه المشبهين، كما ننزهه ﵎ عن جميع ما لا يليق بجلاله وعظمته تنزيهًا بريئًا من تعطيل المعطلين. وأَن يوحد ﵎ في أُلوهيته بأَن يفرد بجميع أَنواع العبادة، فلا يعبد إلا إياه ولا يدعى أَحد سواه، ولا يسجد إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يستعان ولا يستغاث إلا به، ولا ينحر ولا ينذر إلا له، ولا يخشى ولا يخاف أَحد سواه، ولا يرجى إلا إياه، حتى يكون ﷾ هو المفزع في المهمات، والملجأ في الضرورات، ومحط رحل أَرباب الحاجات في الرغبات والرهبات وفي جميع الحالات، فهذا هو مضمون أَصل الدين وأَساسه المتين شهادة أَن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأَصله الثاني شهادة أَن محمدًا رسول الله ﷺ نطقًا واعتقادًا وعملًا، وهو طاعته فيما أَمر، وتصديقه في جميع ما أَخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأَن لا يعبد الرب ﵎ إلا بما شرعه رسوله محمد ﷺ، وأَن تقدم محبته ﷺ على النفس والولد والوالد والناس أَجمعين، وأَن يحكم ﷺ في القليل والكثير والنقير والقطمير، كما قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) (١)
_________________
(١) سورة النساء ٦٥.
[ ١ / ٨٧ ]
وقال ﷺ: «لا يُؤمِن أَحَدُكمْ حَتَّى يَكوْنَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئتُ بِهِ» (١) .
ومن المهم جدًا اتصال المسلمين بعضهم ببعض اتصالًا خاصًا، وأَن يتذاكر بعضهم مع بعض في هذه الأصول العظيمة، وأَن يبذلوا جميعًا غاية جهودهم ونهاية قدرهم في البحث الدقيق في تفاصيلها، ويحرصوا كل الحرص في تطبيق اعتقاداتهم ومساعيهم وأَعمالهم عليها، وأَن يتبادلوا النصائح الصادقة فيما بينهم، وأَن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا، وأَن يكونوا شيئًا واحدًا في العمل بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، يدًا واحدة في الذب عن حوزة الدين، ومناوأَة أَعدائه من الكفار والمشركين، فإن الأَخذ بذلك هو سبب السعادة والسيادة والفوز والنجاة في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا أَن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأَن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأَن تناصحوا من ولاه الله أَمركم» . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص-م-١-١٢-١٣٧٤هـ) محمد بن إبراهيم آل الشيخ.
(٢١- كما تجب الدعوة إلى التوحيد يجب النهي عن ضده)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم فضيلة رئيس القضاة بالمكلا الشيخ عبد الله بكير.
_________________
(١) قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة باسناد صحيح ورواه الطبراني وأبو بكر بن عاصم والحافظ أبو نعيم.
[ ١ / ٨٨ ]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ونسأَل الله لنا ولكم الاستقامة على دينه، والثبات على الإسلام إلى الممات.
وبعد: - فلا يخفاكم فضل الدعوة إلى الله وأَنها مقام رسل الله وخلفائهم، وأَنتم أَهل كلمة ومقام في بلادكم. والواجب عليكم أَن تقوموا بما أَوجب الله من النصيحة والإرشاد وتقفوا حياتكم على الدعوة إلى توحيد الله الذي بعث الله به رسله وأَنزل به كتبه، ولا يخفاكم ما ورد في الحديث «فوالله لأَن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» . وكما تجب الدعوة إلى التوحيد يجب النهي عن ضده مما ابتلي به كثير من عبادة القبور والتوسل بالأَولياء والصالحين. ونعتقد أَن هذا الأَمر من بالكم ولكن أَحببنا مذاكرتكم ولفت نظركم إلى هذا المهم العظيم، نسأَل الله أَن يتولى توفيق الجميع والسلام عليكم ورحمة الله.
(ص-م-٤٣٦ في ٤-٣-٧٧هـ)
(٢٢- تعليم أصول الدين لعامة الناس)
جاء في رسالة وجهها إلى القضاة ليحثوا الناس على أَداء الصلاة جماعة في المساجد ويذاكروا العامة أُصول دينهم ما نصه:
يتعين على إمام كل مسجد أَن يقوم بعد صلاة فجر كل يوم بتعليم ثلاثة أَشخاص من جماعة مسجده أَو أَكثر حسب الاستطاعة أُصول الدين، كمختصر ثلاثة الأصول، وشروط الصلاة، وأَن يتعاهد جماعة مسجده بالنصيحة والتذكير والدرس، ويعقد لهم مجلسًا يوميًا يسأَلهم فيه عن أُمور دينهم، ويعلمهم ما يخفى عليهم فيها، ومن طلب مهلة لتذركها وتحفظها فيمهل، ومن امتنع من ذلك
[ ١ / ٨٩ ]
يلزم به من قبل الإمام والمؤذن والهيئة، وإن لم يمتثل فيرفع باسمه إليكم لتقوموا حوله بما يلزم براءة للذمة ونصحًا للأمة.
(ص-ف-٢٥٢٧ في ١٣-٥-٨٦هـ وتأْتي في باب صلاة الجماعة)
(٢٣- مراتب الدعوة)
في بعض الأَحيان يجادل باللتي هي أَحسن. وأَهل الباطل أَقسام: قسم تكفي فيه الحكمة بأَن تبين له النصوص والحكم الشرعي فإن أَجدى فهو المطلوب. وإن لم يجد فيجادل ويناظر بقدر. فإن لم يجد فالمجالدة إن أَمكن، فهي ثلاث:
بالحكمة، ثم المجادلة، ثم المجالدة. وهي بحسب الأَزمان والأَشخاص. (تقرير) (١)
(٢٤- من اعتنق الاسلام علم الشهادتين..)
من اعتنق الإسلام وجب أَن يلقن الشهادتين، وكذلك يعلم مهمات الدين. قيل وجوبًا. وقيل ندبًا. أَما تعليمه أَصل ذلك فواجب لابد منه. وهذا عند أَول اعتناقه الإسلام. (تقرير) (٢)
(٢٥- مع اظهار الاسلام لا تجب الهجرة. اظهار الاسلام)
تقدم إلي محمد بن مقرن بن مشاري باستفتاء هذا نصه:
أَما بعد: أَفتنا عن معنى حديث «مَن سَاكَن الْمشرك وَجَامَعَه فهوَ مِثله» .
وحديث «أَنا بَرِيءٌ مِن مَسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين» وحديث «مَن اقتبَسَ شعبَةً مِن النُّجوْم فَقَدْ اقْتَبَسَ شعْبَةً من السِّحرِ زادَ مَازاد» .
_________________
(١) قلت: وهذا التقسيم موجود أيضًا في كلام ابن القيم نقله في «فتح المجيد» ص٤٧. وانظر بقية الرسائل في الدعوة إلى الله في الجزء الأخير من هذه الفتاوي.
(٢) ويأتي في «باب حكم المرتد» .
[ ١ / ٩٠ ]
وما قولكم في الذين يعلنون بقولهم: الشمس بيكسف بها أَو القمر وأَنا قد شاهدت في زمن أَبيك وعمك عبد الله أَن الصميت قال بيكسف بالشمس باكر فكسف بها فلما علم أَبوك وعمك وعلماء زمانهم أَجلوه من البلاد وقالوا هو منجم، وتعلم علم النجوم ممنوع. افتنا ما لمسوغ لترك من يفعل هذا اليوم.
وأَفتنا عن من يسافر لبيروت وأَشباهه من أَوطان الخارج من غير عذر ولا معالجة بل يقول قائلهم نروح نتفرج ونسيح وقصدهم حضور الملاهي والمفاسد لأَنهم سمعوا بها في الراديو والسينما ويسولفون بأَفعالهم ويتزيون بزيهم ويلبسون لبسهم ويحسنون لحاهم موافقة للدخول معهم ولمباطنتهم. اهـ.
والجواب: الحمد لله. حديث «مَن جَامَعَ الْمشرِك أَو سَكن مَعَه فهوَ مِثله» وحديث «أَنا بَرِيءٌ مِن مسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين» (١) هذان الحديثان هما من الوعيد الشديد المفيد غلظ تحريم مساكنة المشركين ومجامعتهم، كما هما من أَدلة وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهذا في حق من لم يقدر على إظهار دينه. وأَما من قدر على إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة، بل هي مستحبة في حقه. وقد لا تستحب إذا كان في بقائه بين أَظهرهم مصلحة دينية من دعوة إلى التوحيد والسنة وتحذير من الشرك والبدعة علاوة على إظهاره دينه.
وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك. إنما إظهار الدين
_________________
(١) رواهما أبو داود.
[ ١ / ٩١ ]