(٢٧٣- قوله: لا بأصبع)
التسوك بالاصبع يصاب به السنة أَو بعضها على خلاف كلام الأَصحاب. وهو أَيسر من السواك (٥) فما لا يدرك كله لا يترك كله. (تقرير)
الأراك هو هذا الشجر المعروف، وأَصابه من القلة ما أَصاب الشجر، وكان في (الخرج) أَحسن ما يوجد منه، ولكنه الآن انقطع واستولت عليه الرمال والجدب والجد في قطعه وتطلبه. (تقرير)
_________________
(١) «نهى أن يستنجي بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران» رواه الدارقطني وصححه.
(٢) بالتطهير.
(٣) بحكم هذه المسألة لم ينكر عليه.
(٤) رواه أحمد والنسائي وغيرهما.
(٥) أي بالأراك ونحوه حيث لا يوجد في بعض الأوقات.
[ ٢ / ٣٧ ]
(٢٧٤- التسوك بعد الزوال سنة للصائم كغيره)
حديث «وَلا تَسْتَاكُوْا بالعَشِيِّ» (١) صريح في التفريق، لكنه ضعيف بالمرة. وقد استدل بـ «وَلَخَلُوْفُ فَم الصَّائِم أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِنْ ريْح الْمِسْك» (٢) وهذا ليس بصريح. وهذا الخلوف ما نشأ إِلا عن الطاعة ويندب دفعه بالسواك، فأطاع الله بهذا وهذا ولا تضاد، بل ذلك أَكمل.
ثم في حديث عائشة «رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ مَا لا أُحْصِيَ يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» (٣) عام، وحديث «خَيْرُ خِصَال الصَّائِم السِّوَاكُ» (٤) مع عموم «مطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَاةٌ لِلْرَّب» (٥) كلها دالة على أَن لا فرق بين الصيام والفطر. (تقرير)
كلها دالة على أَن لا فرق بين الصيام والفطر. (تقرير)
لكن ينبغي للصائم إِذا استاك أَن يكون في باله الحذر من قشر السواك وأَعواده. والطعم يحذر منه أَن يبتلعه إِذا حصل في الفم. ويندب أَن يجعل عليه طيبًا مما ليس له جرم كماء ورد ونحوه وليس بثخين. (تقرير)
(٢٧٥- قوله: قال في الرعاية ويقول اذا استاك اللهم طهر قلبي. الخ)
هذا الدعاء استحبه من استحبه ولا أَذكر فيه شيئًا واردًا. (تقرير)
٢٧٦- الادهان غبا عارضه حديث الرجل الذي له جمة ضخمة فأَمره النبي ﷺ أَن يتعاهدها كل يوم (٦) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي عن علي.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(٣) رواه الخمسة.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن.
(٥) رواه أحمد والبخاري تعليقا والنسائي وغيرهم.
(٦) ويأتي لفظ الحديثين في فتوى تسريح الشعر.
[ ٢ / ٣٨ ]
ويجمع بينهما أَن ذلك يختلف باختلاف الناس وشعورهم وباختلاف الجو. والمقصود من ذلك حسن الشعر وأَن لا يكون بمنظر الشعوثة. (تقرير)
(٢٧٧- التسمية في الوضوء.)
جاء فيها أَحاديث إِلا أَن أَسانيدها لا تخلو من مقال. لكن مجموعها يدل على الشرعية، وإِنما اختلف في الوجوب. وقول أَحمد: -
لا يصح في هذا الباب شيء. يعني حديثًا مفردًا بعينه. وعضد بعضها لبعض شيء آخر. فالتسمية مندوبة بل متأَكدة بكل حال. (تقرير)
(٢٧٨- هل يجوز ابقاء الصبي غير مختون إلى عشر سنوات)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد عبد الله رئيس هيئة الأَمر بالمعروف بالليث سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على استفتائك البرقي بخصوص الختان والسؤال: هل يجوز إبقاء الصبي غير مختون إِلى عشر سنوات.
والجواب: الحمد لله. الختان واجب على الرجال مكرمة للنساء. والقول بوجوبه على الرجال قول كثير من أَهل العلم، قال أَبو عبد الله: وكان ابن عباس ﵄ يشدد في أَمر الختان، وروي عنه: لا حج ولا صلاة. يعني إِذا لم يمختتن. وقد استدل العلماء رحمهم الله تعالى على القول بوجوبه بما روي عنه ﷺ أَنه قال لرجل أَسلم: «أَلْق عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْر وَاخْتَتِنْ» رواه أَحمد وأَبو داود، وبما رواه الشيخان من أَن إِبراهيم خليل
[ ٢ / ٣٩ ]
الرحمن اختتن بعدما أَتت عليه ثمانون سنة، وقد قال الله تعالى مخاطبًا نبيه ﵊: (*) (١) .
وأَما وقت الختان فيجب عند البلوغ، وفعله زمن الصغر أَفضل. وبهذا يتضح أَنه لا شيء في إِبقاء الصبي أَغرل مدة عشر سنوات، وأَن المبادرة بختنه مستحب ما لم يبلغ، فمتى بلغ وجب ختانه. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(ص-ف-٩٧٧-١ في ١٥-٤-٨٤ هـ)
(٢٧٩- نوع الخوف والى متى التأخير)
قوله: ما لم يخف على نفسه.
موتًا أو شلل العضو، لقوله: (*) (٢) . وإِذا ادعى فلا يخفى الكذب. والخوف لأَسباب:
إِما موقتًا فيؤخر إِلى وقت معتدل، أَو كونه معه مرض كداء السكر فإِن الجروح معه لا تبرؤ أَو يتعسر برؤها. (تقرير)
(٢٨٠- منع الألعاب التي يخشى منها مفاسد عند الختان)
من محمد بن إبراهيم إِلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخليه المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى الاطلاع على أَوراق المعاملة الواردة إِلينا بخطابكم رقم ٣١١٣-٦ وتاريخ ٨-٩-٨٤ هـ المتعلقة بمطالبة رئيس هيئة
_________________
(١) سورة النحل ١٣٣.
(٢) سورة الحج ٧٨.
[ ٢ / ٤٠ ]
الليث بمنع الأَلعاب التي تقع حال حفلة الختان، وتحديد مدة الختان، وما ارتآ قاضي الليث من عرض الموضوع علينا.
وعليه فإِن عمل المسلمين اليوم ختن أَولادهم حال الصغر، لأَنه أَفضل بلا شك وأَسرع لبرء الطفل إِذا ختن وهو صغير. وأَما الوجوب فذكر الفقهاء أَن الختان يجب عند البلوغ، لكن إِذا كان يترتب على تأْخيره مفسدة تعين أَن يختن في حال الصغر.
وأَما الأَلعاب التي يحصل فيها مفاسد فيتعين القيام بمنعها وعدم التهاون بإِنكارها. والله الموفق والسلام.
مفتي البلاد السعودية
(ص-ف-٢٨٥٧-١ في ٩-١١-٨٤ هـ)
(٢٨١- انكار وتأديب من يؤخرون ختان أولادهم حتى يبلغوا عشرين عاما ثم يختنونهم ختانًا مخالفًا للسنة)
من محمد بن إبراهيم إِلى حضرة صاحب الجلالة رئيس مجلس الوزراء حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فبالإِشارة إِلى المعاملة المرفوعة رفق خطاب فضيلة رئيس محكمة أَبها عدد وتاريخ بشأْن ما لوحظ في بادية تهامة شهران وقحطان من وجود عوائد سيئة مخالفة للسنة قد جاء في خطاب الواعظ والمرشد بمنطقة شهران أَنه بتجوله في تلك الجهات وقيامه بواجبه الإِرشادي لاحظ أَن لديهم عوائد سيئة لا يردعهم عنها إِلا الوازع السلطاني. منها: أَنهم يؤخرون ختان أَولادهم حتى يبلغ العشرين عامًا ثم يختن ختانًا مخالفًا للسنة.
ومنها: مغالاتهم في المهور بالرغم من فقرهم وقلة ما في أَيديهم
[ ٢ / ٤١ ]
إذ أَن مهر البنت فيهم ثلاثمائة رأْس من الغنم مما كان له أثره السيء في انتشار الفساد فيهم وكثرة العوانس في نسائهم. ومنها: أَن أَولياء نسائهم يستحوذون على صدقاتهم ظلمًا وعدوانًا ولا يعطونهن إِلا النزر القليل جدًا مما يأْخذونه مهورًا لهن.
وحيث أَن هذه الأمور مخالفة للمقتضيات الشرعية وأَن التوجيه والوعظ والإِرشاد في تلك الجهات لا يؤتي ثماره ما لم يسند بوازع سلطاني - فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
لذلك نأْمل من جلالتكم تعميد إِمارات تلك الجهات والتأْكيد عليهم بإِنكار هذه المنكرات، ومعاقبة أَهلها بما يردعهم ويزجر أَمثالهم، كما جاء في خطاب الواعظ أَنهم موغلون في الجهل وليس فيهم من يقرأُ القرآن، وذلك أَنهم بحاجة ماسة إِلى مدرسة بمركزهم تنتقل معهم حيث ينتقلون نحو الماء والعشب.
فنأْمل إِجراء ما ترونه حفظكم الله.
مفتي البلاد السعودية
(ص-ف-٦٣٩-١ في ١٣-٣-٨٥ هـ)
(٢٨٢- حكم القزع «التواليت»)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم ناصر بن عقيل الطريقي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى إِطلاعنا على استفتائك الموجه إِلينا بخصوص سؤالك عن حكم ما يسمى بالتواليت.
والجواب: الحمد لله. روى أَبو داود عن عبد الله بن عمر «أَن
[ ٢ / ٤٢ ]
رسول الله ﷺ نَهَى عَن الْقَزَع وَقَالَ احْلِقهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» . قال في شرح الإِقناع فيدخل في القزع حلق مواضع من جوانب الرأس، وأَن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما تفعله شمامسة النصارى، وحلق جوانبه وترك وسطه كما يفعله كثير من السفلة، وأَن يحلق مقدمه ويترك مؤخره. وسئل أَحمد عن حلق القفا، فقال: هو من فعل المجوس. ومن تشبه بقوم فهو منهم. وبما ذكرنا يظهر القول بعدم جوازه. وبالله التوفيق. والسلام عليكم (١) .
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-٢٤٣٩-١ في ٣-٦-٨٧ هـ)
(٢٨٣- ابقاء شعر الرأس. والاعتذار عن أهل نجد)
إِتخاذ الشعر والاعتناء به مستحب، ولهذا في صفة الخوارج أَن من سيماهم التحليق (٢) فدل على أَن غيرهم في ذلك الزمان لا يحلقون فالشعور توفر وتبقى، وبقاؤها سنة لمن قصد الاستنان بالنبي، وهي محبوبة متخذة للجمال بالنسبة إِلى الأمور الطبيعية، أَما إِبقاء الشعر مع إِهماله فلا.
_________________
(١) وانظر الفتوى اللاذقية المطبوعة عام ٧٥ هـ قال فيها ومن ذلك التشبه. ولنذكر بعض أمور ارتكبها بعض المسلمين واستحسنوها وهي من زى الكفار وعاداتهم - الى أن قال: ومن ذلك أيضًا حلق بعض الرأس وترك بعضه وما يفعله بعض السفله مما يسمونه التواليت الخ. وانظر فتوى تسريح الشعر برقم ١٠٨٩/١ في ١٦/٤/٨٨ هـ.
(٢) يعدون حلق الرأْس من تمام التوبة والنسك، وفي حديث يشير ابن عمرو ﵁ قال قلت: لسهل بن حنيف هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئًا قال سمعته يقول وأهوى بيده الى العراق: «يخرج منه قوم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الاسلام مروق السهم من الرمية» وفي رواية: «يتيه قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم» أخرجه البخاري. وفي الترمذي: «ان الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها» . قال شيخنا: وتدخل فيه نجد بالتبع وانما أضيف إلى الحجاز لكونه منبعه.
[ ٢ / ٤٣ ]
ثم إِبقاء الشعر مستحب - كما تقدم - ما لم يخرج إِلى طور آخر كأَن يكون من شأْن السفهاء فإِذا كان كذلك فلا ينبغي.
وفي وقت الدرعية فيه شباب أَهل مروج فإِذا رأَوا (١) شخصًا يترك الشعر ليفتن به ويفتتن حلقوه كما حلق عمر نصر بن حجاج ثم أَجلاه إِلى العراق لما سمع تشبيب النساء به وهو مستقيم (٢) .
لكن قد ذمَّ أَهلُ التوحيد أَهلُ نجد وقالوا هذه سيما الخوارج. وأَهل نجد أَخذوه عمن قبلهم لأَنهم أَهل مهن فيحلقون لأَجل ما يلزم لها. وكونها علامة ذكرت من جملة علامات لا يدل على أَنها الفاصلة، فمن كان مستقيمًا على الملة المحمدية وتعظيم سنة النبيين في الفعل والترك أَين هو ممن لا تساوي عنده أَوامر الرسول شيئًا. والعلامات التي تختلف بها الأَحكام هم موافقون الحق فيها وهذا شيء جزئي ولا وجوب فيه. وكون الرجل يوجد عنده خصلة خير لا تدل على أَنه أَهل الخير، ووجود خصلة شر في أَهل الخير لا تجعل الفيصلة، فيحكم بالكثير على القليل، فكيف بهذه الخصلة وأُولئك يدعون البدوي ويحجون بيته إِلى غير ذلك من الإِباحة والخلاعة في كثير ممن يدعى الإسلام شيء ما بلغه اليهود والنصارى.
وأُنموذج ينبؤك عن هذا البعض الذي يدعي الإِسلام كصحيفة «صباح الشر» ثم هذه الصحيفة لها أَخوات خبيثة وتغلى في المشترى. (٣) قوله؟ قال أَحمد هو سنة أو تقوى عليه اتخذناه. فهذا أَحمد على رأْي الخرافيين من الخوارج. فمن لا يقوى عليه لا يكون سنة في حقه. (تقرير)
_________________
(١) أَهل الدرعية أَو أَهل الحسبة منهم.
(٢) أي نصر مستقيم في أخلاقه ودينه وليست أسباب الافتتان من فعله هو.
(٣) تشترى بالأثمان الغالية مع واقعها المذكور.
[ ٢ / ٤٤ ]
(٢٨٤- كيف يسرح الرجل شعره والمرأة أيضًا، وهل يجوز لها قصه أو حلقه)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم عمر بن محمد بن يحيى التميمي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
كتابك لنا المؤرخ في ٣٠-٣-٨٧ هـ وصل وقد سأَلت عن مسأَلتين:
الأولى: ما كيفية تسريح شعر الرأْس بالنسبة للرجال والنساء وهل ورد شيء من أَحاديث نبي الله ﷺ بكيفية خاصة لتسريحه أَو نهي عن بعض التساريح؟
والجواب: أَما بالنسبة للرجال فقد كان هدي النبي ﷺ أَنه يجعله ضفائر، يدل على ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه في سننهما بسنديهما إِلى أُم هانيْ ﵂ قالت: «قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ مَكَّةَ وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ تعني عقائص. رواية ابن ماجه تعني ضفائر» وروى البخاري ومسلم وغيرهما بأَسانيدهم إِلى ابن عباس ﵄ قال: «كان أَهل الكتاب يسدلون أَشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم وكان ﷺ يحب موافقة أَهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه فَسَدَلَ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ» . قال ابن القيم في الهدي: والسدل أَن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. والفرق أَن يجعل شعره فرقتين كل فرقة ذؤابة. انتهى كلام ابن القيم.
وقد أَمر ﷺ بإِكرام الشعر فروى أَبو داود في سننه بسنده إِلى أَبي هريرة ﵁ أَن رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٤٥ ]
قال: «مَن كَانَ لَهُ شَعَرٌ فَليُكرمْهُ» . والإِكرام الذي أَمر به النبي ﷺ بينه بما رواه أَبو داود والترمذي والنسائي في سننهم بأَسانيدهم إِلى عبد الله بن مغفل ﵁ «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَن التَّرجُّل إِلاَّ غِبًّا» وروى مالك في الموطأ والنسائي في السنن بسنديهما إِلى أَبي قتادة ﵁ قال: «يا رسول الله إِن لي جمة أَفأرجلها. قال رسول الله ﷺ: نَعَمْ وَأَكرمْهَا. قال كان أَبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أَجل قول رسول الله وأَكرمها» . ومعنى الترجيل قال في تاج العروس: رجلته ترجيلا سرحته ومشطته. والتسريح حل الشعر وإِرساله قبل المشط كذا في الصحاح. وقال الأَزهري: تسريح الشعر ترجيله وتخليص بعضه من بعض.
أَما بالنسبة للنساء فقال البخاري (باب يجعل شعر المرأَة ثلاثة قرون) ثم ساق بسنده عن أُم عطية ﵂ قالت: «ظَفَرْنَا شَعَرَ بنتِ رَسُوْل اللهِ ﷺ تعني ثلاثة قرون» وقال وكيع قال سفيان ناصيتها قرنيها. انتهى من البخاري. وهذا التصفير بأَمره ﷺ لما رواه سعيد بن منصور في سننه بسنده عن أُم عطية قالت لنا قال لنا رسول الله ﷺ: «إِغسِلنَهَا وترًا وَاجْعَلنَ شَعَرَهَا ضَفَائِرَ» وأَخرج ابن حيان في صحيْحه عن أُم عطية «إِغلسِلنَهَا ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا وَاجْعَلنَ لَهَا ثَلاَثَةَ قُرُوْن» . وفي مصنف عبد الرزاق بسنده عن حفصة قالت: «ضَفَرْنَا ثَلاَثَةَ قُرُوْن نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا وَأَلْقَيْنَاهَا خَلفَهَا» . قال ابن دقيق العبد: فيه استحباب تسريح المرأَة وتضفرها.
[ ٢ / ٤٦ ]
وأَما ما يفعله بعض نساء المسلمين في هذا الزمن من فرق شعر الرأْس من جانب وجمعه من ناحية القفا أَو جعله فوق الرأْس كما تفعله نساء الافرنج فهذا لا يجوز، لما فيه من التشبه بنساء الكفار. وقد روى الإِمام أَحمد وأَبو داود بسنديهما إِلى عبد الله ابن عمر ﵄ أَن النبي ﷺ قال: «مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ» صحح هذا الحديث ابن حيان والحافظ العراقي، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: إسناده جيّد، وقال ابن حجر العسقلاني في إِسناده: حسن. وعن أَبي هريرة ﵁ في حديث طويل قال: قال رسول الله ﷺ: «صِنفَان مِن أَهل النَّار لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذنَاب الْبَقَر يَضربُوْنَ بهَا النَّاس، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَاريَاتٌ مَائِلاَتٌ ممِيْلاَتٌ رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُختِ الْعِجَافِ لاَ يَدْخُلنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجدْنَ ريْحَهَا وَإِن ريْحَهَا لَيُوْجَدُ مِن مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا» أَخرجه مسلم. وقد فسر بعض العلماء قوله «مَائِلاتٌ مُمِيْلاَتٌ» بأَنهن يتمشطن المشطة الميلا - وهي مشطة البغايا.
ويمشطن غيرهن تلك المشطة وهذه هي مشطة نساء الافرنج ومن يحذو حذوهن من نساء المسلمين.
الثانية: هل أَخذ بعض شعر الرأْس وترك بعضه جائز للرجال والنساء، وهل هناك أَمر أَو نهي في هذا الباب عن نبي الإِسلام ﷺ؟
والجواب: أَما ما يختص بالرجال فقال ابن القيم في «الهدي»: كان هديه ﷺ في شعر الرأْس تركه كله أَو أَخذه كله. ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه، ولم يحفظ عنه أَنه
[ ٢ / ٤٧ ]
حلق إِلا في نسك. انتهى كلام ابن القيم. والذي يدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن البراء ﵁ «أَنَّ رَسوْلَ اللهِ ﷺ لَهُ شَعَرٌ يَضربُ مَنكَبَيْهِ» وأَخرج الشيخان عنه ﵁ قال: «كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذَنَيْهِ» وأَخرج مسلم وغيره عن حميد الطويل ﵁ قال: «كَانَ شَعَرُ رَسُوْل اللهِ ﷺ فَوْقَ الْوَفرَةِ وَدُوْنَ الْجُمَّةِ» . وقال في تاج العروس: «الوفرة» ما جاوز شحمة الأذنين. و«الجمة» من شعر الرأْس ما سقط على المنكبين. والجمع بين هذه الروايات المختلفة في شعره ﷺ أَنه ممول على اختلاف الأَوقات، فإِذا ترك تقصيرها بلغت المنكب، وإِذا قصر كان إِلى أَنصاف الأذنين، وبحسب ذلك يطول ويقصر. وأَما حلقه كله في النسك فمنه ما وقع له ﷺ في حجة الوداع.
وأَما ما يفعله بعض المسلمين من حلق بعض الرأْس وترك بعضه ويسمونه «التواليت» فهذا هو القزع الذي نهى عنه النبي ﷺ وهو أَنواع:
الأَول: أَن يحلق من رأْسه مواضع ويترك مواضع. مأْخوذ من تقزع السحاب وهو تقطعه.
الثاني: أَن يحلق وسطه ويترك جوانبه.
الثالث: أَن يحلق جوانبه ويترك وسطه.
الرابع: أَن يحلق مقدمه ويترك مؤخره.
الخامس: أَن يحلق مؤخره ويترك مقدمه.
السادس: حلق بعضه في أَحد جوانب الرأْس وترك البقية.
[ ٢ / ٤٨ ]
وهذه الأَنواع يدل على تحريمها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال: «نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَن الْقَزَع» (١) أَن يحلق رأْس الصبي فيترك بعض شعره. وعنه ﵁: «أَن النبي ﷺ رأَى صبيًا قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: «احْلِقُوْهُ كُلَّهُ أَوْ اترُكُوْهُ كُلَّهُ» رواه الإِمام أَحمد وأَبو داود والنسائي وغيرهم، وروى الطبراني وغيره عن عمر ﵁ مرفوعًا: (حَلقُ الْقَفَا مِن غَيْر حِجَامَة مَجُوْسِيَّةٌ» وفي سنن أَبي داود عن أَنس بن مالك ﵁ أَنه رأَى غلامًا له قرنان أَو قصتان فقال: احلقوا هذين أو قصوهما فإِن هذا زي اليهود. وقال المروذي سأَلت أَبا عبد الله يعني أَحمد بن حنبل عن حلق القفا قال هو من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وأَما شعر رؤوس النساء فلا يجوز حلقه، لما رواه النسائي في سننه بسنده عن علي ﵁، ورواه البزار بسنده في مسنده عن عثمان ﵁، ورواه ابن جرير بسنده عن عكرمة ﵁ قالوا: (نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَن تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» . والنهي إِذا جاء عن النبي ﷺ فإِنه يقتضي التحريم ما لم يرد له معارض، قال ملا علي قاري في «المرقاة» شرح المشكاة: قوله «أَن تحلق المرأَة رأْسها» وذلك لأَن الذوائب للنساء كاللحى للرجال في الهيئة والجمال.
وأَما أَخذ شيء من أَسفل الضفائر ففي صحيح مسلم، عن أَبي سلمة بن عبد الرحمن، قال دخلت على عائشة أَنا وأَخوها من الرضاع
_________________
(١) الحديث في الصحيحين.
[ ٢ / ٤٩ ]
فسأَلها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة، فدعت بإِناء قدر الصاع فاغتسلت وبيننا وبينها ستر، وأَفرغت على رأْسها ثلاثًا، قال: وكان أَزواج النبي ﷺ يأْخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. قال النووي: قال القاضي عياض ﵀: المعروف أَن نساء العرب إِنما كن يتخذن القرون والذوائب ولعل أَزواج النبي ﷺ فعلن هذا بعد وفاته ﷺ لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفًا لمؤونة رؤوسهن. وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته ﷺ لا في حياته كذا قاله أَيضًا غيره وهو متعين، ولا يظن بهن في حياته ﷺ. وفيه دليل على جواز تخفيف الشعر للنساء. وقال النووي أَيضًا: قال القاضي عياض: ظاهر الحديث أَنهما رأَيا عملها في رأْسها وأَعالي جسدها مما يحل لذي المحرم النظر إِليه من ذات المحرم. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-١٠٨٩-١ في ١٦-٤-٨٨ هـ)
(٢٨٥- تحريم حلق اللحي، وتعريف اللحية)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم محمد بن شائع الفهد
إدارة البرق والبريد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إِلينا كتابك الذي تستفتي فيه عن حكم حلق اللحية.
والجواب: الحمد لله. حلق اللحية حرام، لما ورد في ذلك من الأَحاديث الصحيحة الصريحة والأَخبار، ولعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار. فمن ذلك حديث ابن عمر أَن رسول الله
[ ٢ / ٥٠ ]
ﷺ قال: «خَالِفُوْا الْمُشركِيْنَ وَفِّرُوْا اللُّحَى، وَأَحْفُوْا الشَّوَاربَ» وفي رواية: «أَحفوا الشوارب واعفوا اللحى» (١) وفيه أَحاديث أُخرى بهذا المعنى (٢) .
و«اللحية» اسم للشعر النابت على الذقن والخدين. واعفاؤها تركها على حالها. وتوفيرها إِبقاؤها وافرة من دون أَن تحلق أَو تنتف أَو يقص منها شيء. حكى ابن حزم الإِجماع على أَن قص الشارب وإِعفاء اللحية فرض، واستدل بجملة أَحاديث منها حديث ابن عمر السابق، وبحديث زيد بن أَرقم أَن النبي ﷺ قال: «مَن لَمْ يأْخُذ مِن شَاربهِ فَلَيْسَ مِنَّا» صححه الترمذي قال في الفروع: وهذه الصيغة عند أَصحابنا - يعني الحنابلة - تقتضي التحريم. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وقد دل الكتاب والسنة والإِجماع على الأ َمرِ بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، لأَن مشابهتهم في الظاهر سبب لمشابهتهم في الأَخلاق والأَفعال المذمومة؛ بل وفي نفس الاعتقادات، فهي تورث محبة وموالاة في الباطن، كما أَن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر. وروى الترمذي أَن رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَن تَشَبَّهَ بغَيْرنَا لا تَشَبَّهُوْا بالْيَهُوْدِ وَلاَ بالنَّصَارَى» الحديث وفي لفظ «مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ» .
ورد عمر بن الخطاب شهادة من كان ينتف لحيته. وكذلك ردها ابن أَبي ليلى قاضي المدينة. وقال في «التمهيد»: يحرم حلق اللحية، ولا يفعله إِلا المخنثون من الرجال.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) ومنها «خالفوا المجوس لأنهم كانوا يقصرون لحاهم ويطولون الشوارب» رواه مسلم.
[ ٢ / ٥١ ]
«وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ كَثِيْرَ شَعَر اللِّحْيَةِ» رواه مسلم عن جابر، وفي رواية «كَثِيْفَ اللِّحْيَةِ» . وفي أُخرى: «كَثْلَ اللِّحْيَةِ» والمعنى واحد. رزقنا الله وإِياكم اتباع هديه ولزوم سنته. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص-ف-١٨٨-١ في ٢٤-١-٨٤ هـ) (١)
(٢٨٦- حكم التقصير من اللحية. والجواب عن حديث «كان يأخذ من طولها وعرضها» وفعل ابن عمر، العارضان. وهل حلقها كبيرة أو صغيرة)
من محمد بن إبراهيم إِلى المكرم عبد الله بن عثمان العمر سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
وصل كتابك الذي تسأَل فيه عن سبعة أَسئلة.
الأَول: ما حكم حلق اللحية؟
والجواب: لا يجوز أَن تزال بأَي وجه كان، لقوله تعالى: (*) (٢) وقوله تعالى: (*) (٣) وقوله ﷺ الثابت في الصحيح وغيره «أَحْفُوْا الشَّوَاربَ وَأَعْفُوْا الُّلحَى» وما جاء في هذا المعنى، والأَمر يقتضي الوجوب. وهذا أَمر درج عليه رسول الله ﷺ والصحابة ومن بعدهم إِلى القرن السابع الهجري، ثم بدأَ من قلت رغبته في الدين يحلقها نعوذ بالله من كل ما يغضبه.
_________________
(١) وانظر حكم حلقها أيضًا في الفتوى اللاذقية المطبوعة عام ٧٥ هـ ص ١٩، ٢٠ منها وتأتي في ستر العورة وفي زكاة النقدين.
(٢) سورة التغابن ١٢.
(٣) سورة النور ٦٣.
[ ٢ / ٥٢ ]
الثاني: ما حكم التقصير منها؟
والجواب: لا يجوز، لما سبق من الأَدلة، وما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه ﷺ أَنه قال: «خَالِفُوْا الْمَجُوْسَ لأَنَّهُمْ يُقَصِّرُوْنَ لُحَاهُمْ وَيُطَوِّلُوْنَ الشَّوَاربَ» (١) وهذا نص في الموضوع.
وحديث الترمذي أَنه ﷺ «كَانَ يَأْخُذُ مِن لِحْيَتِهِ مِن طُوْلِهَا وَعَرْضِهَا» غير صحيح.
وفعل ابن عمر أَنه كان إِذا حج أَو اعتمر قبض لحيته فما فضل أَخذه لا يحتج به لأَنه روى النهي عن التقصير؛ وإِذا تعارض رأْي الصحابي وروايته فروايته مقدمة على رأْيه. هذا هو الصحيح من قولي العلماء في تعارض رأْي الصحابي وروايته.
الثالث: هل العارضان من اللحية؟
والجواب: نعم. العارضان من اللحية، يدل على ذلك ما رواه أَحمد في المسند عن يزيد الفارسي في رؤياه للنبي ﷺ وقد جاء في آخرها «قَدْ مَلأَت لِحْيَتُهُ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، قَدْ مَلأَت نَحْرَهُ فقال ابن عباس ﵄ لو رأَيته في اليقظة ما استطعت أَن تنعته فوق هذا» . انتهى.
قال المناوي وغيره قوله «مَا بَيْنَ هَذِهِ وَهَذِهِ» أَي قد ملأَت ما بين الأذن وقوله «قَدْ مَلأَت نَحْرَهُ» أَي كانت مسترسلة إِلى صدره كثة. وروى البخاري في صحيحه في (باب رفع البصر إِلى الإِمام في الصلاة) من حديث ابن عمر ﵁ قال: «قُلنَا
_________________
(١) أخرجه مسلم.
[ ٢ / ٥٣ ]
لِخَبَّاب: أَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَقرَأُ فِيْ الظُّهر وَالْعَصْر. قَالَ: نَعَمْ. فَقُلنَا: بمَ كُنتُمْ تَعْرفُوْنَ ذَلِكَ. قَالَ: «باضطِرَاب لِحْيَتِهِ» وجه الدلالة أَن المأْموم إِذا رفع بصره إِلى الإِمام في الصلاة فإِنما يرى منه عارضيه فقط، وأَما ما على الذقن فمستور عنه بالعنق، وما تركهما ﷺ إِلا لأَنهما منها وقد جاء في لسان العرب وغيره أَنهما داخلان في مسماها.
الرابع: هل حكم حلق العارضين والتقصير منهما كحكم حلق اللحية والتقصير منها؟
والجواب: نعم. لما سبق من الأَدلة.
والخامس: هل حلقها كبيرة أَو صغيرة؟
والجواب: من حلق لحيته بعد العلم بالحكم مصرًا على ذلك ففعله كبيرة، فإِن الكبيرة هي ما توعد عليه بغضب أَو لعنة أَو رتب عليه عقاب في الدنيا أَو عذاب في الآخرة وهو دون الشرك والكفر، وقد سبقت الأَدلة الدالة على الأَمر بإِعفائها وهو يقتضي الوجوب، والأَمر بالشيء نهي عن ضده الذي لو فعل لتخلف متعلق مقتضي الأَمر. والنهي يقتضي التحريم. وقد حكى ابن حزم الإِجماع على أَن إِعفاء اللحية وقص الشارب فرض، وقال ابن عبد البر وشيخ الإِسلام أَبو العباس ابن تيمية وغيرهما: إِن حلقها حرام، وقد ورد التشديد في النهي عن حلقها، فثبت عنه ﷺ أَنه قال: «مَن مَثَّلَ بالشَّعَر فَلَيْسَ لَهُ عِندَ اللهِ مِن خَلاَق» (١) . قال الهروي والزمخشري وابن الأثير وابن منظور:
_________________
(١) أخرجه الطبري.
[ ٢ / ٥٤ ]
«مثل بالشعر» صيره مثلة بأَن حلقه من الخدود ونتفه وغيَّره بالسواد، وثبت عنه ﷺ أَنه قال: «مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ» (١) . وقال ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَن تَشَبَّهَ بغَيْرنَا» (٢) . وقال ﷺ: «لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهيْنَ مِن الرِّجَال بالنِّسَاء وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِن النِّسَاءِ بالرِّجَال» (٣) .
وحلق اللحية (٤) فيه تشبه بالمجوس والنصارى واليهود، وفيه تشبه بالنساء، وتغيير لخلق الله، وقد نص الإِمام أَحمد في رواية المروذي على كراهة أَخذ الشعر بالمنقاش من الوجه، وقال: «لَعَنَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ الْمُتَنَمِّصَاتِ» (٥) . والمراد بالكراهة عند أَحمد كراهة التحريم، والدليل على ذلك احتجاجه بحديث اللعن لمن فعل ذلك، واللعن لا يكون إِلا على كبائر الإِثم. ويلحق بالنتف إِزالة الشعر بحلق أَو قص ونحوهما.
السادس: هل رتب الشارع عقوبة دنيوية على من حلق لحيته أَو أَطال شاربه؟
والجواب: حلق اللحية وإِطالة الشارب (٦) المعاصي التي لم يقدر الشارع لها جزاء كما حدد في الزنا والسرقة وغير ذلك، وما كان غير محدد فيرجع فيه إِلى اجتهاد الحاكم فهو الذي يتولى تقديره حسب ما تقتضيه المصلحة.
_________________
(١) صححه ابن حبان والحافظ العراقي. وتقدم.
(٢) أخرجه أبو داود.
(٣) أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه.
(٤) في المسودة زيادة: واعفاء الشارب.
(٥) متفق عليه وأخرجه الاربعة والامام أحمد.
(٦) من.
[ ٢ / ٥٥ ]
السابع: هل يهجر من حلق لحيته وأَطال شاربه؟
والجواب: يهجر بعد العلم بالحكم ونصحه حتى يقلع من الذنب. إِلا إِذا كان يترتب على الهجر مفسدة أَكثر من المصلحة التي تنشأ عن الهجر فلا يهجره، لأَن هذه المسأَلة من المسائل التي أَطلقها الشارع، وما كان كذلك فإِن حكمه يختلف باختلاف الأَزمنة والأَمكنة والأَحوال والأَشخاص، فينظر في المصالح والمفاسد، وما ترجح جانبه فعليه الأَخذ به. وعليك بمطالعة قسمي التوحيد والجهاد من «الدرر السنية في الأَجوبة النجدية» فإِن أَئمة الدعوة رحمة الله عليهم بينوا الكلام على الهجر بيانًا شافيًا. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص-ف-١١١٩-٨٨ في ١٤-٥-٨٨ هـ)
(٢٨٧- شبهات من جوز حلقها)
يبتلى كثير من الناس أَن يتحلى عند زوجته بحلق لحيته فاستعمل ما لا يجوز لإِرضائهن. (*) (١) و«هُنَّ عَوَان عِندَكُمْ» (٢) . لكن عكس هؤلاء الإِناث الذين هم أَعداء الرجولة والخلقة، فإِنه ود أَن يكون بشكل أُمه لا بشكل أَبيه.
من حجة بعضهم: أَنه أَحظى له عند امرأَته. فهذا ليس برجل فضلا عن مخالفته السنة الصحيحة الصريحة، فإِن حلقها من مشابهة المجوس، وكذلك اليهود والنصارى، وفي الحديث «مَن تَشَبَّهَ بقَوْم فَهُوَ مِنهُمْ» وظاهره التحريم.
واستعمل الحيلة من حالقي اللحى من ينتسب إِلى العلم يذكرون
_________________
(١) سورة النساء ٣٤.
(٢) أخرجه مسلم.
[ ٢ / ٥٦ ]
هنا شبهات هي سخافات، ويقول: معنى «إِكرامها» هو حلقها لأَنها إِذا بقيت ولم تكرم فإِنه إِهانة لها. فما أَشبهه بوأْد البنات خشية العار. ونظير من يستريح من عياله يخاف أَن لا يقوم بواجب النفقة. (١) (تقرير)
(٢٨٨- حكم أخذ ما زاد على القبضة. والشعرة والشعرتين)
قيل: لا يكره أَخذ ما زاد على القبضة، لفعل ابن عمر وهو من أَشهر الصحابة في تعظيم سنن الرسول، بل يبالغ في ذلك المبالغة الشهيرة. والقول الآخر: أَنه يكره أَو يحرم احتجاجًا بما رواه لا بما رآه، ولعموم الأَدلة: وهذا أَصل إِذا قال الصحابي شيئًا وخالفه فالحق أَن الصواب فيما رواه، وان كان آخرون قالوا إِن الصحابي فهم أَن قول النبي لا يتناول هذا. والأَصل هو الأَول الأَخذ بها وإِبقاؤها على مداولها. إِلا أَن هذا من ابن عمر يبين أَن الأَخذ من الزائد على القبضة أَسهل من الأَخذ من أَصلها. (تقرير)
لكن نعرف أَن الشعرة والشعرتين النادرة هو المذكور هنا (٢) فإِن فيها تشويهًا فالشيء الذي فيه تشويه شعرتين ثلاث. (تقرير)
(٢٨٩- س: - حلق العوارض؟)
ج: حرام أَيضًا هو كاللحية. (تقرير)
(٢٩٠- س: إِذا كان الحلاق نصراني؟)
ج: لا يجوز أَن يحلق في بلاد المسلمين، هو كالكافر يبيع الخمر في بلاد المسلمين. (تقرير ٧٦)
_________________
(١) وانظر منع التعزيز بحلق اللحية في الشهادات (٩٧٩ في ٢٧/١٠/٧٨ هـ) . وفي دية الأَعضاء (في الديات) .
(٢) يعني في قولهم: ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة.
[ ٢ / ٥٧ ]
(٢٩١- خضب الشعر بالحناء والكتم وبالسواد)
س: وجدت حديثًا في التقويم «مَن شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلاَمِ كَانَت لَه نُوْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا لَمْ يَخضِبْها أَوْ يَنتِفهَا» (١) .
ج: - هذا يحمل على أَن المراد بالسواد بقرينة فضل الشيب إِلا إِن خالف فصبغ أَو خالف فنتف. ومعناه صحيح «الشَّيْب وَقَارٌ» (٢) . وجنس هذا الفضل له. وجاء المنع من نتف الشيب. والذي يذكر في التقويم لا يعتمد. أَهل التقويم يضعون كل ما وجدوا. (تقرير) .
س: - الكتم الآن يطبخونه؟
ج: - في الحديث «بالْحِنَّا وَالْكَتم» (٣) فإِذا جمعا صار فيه لون من الحمرة والسواد. والكتم وحده يكون أَسود. الكتم هو «الوسمة» شجر معروف ينبت في شعبان نجد. (تقرير)
(٢٩٢- المستحب في الشارب)
المستحب فيه هو الإِطار وهو أَن لا يستأْصل ذلك. والإِطار هو أَن يكون أَعلا الشفة بارزًا فلا يستأْصل بالكلية بل يبقى شيء. (تقرير)
(٢٩٣- س: - الحكمة في تقليم الأظافر)
جـ: - ليبلغ ماء الطهارة، ولئلا تؤذيه وغيره، ولئلا يكون منظره
_________________
(١) أخرج الترمذي والنسائي عن كعب بن مره: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة وأخرج الحاكم في الكني عن أم سليم «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا ما لم يغيرها» .
(٢) أول الناس رأى الشيب إبراهيم فقال يارب ما هذا فقال وقار يا إبراهيم فقال رب زدني وقارا - الموطأ.
(٣) «ان أحسن ما غير به هذا الشيب الحنا والكتم» أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما.
[ ٢ / ٥٨ ]
كمنظر السباع بأَظافرها، فإِن في إِزالتها الجمال والسلامة من أَضرارها والنظافة. (تقرير)
(٢٩٤- إذا أزال الشعر بالنورة فليضف إليها ما يدفع ضررها أَو يخففه. «تقرير»)
س: - الحكمة في دفن الشعر.
جـ: - كقطعة من جسده أَو لحمه أَو عضو كأنملة أَو عضو تام ينكسر أَو ينفصل أَو يقطع كما لو رؤي فيه جذام، ووجه دفنه أَنه تبع لجسده، ولعموم (*) (١) وليسلم من الامتهان بأَكل السباع، ولئلا يتوصل السحرة ببعض جسده إلى سحره. (تقرير)
(٢٩٥- أقرب ما قيل في غسل اليدين من النوم)
اختلف في المسأَلة فقيل: مظنة النجاسة. وقيل: غير ذلك. ومن أَقرب ما قيل فيها: أَن الإِنسان إِذا نام طاف به الشيطان وحرص على أَذاه كما جاء في الاستنثار. وأَيضًا هو يحب أَن يضر الإِنسان فهو يحرص على قلبه وحواسه من بوله في أُذنيه (٢) وعلى خياشيمه (٣) ولا يمنع أيضًا أَنه تعبدي. ومنهم من قال: العلة
_________________
(١) سورة المرسلات ٢٥.
(٢) كما جاء في حديث بن مسعود ولفظه «ذكر عند النبي ﷺ رجل فقيل ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إِلى الصلاة فقال ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه» أخرجه الشيخان والنسائي.
(٣) كما في الحديث: «اذا استيقظ أحدكم من منامه فليتوضأ وليستنثر فان الشيطان يبيت على خيشومه» أخرجه النسائي. قال ابن تيمية (جـ ٢١ ص ٤٤): فكما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية والتطهر منها كذلك جاءت بتجنب الخبائث الروحانية والتطهر منها، حتى قال ﷺ: «إذا قام أحدكم من الليل فاليستنشق بمنخريه من الماء فان الشيطان يبيت على خيشومه» وقال: «إذا قام أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثًا فان أحدكم لا يدري أين باتت يده، فعلل الأمر بالغسل بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أن ذلك سبب للطهارة من غير النجاسة الظاهرة.
[ ٢ / ٥٩ ]
إِدخال اليد في الإِناء. وليس كذلك، فلو استعمل الماء فيهما من غير إدخال فالحكم بحاله. (تقرير)
(٢٩٦- التسمية اذا ذكرها في أثناء الوضوء أتى بها في البقية) . (تقرير)
(٢٩٧- أفضل صور المضمضة والاستنشاق
للمضمضة والاستنشاق صور عديدة وأَفضلها الجمع بينهما بغرفة ويفعل ذلك ثلاث مرات. (تقرير)
(٢٩٨- أحاديث تخليل اللحية الكثيفة - كثيرة الشعر)
جاء في ذلك عدة أَحاديث وكلها لا تخلو من مقال ولكنها لا تنقص عن شرعيته. ويكفي غسل ظاهرها لأَن به تحصل المواجهة. (تقرير)
(٢٩٩- قوله: وأخذ ماء جديد للأذنين)
والرواية الأخرى والقول الآخر لا يندب، وهذا هو الصحيح. وما استدل به على أَخذه ماء جديدًا فهو وهم ولا يثبت، بل أَصل الحديث أَنه أَخذ ماءً جديدًا للرأْس لا للأذنين.
ثم الأَحاديث التي في صفة وضوء النبي فيها أَنهما مسحا من مائه. ثم ثبت عن ابن عمر، وهذا مما اجتهد فيه وخفي عليه الدليل فيه. وقول الصحابي إِذا خالف الحديث قدم الحديث عند الأَئمة.
وابن عمر له اجتهادات انفرد بها منها هذا. ومنها غسل عينيه حتى عمي في نحو خمسة أَشياء لمزيد تحريه السنة. فعلى هذا لا يعتبر (١) إِذ لا معصوم في الشرعيات إِلا النبي، ويؤجر على اجتهاده. (تقرير)
_________________
(١) اجتهاده هنا.
[ ٢ / ٦٠ ]
(٣٠٠- قوله ومجاوزة محل الفرض)
قليلًا احتياطًا للفرض. والرواية الأخرى أَنه لا يندب بل يقتصر على المفروض، وهو اختيار شيخ الإِسلام وطائفة (١) وذلك أَنه ما جاء في شيء من الأَحاديث الزيادة على المفروض أَبدًا.
وأَحاديث التحجيل لا يلزم منها الزيادة. نعم أَبو هريرة اجتهد في ذلك، ولفظ «تَبْلُغُ الْحُليَةُ مِن الْمومِن حَيْثُ يَبْلُغُ الْوضُوْءُ» (٢) لا دليل فيه له. وقوله «فَمَن اسْتَطَاع» . الخ مدرج من كلامه ﵁. (تقرير) .
(٣٠١- قوله: والغسلة الثانية والثالثة)
المراد تعميم العضو ثلاثًا، فهي تعميمات لا غرفات. ولكن الإِنسان يتوخى كون الغرفة تكفي، فإِن منع مانع من كون الماء قليلا فلابد من أَكثر من ثلاث غرفات. وهذا ما عدى مسح الرأس فإِنه لا تكرار فيه، وتقدم واضحًا في الأَحاديث الثابتة عن النبي ﷺ. (تقرير)