الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين
وبعد:
فإن أشرف العلوم على الإطلاق علم توحيد الله ومعرفته، وأنفع العلوم علم الأحكام المتعلقة بأفعال العباد وما من سبيل إلى أخذ هذين النورين، وتلقي هذين العلمين العظيمين إلا من النبي المعصوم الذي قامت الأدلةالقاطعة على عصمته، وصرحت الآيات القرآنية بوجوب طاعته ومتابعته، فهو الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
ثم إننا مأمورون بالأمتثال إلى أوامر الله ورسوله واجتناب ما نهى عنه والتزام هدي المصطفى ﷺ وهدي الخلفاء الراشدين المهديين، والخير كل الخير في الإتباع والشر كل الشر في الإحداث والإبتداع.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
فالرد عند التنازع إلى الله تعالى بالرجوع إلى كتابه المبين، والإحتكام إليه والرضى بما فيه وعدم التقديم بين يديه.
والرد إلى رسول الله ﷺ، بطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، وزجر، وأن لا نتلقى شيئًا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا نسلك إلا طريقه، ونرضى بما شرعه حتى لا نجد في أنفسنا حرجًا مما قضاه، وتنتخلق بأخلاقه.
[ ١ / ٧ ]
وأولو الأمر، إنما هم العلماء، ورثة الأنبياء، فهم في المكانة الرفيعة، والمنزلة السامية، ويقيمون الحجة، ويبلغون عن الله ورسوله.
ومرتبة التبليغ والفتيا، لا تصلح إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما بلغ صادقًا فيه. وهؤلاء العلماء العاملون هم الذين أمرنا الله بسؤالهم عما أبهم وأشكل في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). ومعلوم أن أمر الإفتاء عظيم خطير، تكفل الله تعالى به، وأسنده إليه فقال في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) سورة النساء آية ١٧٦. وقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) سورة النساء آية ١٢٧.
ثم تولى رسوله ﷺ الإجابة عما يورده الصحابة من أسئلة، فيعطي الإحابة الشافية الكاملة. مبلغًا عن ربه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) سورة البقرة آية٢٢٠.
وحمل الصحابة رضوان الله عليهم لواء الفتوى بعد الرسول ﷺ وهم من هم منزلة من الرسول ﷺ ومكانة، رباهم على عينه " هم ألين الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة ".
هم أهل العلم الذين نص عليهم بقوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ). قال مجاهد: [هم أصحاب محمد ﷺ].
ومن الصحابة من أكثر من الفتوى ومنهم من أقل منها، ورحم الله مسروقًا إذ يقول: [جالست أصحاب محمد ﷺ فكانوا كالإخاذ يعني كالغدير، الإخاذة تروي الراكب، والإخاذة تروي الراكبين والإخاذة تروي العشرة، والإخاذة لو نزل بها أهل الأرض لأصدرتهم].
[ ١ / ٨ ]
غير أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، كانوا مثالًا للورع في إصدار الفتوى، فكان الواحد منهم يود لو أن أخاه كفاه الإجابة عن السؤال في دين الله، هذا ابن أبي ليلى يقول:
[أدركت عشرين ومائة من الأنصار أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه].
وذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: [كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء، فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا].
وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم يكرهون الجرأة على الفتوى والتسرع فيها.
قال سحنون: [أجسر الناس على الفتوى أقلهم علمًا].
ويقول ابن القيم: [الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته، فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسؤل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه].
إن التسرع في الفتيا خطأ وخطر يفضي إلى عدم إصابة الحق والجرأة على الله تعالى والوقوع فيما نهى عنه يقول تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، ومن أفتى بغير علم فعمل بفتواه عامل كان إثم العامل على من أفتاه، فليتق الله المتسرعون في الفتيا.
ولا بد للمتصدر للإفتاء من أن يمتلك أدواته، من فهم لمعاني النصوص وعللها الصحيحة التي ناط الشارع بها الأحكام.
كما لا بد من التضلع في معرفة الأحاديث ومدى ثبوتها، وتتبع طرقها وأقوال العلماء فيها ولا بد من البحث والتنقير عن الأدلة الشرعية حتى ينشرح الصدر للعمل بالدليل الذي يحصل عليه، ومثل ذلك الأمر صعب وليس بالهين.
[ ١ / ٩ ]
إننا لا نزال نرى في الإمة الإسلامية خيرًا ظاهرًا، من حرص كثير من الناس على السؤال عن أمور دينهم ابتغاء تصحيح العقيدة والتصور والسلوك والمنهاج.
وكثيرًا ما يواجه الدعاة والعلماء أسئلة الجمهور الكريم في مختلف مناحي الحياة، فيتصدر أخوة لنا الإفتاء في الدين فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
ويَردُ على الأخ الدكتور حسام الدين عفانه سيل لا ينقطع من رسائل الأهل والأحبة، إلى زاوية "يسألونك " في "جريدة القدس " الغراء فيقوم مشكورًا بإفتائهم والإجابة على تساؤلاتهم، وقد نظرت في هذه الفتاوى فألفيتها هامة نافعة، سلك فيها الأخ الفاضل مسلك التثبت والتحري والأناة والإستدلال بالأدلة الشرعية المعتمدة، بل يؤصل فتواه باعتماد المصادر الأصلية في فقه المذاهب الإسلامية المتعددة معتمدًا الراجح منها بالدليل مع عناية بتخريج الأحاديث وتمييز الصحيح من السقيم، ولا يختصر في الإفتاء فيقتصر على موطن السؤال فحسب، بل يجيب بأكثر مما يُسأل عنه وهذا من محاسن الفتوى وهو اتباع لهدي المصطفى ﷺ حين سئل عن ماء البحر أطاهر هو؟ فأجاب قائلًا: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) صححه الترمذي وغيره وتلقته الأمة بالقبول، أسأل الله أن ينفعنا بهذه الفتاوى وأن يثيب الدكتور حسام الدين عفانه عنا وعن الإسلام خيرًا.
د. موسى البسيط
عميد كلية الدعوة والعلوم الإسلامية / أم الفحم
[ ١ / ١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم