يقول السائل: إنه صام يوم اثنين تطوعًا لله تعالى ولما كان وقت الظهر زار قريبًا له فدعاه إلى الطعام فأفطر ويسأل هل يلزمه قضاء يوم مكان اليوم الذي أفطره؟
الجواب: إن المشروع في حق المسلم إذا بدأ بأمر مندوب كصلاة مندوبة (نافلة) أو صوم مندوب أن يتمه ويكمله (كصوم الإثنين والخميس).
[ ١ / ٧٧ ]
والذي عليه جمهور الفقهاء أن ذلك ليس واجبًا وإنما هو في دائرة الاستحباب وقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة تفيد ذلك منها:
١. عن عائشة ﵂ قالت: (دخل عليّ رسول الله يومًا فقال هل عندكم شيء؟ فقلت لا قال: فإني صائم ثم مر بعد ذلك اليوم وقد أهدي إلي حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قلت يا رسول الله أهدي إلي حيس فخبأت لك منه قال: أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم فأكل منه ثم قال لنا: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها) رواه مسلم وأبو داود والنسائي واللفظ له.
والحيس: تمر نزع نواه ويدق مع إقط ويعجنان بالسمن كما في المصباح المنير ١/ ١٥٩.
٢. عن أم هانيء ﵂ أن رسول الله ﷺ: (دخل عليها فدعى بشراب ثم ناولها فشربت فقالت يا رسول الله أما إني كنت صائمة فقال رسول الله ﷺ: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وأحمد والبيهقي وضعفه الترمذي وغيره إلا أن الحديث يتقوى بكثرة طرقه كما قال الشيخ الألباني.
وقال النووي إسناده جيد وقال الحاكم صحيح ووافقه الذهبي وقال الحافظ العراقي إسناده حسن.
٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (صنعت للنبي ﷺ طعامًا فلما وضع قال رجل: أنا صائم فقال رسول الله ﷺ دعاك أخوك وتكلف لك أفطر وصم مكانه إن شئت) رواه البيهقي وإسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/ ١١٢.
٤. عن أبي جحيفة قال: (آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرآى أم الدرداء متبذلة فقال لها ما شأنك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال كل فإني صائم فقال سلمان ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل فلما ذهب الليل ذهب أبو الدرداء يقوم. قال سلمان نم فنام ثم ذهب يقوم فقال
[ ١ / ٧٨ ]
سلمان نم فلما كان آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا فقال سلمان: إن لربك عليك حقًا ولنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه فأتى أبو الدرداء النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال النبي ﷺ: صدق سلمان) رواه البخاري وغيره.
فهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها أن المتطوع أمير نفسه فيجوز له أن يتم وهو الأفضل ويجوز له أن يقطع تطوعه ولا شيء عليه فلا يلزمه القضاء وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة ونقل عن جماعة من الصحابة كعمر وابن عباس وابن مسعود وجابر ﵃ أجمعين.
إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه استثني من هذا الحكم الذي ذكرته الحج والعمرة فإذا شرع المسلم بحج أو عمرة فيجب عليه إتمامهما بلا خلاف كما قال النووي: [وأما إذا دخل في حج تطوع أو عمرة فإنه يلزمه إتمامها بلا خلاف] المجموع ٦/ ٣٩٣.