ما تقول السادات أئمة الإسلام وأمناء الله على الأحكام في الأئمة المقامين بالمسجد الحرام بمكة المشرفة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا إلي يوم الدين، وهم إمام الشافعية والمالكية والحنبلية الذين قررهم ولي التقرير على ما هم عليه الآن، وكون بعضهم يتقدم للصلاة أول الوقت ثم يليه الآخر كل واحد يصلي بجماعة في مقامه المتعين له، هل يجوز ذلك ويعد مقام كل واحد منهم كأنه مسجد مستقل بنفسه، ولا تكره الصلاة خلف واحد منهم، وهل يكون السابق أفضل أو يعد المسجد الحرام كالمسجد الواحد فتكره الصلاة خلف الثاني والثالث والرابع، ولو عين السلطان إمامتهم بالسبقية أم كيف الحال أفيدوا الجواب ولكم الأجر والثواب؟
(الجواب) في فتاوي عج: أن الاستفتاء عن الأئمة بالمسجد الحرام وقع في المائة السابعة وأن جماعة من العلماء الأعلام أفتى بأنه لا كراهة في ذلك إذ مقامتهم كمساجد، ثم قال: قال ابن فرحون: ووقفت على تأليف يتضمن خلاف ما أفتى به الجماعة، وأن الإمام الراتب هو إمام مقام إبراهيم ولا أثر لأمر الخليفة في رفع
[ ٤٢ ]
الكراهة، ثم ذكر عج نقولًا كثيرة تفيد عدم الجواز ورجحها فانظره وفي المعيار: أن الإمام العلامة أبو محمد عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله المالكي مؤلف البيان والتقريب في شرح التهذيب أجاب عن هذا بقوله: الصلاة خلف كل من الأئمة الذين أمر بترتبهم إمام المسلمين في مقاماتهم المذكورة تامة لا كراهة فيها، إذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإمام بذلك، وسواء في ذلك الأول ممن بعده، وإذا كان الإمام الأول يصلي في أول الوقت فصلاة غيره ممن يؤخر إلى ربع القامة أفضل في غير الصبح والمغرب والمصلي خلف إمام المقام منها كالمصلي خلف غيره، والله أعلم، وأجاب الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي مؤلف كتاب المفهم، واختصر البخاري ومسلم بما نصه: وكذلك أقول غير أن ترتيب الأئمة في الوقت إن كان بإذن الإمام فلا سبيل إلي مخالفته وإن كان بغير إذنه فكل إمام يحافظ على ما هو الأفضل عند إمامه، ولا يجوز لمتبع إمامه يخالف مذهب إمامه بغير موجب شرعي، وأجاب غيرهما بمثل جوابيهما والله أعلم.
(ما قولكم في الجماعة) هل يفضل بعضها بعضًا أفيدوا الجواب؟ (الجواب) ذكر في المعيار: أن الصلاة تفضل في المسجد الكثير الجماعة على رأي ابن حبيب والشافعي؛ من أجل أن صلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل كما جاء في الحديث، وكذا الصلاة في مسجد إمامه متصف بصفات الفضل والكمال كالأفقه والأورع والأقرأ والمنسوب لقريش أو للعرب، ولا يكون ممن يكرهه المأمومون، وكما تفضل صلاة الصف المتقدم على من بعده من حيث إنه أول لمن بعده إلي آخر الصفوف، وكذا يفضل الوقوف على يمين الإمام على الوقوف على يساره، وكذا إدراك التكبيرة الأولى معه ونحو هذا والله أعلم.
(ما قولكم في إمام الصلاة) إذا فرغ منها هل يدعو ويؤمن المأمومون ويمسحون وجوههم أم لا؟ (الجواب) في المعيار: سئل ابن عرفة عن هذا فأجاب مضى عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بأثر الذكر الوارد إثر تمام الصلاة، وما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به، وفي نوازل الصلاة منه من الأمور التي هي كالمعلوم بالضرورة استمرار عمل الأئمة في جميع الأقطار على الدعاء أدبار الصلوات في مساجد الجماعات، واستصحاب الحال حجة واجتماع الناس عليه في المشارق والمغارب منذ الأزمنة المتقادمة من غير نكير إلي هذه المدة من الأدلة على جوازه واستحسان الأخذ به، وتأكده عند علماء الملة ورحم الله بعض الأندلسيين فإنه لما انتهى إليه ذلك ألف جزءًا ردًا على منكره، وخرج عبد الرزاق عن النبي - ﷺ - أي الدعاء أسمع؟ قال: «شطر الليل الأخير، وأدبار المكتوبة» وصححه عبد الحق وابن القطان، وذكر الإمام المحدث أبو الربيع في كتاب مصباح الظلام عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من كانت له إلى الله حاجة فليسئلها دبر صلاة
[ ٤٣ ]
مكتوبة» اهـ، وفي الإكمال ذكر عبد الحق أماكن قبول الدعاء، وأن منها الدعاء أثر الصلاة، وأنكر الإمام ابن عرفة وجود الخلاف في ذلك، وقال: لا أعرف فيه كراهة، قلت: إن عنى بقوله: لا أعرف فيه كراهة أي لمتقدم فصحيح، وإن عنى به مطلقًا ففيه شيء؛ لأن الشيخ شهاب الدين القرافي رحمه الله تعالى ذكرها في آخر قواعده، وعللها بما يقع بذلك في نفس الإمام من التعاظم، وقال في العتبية: قال مالك: رأيت عامر بن عبد الله يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة، يدعو فقيل لمالك: أترى بهذا بأسًا؟ قال: لا أرى به بأسًا ولا يرفعها جدًا، وقال أيضًا: رفع اليدين إلي الله عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب محمود، قال القاضي أبو محمد بن العربي: اختلفوا في الرفع إلي أين يكون؟ فقيل: إلى الصدر، وقيل: إلى الوجه، وجاء عن النبي - ﷺ - أنه «كان يرفع يديه في الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه»، والدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، وقال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء أي اتعب ووقوع النصب في الدعاء مؤذن بالإكثار منه، والإلحاح فيه حتى يبلغ الداعي الجهد ومن الصحيح «إذا أمن الإمام فأمّنوا» أي: إذا دعا فالداعي يسمى مؤمنًا كما يقال للمؤمن داع، وفي الحديث الصحيح على ما ذكره الترمذي أن رسول الله - ﷺ - «كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه» قال الشيخ أبو القاسم البرزلي: وهذا يرد إنكار عز بن عبد السلام المسح والله الموفق للصواب.
(ما قولكم) في حكم التكبير بصوت مرتفع عقب الصلاة بينوا لنا ما ورد فيه وغيره مما يقال عقبها؟
(الجواب) في الصحيح من حديث ابن عباس «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ - بالتكبير»، وفي رواية إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - ﷺ - فكنت أعرف إذا انصرفوا بذلك، قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء يكبر بعد صلاته ويكبر من خلفه، وفي الواضحة عن ابن حبيب: كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث إثر الصبح والعشاء تكبيرًا عاليًا ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس، وفيه إظهار لشعائر الإسلام، ومن حديث عبد الله بن الزبير أنه ﵇ «كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»، ومن حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول - ﷺ - قال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن في كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - «كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد»،
[ ٤٤ ]
ومن حديث ثوبان أنه ﵊ «كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، إلى غير ذلك من الأدعية المأثورة والأذكار المشهورة. اهـ من المعيار والله الموفق.
(ما قولكم) في إمام الصلاة إذا أقام شخصًا نائبًا عنه في الوظيفة هل يجوز أم لا وهل يستحق المعلوم أو النائب أفيدوا الجواب ولكم الأجر والثواب؟ (الجواب) تجوز النيابة في الوظيفة على أسهل الأقوال فيستحق المعلوم وهو مع النائب على ما دخلا حيث لم يخالف شرط الواقف كما في حاشية العلامة الأمير على عبق والمجموع، وفي الدسوقي: تجوز النيابة في كأذان وإمامة وقراءة بمكان مخصوصة، حيث لم يشترط الواقف عدم النيابة فيها، واعلم أنه إن شرط الواقف عدم النيابة لم يكن المعلوم للأصلي لتركه ولا للنائب لعدم تقرره في الوظيفة أصلًا، وإن لم يشترط الواقف عدم النيابة فالمعلوم لصاحب الوظيفة المقرر فيها، وهو مع النائب على ما تراضيا عليه من قليل أو كثير كانت الاستنابة لضرورة أم لا، كما قاله القرافي واختاره الأجهوري والبناني وهو أسهل الأقوال (١) وقال المنوفي: إن كانت الاستنابة لضرورة فكذلك وإلا فلا شيء للنائب ولا للمنوب عنه من المعلوم والله أعلم.