ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر:٢] (آية): نكرة في سياق الشرط (إن يروا) أي آية يرونها يعرضون عنها ولا يقبلونها، ويجمعون بين الإعراض وبين الإنكار باللسان: (يعرضوا): أي بقلوبهم وأبدانهم، (ويقولوا) بألسنتهم: (هذا سحر مستمر) وتعرفون أن السحر يؤثر لا في قلب الأعيان ولكن في رؤية الأعيان.
ألم تروا أن موسى ﵇ لما ألقى السحرة سحرهم كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، انقلب الوادي كله حيات تسعى، حتى أن موسى أوجس في نفسه خيفة من هول ما رأى، لكن هذه الحبال والعصي هل انقلبت إلى حيات أم هي هي؟ هي هي، لكن حسب نظر الرائي أنها حيات، فهم يقولون: (هذا سحر) سحر محمد حتى كانت أعيننا ترى القمر وهو واحد فلقتين.
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:٢] قيل: إن المعنى: زائل ذاهب، من مر بالشيء إذا تجاوزه، قال: هذا سحر ولن يستقر ولا قرار له، وقيل: (مستمر) أي أن كل الآيات التي يأتي بها سحر، أي: مستمر من إمرار الشيء ودوام الشيء، وأيًا كان فإنهم أنكروا وكذبوا، ولهذا قال: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ [القمر:٣] أي: كذبوا النبي ﷺ وكذبوا بآياته: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر:٣] أي: ما يريدون من الباطل: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:٣] أي: لابد له من قرار، فهؤلاء المكذبون قرارهم الذل والخسران في الدنيا، والنار في الآخرة، والنبي ﷺ ومن اتبعه أمرهم مستقر بالنصر والتأييد في الدنيا، والجنة في الآخرة، جعلنا الله وإياكم منها.
[ ١٨١ / ٩ ]