من الملاحَظ أن كثيرًا من المفسِّرينَ القُدامى وبعض المُحْدَثين قد أسرفوا في ادِّعاء النَّسخ لكثير من آيات القرآن، حتَى ذهبَ بعضهم إلى زَعْم النَّسخ للأخبار، وهذا باطلٌ بل كفر؛ لأنَّه يعني التَّكذيب
[ ٢٨٢ ]
لأخبار القرآن، وأحيلُ القارئ إلى كتاب (مع المفسِّرين والكتاب) ففيه أبحاثٌ ودراساتٌ طوال حولَ هذه القضيَّة، قضيةِ الإسراف في ادِّعاءِ النَّسخ.
ووجهةُ نظري في ملاحظاتي على الشَّيخ الشَّنقيطي -﵀- في قوله بنسخ هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ لأن اللهَ -كما قال الشَّيخ- ذكَرَ ما يدلُّ على خلافِ ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ أنَّهُ لا نسخ في الآية الأولى، بل هناك تفريقٌ وتمييزٌ بين حالتين: الحالة الأولى: إذا كان المؤمنون أقوياء فالواحد منهم يغلب عشرة من الكفار، والحالة الثانية: إذا كان المؤمنونَ ضعافًا فالواحد منهم يغلب اثنين من أعدائهم، وهذه ميزة المسلم بإيمانه على الكافر بكفره، إذا تساويا قوةً وسلاحًا.
ومثل هاتين الآيتين أو هذين الموقفين ما جاء في سورة آل عمران من الوعد أولًا بإمداد المسلمين بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، ثم الإمداد بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، فإنما هي حالات، أو مراحل، أو ظروف مختلفة، أو متتابعة، لأنَّ أمثال هذه المواقف وما نزل فيها من آيات ليس فيها تشريع أو حكم حتى يُقال بالنَّسخ للسَّابق باللاحق، بل هذه الآيات القرآنية أشبه بالأخبار والوعود التي لا يجوز عليها القول بالنَّسخ.
[ ٢٨٣ ]
وإنَّما يقال إنها نافذةٌ وقائمةٌ وَفْقًا للأحوال والظُّروف، فإنْ كان المسلمون أقوياء فالعشرون منهم يغلبوا مائتين، وإن كانوا ضعفاء فالمائة منهم يغلبوا مائتين، وكذلك الوَعْدُ بإمدادهم بثلاثة آلاف من الملائكة أولًا، ثَّم جاءَ الوَعْدُ الثَّاني: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥].
ولقد ذَهَب بعض الباحثين في علوم القرآن والمتدَبِّرينَ لأحكامه وأخباره إلى أنه لا نَسْخ في القرآن إطلاقًا! وإنما هي أحكامٌ نزلت على مراحل وظروف متدرِّجة وفقًا لأحوال المسلمين، وحاجاتهم، وقدراتهم.
ومن أمثلة الإسراف في ادِّعاء النَّسخ قول الشَّيخ -﵀- إن هذه الآية: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، قال: إنَّها نُسِخَتْ بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، ووجْهَةُ نَظَري أنَّهُ لا نَسْخ في الآية الأولى؛ لأنَّها من قبيل الأخبار، ومعناها قائمٌ أبدًا، فثمراتُ النَّخيلِ والأعناب ما تزالُ إلى يوم القيامة يأكلها فريقٌ من النَّاسِ طعامًا أو فاكهةً حلالًا ورزقًا حَسَنًا، وفريقٌ آخر يتخذها خمرًا وسَكَرًا، فمضمونها حقيقةٌ
[ ٢٨٤ ]
وواقعٌ لا يقبل النَّسخَ لأنَّها خبر لا يجوز عليه الإبطال.
ولو جارَيْنا الشَّيخ -﵀- ومَنْ يذهب مذهبه في الإسراف في ادِّعاء النسخ في آيات القرآن، لقلنا: إن آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، منسوخةٌ أيضًا بالآية الأخيرة: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومعنى ذلك أنَّه يجوز للسكارى أن يقربوا الصَّلاة، وهو باطلٌ لا يقبل جَدَلًا.
ومن هنا لا أرى رأيَ الذين يتسرَّعون بالقول بالنَّسخ في آيات القرآن، وأقف هنا لأحيل القرَّاء والعلماء الفاقهين على ملاحظاتي، ليروا هَلْ أنا على صواب أم خطأ. . . . بعيدًا عن التَّعَصُّب الذميم، بعيدًا عن الهُراء والبَذاء، والطَّعن الشَّخصي ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، والسَّلام على من اتَّبع الهُدى، ولا عصمة إلا لنبيٍّ.
أحمد مُحمَّد جَمال
[ ٢٨٥ ]