والشِّيخ أحمد كما ابتعد عن أساس ملاحظاتي لم يُورد عباراتي واستدلالاتي كاملةً في قضية النَّسخ، ولا في قضية واو العطف، ولا في موضوع دعاء موسى وهارون.
وإنَّما أشار إليها ثَّم ردَّ عليها بما يَحْلو له، وكان عليه أَنْ يورد النَّصَّ كاملًا بحججه واستدلالاته ثَم يعقب عليه؛ ليميِّز القارئ بين الخطأ والصَّواب، وبين الباطل والحق.
كما أن المعقِّب ذكر موضوعات جانبية، ولم يذكر القضايا المهمَّة التي رَدَدْت فيها على شَيخه -﵀-، منها:
الاستثناء في المشيئة الإلهيَّة - مواقفُ الكفَّار يوم القيامة اختلافًا وتعددًا - قلوبُ المؤمنين بين الوَجَلِ والاطمِئنان - ليس الكفار كلُّهم يجحدون الآخرة - أهليَّة النَّسب، وأهليَّة الدِّين في قضية نوح وابنه - تأكيد الذم بما يشبه المدح في تعبيرات القرآن - الرُّسل لا يعلمون الغيب بإطلاق - المقابلة والمشاكلة في عبارات القرآن - التَّدَرُّج في تحريم الخَمر - حولَ قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]،
[ ٢٧٩ ]
وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]- حولَ ما وَرَد في القرآن من أقسام التَّوكيد حول قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]- إلخ .. إلخ .. إلخ.
وفي كل هذه القضايا يقول الشَّيخ -﵀-: "جاءت آياتٌ تدلُّ على خلاف ذلك، أو ذكر اللهُ ما يدل على خلاف ذلك، أو التنافي بين التركيبَيْن ظاهرٌ، أو هذه الآية توهم أن الإنسانَ ينكرُ أنَّ ربَّهُ خلقه، أو المنافاة بين وَجَلِ القُلوب والطمأنينة ظاهرة إلخ. إلخ. إلخ.
فالقضية الكبرى التي بيني وبين الشَّيخ الشَّنقيطي من جهةٍ، والعزِّ ابن عبد السلام من جهة أخرى: هي افتعالُ المشكلات، وتوهُّم الاضطراب في آيات الكتاب، ثم قياس القرآن الكريم على قواعد اللُّغة، والنَّحو، والصَّرف، والبلاغة، وكان الواجبُ قياس هذه القواعد على القرآن؛ لأنَّه الذروة في الفصاحة، والبلاغة، وسلامة العبارة، وسلامة التَّركيب؛ ولأن هذه القواعد اللُّغوية والبلاغية إنَّما وُضِعَتْ بعدَهُ وعلى أساس فصاحته وبلاغته اللَّتَيْنِ دونهما فصاحةُ الفُصَحاء، وبلاغَةُ البُلَغاء.
ولولا خشية الإطالة لأتيتُ بنموذجٍ أو نموذجين من أقوال الشَّيخ الشَّنقيطي ليرى القارئ سلامة موقفي وقُوَّة حُجَّتي في الرَّدِّ على
[ ٢٨٠ ]
مفتعلي الإشكال، ومتوهِّمي الاضطراب في آيات الكتاب الحكيم، ولكن ملاحظاتي موجودة وميسَّرة كما قلتُ!! نَشَرَتْها مجلةُ التَّضامن الإسلامي، وسوف تظهرُ في كتابي مع المفسِّرين والكتاب قريبًا بإذن الله وعونه.
وأنا أُرَحِّبُ بأيِّ رَدٍّ، أو تعقيب، أو تَصحيحٍ علمى نزيهٍ، ذلك أنِّي -كَما أسلفتُ- طالبُ علم!! وناشدُ حَقِّ من المَهْدِ إلى اللَّحْدِ، كما أنِّي دائمًا متأدِّبٌ بآداب القرآن: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وفي الوقت نفسه لا أعترف بالعصمة إلا للأنبياء، فكلُّ العلماء، والمفسِّرين، والمُحَدِّثين في القديم والحديث بَشَرٌ يؤخذ منهم وُيرَدُّ عليهم، كما لا أعرف التَّعَصُّب الذَّميم لأستاذٍ، أو شيخ، أو قريب، أو صديقٍ تأدُّبًا بأدب القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].