بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
الحمد لله الَّذي بفضله ونعمته وجلاله تتمّ الصَّالحات، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنا وشفيعنا مُحمد بن عبد الله خاتم النَّبيين - ﷺ -، وبارك، وَبجَّل، وكرَّم، وعلى آله الأكرمين، وأصحابه الغُرِّ الميامين الهداة المهديين، وعلى مَن اتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
أمّا بعد؛ فإنَّه لَمَّا منَّ الله عليَّ أن هداني للإيمان، وإني لأرجوه أن يحفظ عليَّ إيماني حتَّى ألقاه وأنا مؤمن، كمنَّهِ علي أنْ جعلني من طلبة العلم عند فضيلة الشيخ محمد الأمين ابن محمد المختار الجكني ثم اليعقوبي، عليه وعلى والدينا رحمةُ اللَّه، وجمعنا الله به وبهم في مستقرِّ رحمته.
لَمّا رأيت هذا العالم الجليل رَنتْ إليه الأبصار، وطار ذكره في الأقطار، وذهب أهل العلم في تقديره والإعجاب به كل مذهب، وجعلوا غايتهم التزام مجالسه العلمية حيثما حلَّ أو ذهب، وكنتُ -أي العبد الفقير- ممن اغترف من مَعينهِ بغُرفةٍ كتبها اللهُ لي، وكنتُ قد صحبتُهُ في فُسحةٍ طيبةٍ من الزمن وشهدتُ عن
[ ١٥ ]
كثبٍ وقُربٍ كثيرًا من أحواله وكريم أقواله وفعاله، التي كانت للعلم مدرسةً تطبيقيةً؛ قائمةً بكفايته وحقِّه.
فأحببتُ أن أشارك إخواني طلبة العلم بشيءٍ من خبرِ مجالسِهِ العلمية، عسى أن يشفي غلَّتهم ويروي بعضَ ظمئهم إليه بعضٌ مما يقرأونه في كتابي: "المجالس"؛ هذا الَّذي سيملأ بلبناته قدرًا من الفراغات التاريخية من سيرة حياة شيخنا -﵀- ويُظهر بعض الحلقات المفقودة من معالم عصره المتوفِّر على أهل العلم، خاصةً لإخواني الناشئين في محاظر الطلب؛ أحداثِ السِّن ممن فاتهم الاتصال العلمي المباشر بشيخنا، عليه رحمة اللَّه؛ أسجِّل فيه علاقتي به، والكيفية التي كانت عليها، وحقيقة القرابة الرابطة بيننا، وصورًا من أفعاله النبيلة وآثار نفسه السَّخية، وإشاراتٍ إلى بصيرته النافذة وعقله الرجَّاح، ودلائلَ على بذخه العلمي وسعة حفظه، كما أسجِّل بعضًا من مجالسه العلمية المتناولة لمزيجٍ متنوِّع من مسائل الاعتقاد، والتفسير، والتاريخ، والفقه، والأدب مما علِقَ بذاكرتي بعدما تطاول عليه العمر، وكان لابدَّ من جمعه وتدوينه خشية عليه من أنْ يطويه النسيان أو يغرقه الضياع.
والمرء مهما حفظ ونسي، فإنه لا ينسى أيام حياته الجميلة، التي قُضيت في تعلُّم العلم وطَلَبه، والرحلة إليه ومجالسة أهله ونُخَبه،
[ ١٦ ]
وسماعِ كلام الله تعالى بتفسيره، واستنكاهِ لسان العرب وتنشُّقِ عبيره، ولا إخال أحدًا لقي شيخنا محمَّد الأمين بن محمد المختار الجكني -﵀- إلا انبهر من سمته وخلقه، وقوة استحضاره وحفظه؛ ويمكن إدراك ذلك من أثر البيئة التي عاشها أو -قل إن شئت- الحضارة العلمية التي خلَّفها أو تركها.
والنّاظر المتفحص لهذه المجالس تتجلى له هذه الظاهرة البيئية عن المجتمع الديني المحيط بشيخنا -﵀- وما كان عليه أهل الفضل والعلم في زمنه من التواصل والمباسطة، وما تحلوا به من السَّماحة وآداب المباحثة وأخلاق الحوار الراقية؛ تتجلى وتضيءُ بلا خفاء، فرحم الله تلك المجالس العامرة ورحم عمَّارها.
هذا، وإني ألتزم في الكتاب إثباتَ ما حدثني به شيخي -عليه رحمةُ الله- بنفسه أو ما وجدتُهُ مدوَّنًا بخط يده أو ما شهدتُهُ بنفسي معه، وإلّا فأذكر وأسنِدُ المعلومة إلى ناقلها من طلبة شيخنا محمد الأمين -﵀-، مع التنويه بأنَّ بياني لمنهاج مصادر الكتاب -مع عدم الحاجة الكبيرة إليه! - كان اقتضاء لأصول الأمانة واستيفاء لدواعي التوثُّق.
وأرى أنَّ الكتاب يمثل وثيقةً هامّةً في تَاريخ النّهضة التعليمية
[ ١٧ ]
بالقرن الرابع عشر؛ وثيقةً شاهدةً على نبوغ تلكم المرحلة، ومدى صلابة متنها، وثبات أصلها وجذرها بما احتوته من فرسانها وعلمائها، الذين كان شيخنا رائدًا من روادها الأفذاذ، ولله ﷾ الفضل والمنة على ذلك.
مع العلم -يا أخي القارئ- أن تدوين المجالس العلمية بعد جمعها وإيراد رواياتها مسندة، نمطٌ من أنماط التآليف العلمية الأصيلة (١) التي قلَّتْ عند الكتَّاب المؤلفين، بل دَرَسَتْ عند متأخريهم لتقادم السنين عن سالف زمانها وتاريخها الماضي؛ لذلك رغبتُ في تجديد العهد بها، وأنْ أتصل إلى تلك المناهج العريقة بسببٍ متين.
ومن جهة أخرى؛ فإني طامعٌ بأنْ يتشجَّع من كانت لديه مسموعاتٌ أو مشاهداتٌ علمية -لفضيلة شيخنا على الإدلاء بها في مؤلَّف مفرَد.
وأستجلبُ في هذا المقام ما أخرجه الإمام مسلم من عموم قوله - ﷺ -: "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا. ." الحديث، وليكن ذلك لنا شعارًا.
_________________
(١) كمجالس الإمام أبي العباس ثعلب -﵀-.
[ ١٨ ]
أقول قولي هذا مُوصيًا أخي القارئ بهذه المجالس خيرًا، وألَّا ينسني أو يبخل عليَّ بدعوة صالحة تنفعني إذا قضيتُ حياتي، واللَّه المستعان، ومنه نستمد العون والسَّداد، وأنْ يسلك بنا سبيل الرَّشاد.
[ ١٩ ]