«بخير، وإنما يستخرج به من البخيل»، فإذا نذر الإنسان نذر طاعة، كالصلاة والصيام، والحج، والصدقة، فإنه يلزمه حينئذ الوفاء به، لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» .
وقال ﷺ: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله»، والله جل وعلا أثنى على الذين يوفون بالنذر، فهذه نذرت أن تصلي، ولم تبين ما نوع الصلاة، هل تصلي صلاة نوافل، أو أنها تصلي الفرائض وتحافظ عليها، فإذا كانت تقصد أنها تصلي الفرائض، فالفرائض وجبت عليها بأصل الشرع، ويكون نذرها زيادة تأكيد فقط.
وإن كانت تقصد أنها تصلي نوافل فإنه يلزمها أن تصلي النوافل حسب إمكانها، إلا أنه لا يجوز أن تصلي في فترة الحيض، وفترة الحيض مستثناة، لا تدخل في نذرها، ولو كفرت كفارة يمين عن ذلك يكون أحوط، تكفر كفارة يمين عن فترة الحيض، وأما ما عدا فترة الحيض، فإنها تصلي حسب ما عينت، فتوفي بنذرها.
سؤال: يبدو أنها تقصد الصلوات المفروضة؟
الجواب: الصلوات المفروضة واجبة عليها من أصل الشرع، وإذا نذر الإنسان شيئًا واجبًا عليه بأصل الشرع صح النذر ويكون هذا تأكيدًا، فتكون الصلاة واجبة عليها إذًا لأمرين، لأصل الشرع والنذر.
[ ١ / ٨٨ ]
سؤال: ما حكم قضائها للصلاة بعد الانتهاء من العادة؟
الجواب: النذر في وقت الحيض لا يصح، فمن نذر فعل محرم، فإنه لا يجوز له فعله، فلا يفعله، وإنما يكفر عنه كفارة يمين.
***
سؤال: أثناء الامتحانات نذرت إن نجحت أن أصوم سبعة أيام متتالية، وبعد أن وفقني الله ونجحت بدأت أصوم النذر، لكنني لم أستطع مواصلة الأيام السبعة، فصمتها متفرقة، فهل فعلي هذا صحيح أم يجب علي إعادتها متتابعة، وما العمل لو كنت لا أستطيع صيامها متتابعة؟
الجواب: إذا نذر الإنسان صيام أيام متتابعة؛ وجب عليه الوفاء بنذره وأن يصوم هذه الأيام متتابعة، ولا يجوز له تفريقها لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وهذا نذر طاعة، وما ذكرت السائلة من أنها صامت الأيام ولم تستطيع المتابعة فيها، تكون قد أخلت بالوفاء بنذرها، فهي إذا كان قطعها للتتابع لعذر كما ذكرت فإنها تخير بين أمرين، إما أن تستأنف، تصوم الأيام من جديد متتابعة، وإما أن تكمل ما بقي ويكون عليها كفارة يمين، وكفارة اليمين معروفة، عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من الطعام المعتاد في البلد، أو كسوة عشرة مساكين، لكل مسكين ثوب يستره في صلاته. تخير بين هذه الأمور الثلاثة، فإذا لم تستطع واحدًا منها، فإنها تصوم ثلاثة أيام.
***
[ ١ / ٨٩ ]
سؤال: كانت لسيدة بنت تتمتع بصحة تامة، وفجأة مرضت هذه البنت مرضًا شديدًا، فنذرت أمها إن كتب الله لابنتها الحياة أن تصلي ركعتين لوجه الله تعالى بعد كل فريضة من فروض الصلوات الخمس مدى الحياة، وكان أن كتب الله لابنتها الشفاء والحياة ووفت الأم بنذرها، ثم مرضت البنت مرة أخرى وانتقلت إلى رحمة الله. والسؤال: هل تستمر الأم بالوفاء بنذرها أم أن النذر انتهى بموت البنت؟ علمًا بأن الأم ما زالت تواصل الوفاء بنذرها باعتباره تطوعًا وصدقة لروح ابنتها المتوفاة؟
الجواب: الظاهر لي أن قصدها من النذر بقاء ابنتها على قيد الحياة، ولما شفيت من المرض الأول لزمها أن توفي بنذرها مدة حياة ابنتها؛ لأنها نذرت أن تطيع الله ﷿، ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، أما لما مرضت وماتت فالذي يظهر لي أنها لا تستمر في النذر؛ لأنها قصدت بنذرها بقاء بنتها على قيد الحياة، ولما لم تبق انتهى أمد النذر فيما أرى.
إلا إذا كانت قصدت أنها تواصل الصلاة المنذورة، ولو ماتت بمرض آخر، فإنه يجب عليها المواصلة إذا كانت قصدت هذا.
***
سؤال: امرأة منذ حوالي ثلاث سنوات: وقبل أن تتزوج، نذرت لله تعالى أن تصوم أيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة من كل عام متتابعة (وربما قصدت التسعة أيام) وكانت آنذاك لا تعلم بكراهية النذر ولم تذكر إن كانت استثنت ما بعد زواجها أو أحالت أمره إلى زوجها أم لا، ولكنها الآن قد تزوجت، وزوجها يمانع من صيامها لأنه صيام نفل، ولا يجوز لها أن تصومه بدون رضاه، إضافة إلى عدم تمكنها صحيًّا من الصيام، لذا فهي
[ ١ / ٩٠ ]
تسأل هل هي ملزمة بالاستمرار في هذا النذر بالصيام مع معارضة زوجها وضعف حالتها الصحية، أم عليها أن تكفر كفارة يمين وتتخلص منه، أو تقضيه فيما بعد في غير وقته المحدد متفرقًا، أم ماذا تفعل؟
الجواب: أولًا: ينبغي التنبيه على أن النذر مكروه أو محرم الدخول فيه؛ لأنه يلزم المسلم بشيء قد لا يستطيعه، وقد يشق عليه وهو بعافية منه.
على المسلم أن يفعل الخير من صيام وغيره بدون نذر، ويكون في سعة، إن شاء فعله وإن شاء تركه، أما إذا نذر فإنه ألزم نفسه ووجب عليه أن يفي بنذره إذا كان نذر طاعة، لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، ولقوله ﷺ: «أوف بنذرك»، ولقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] .، ولقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] .
والنذر إذا وقع وكان نذر طاعة، فإنه يلزم ويجب العمل به، أما قبل الدخول فيه، فلا ينبغي للمسلم أن يلزم نفسه وأن يدخل فيه.
وهذا الذي ذكرته السائلة أنها نذرت أن تصوم العشرة الأولى من ذي الحجة باستمرار، فهذا نذر طاعة، يلزمها الوفاء به؛ لأنها نذرت صيام عشر ذي الحجة، وصيام عشر ذي الحجة طاعة، وهو مستحب بدون النذر، فإذا نذرته صار واجبًا عليها، فيلزمها أن تفي بنذرها وأن تصوم عشر ذي الحجة من
[ ١ / ٩١ ]
كل سنة حسبما ذكرت وليس لزوجها أن يمنعها من ذلك؛ لأن زوجها إنما يمنعها من صيام التطوع، أما الصيام الواجب المؤقت بوقت محدد فإنه لا يجوز لزوجها أن يمنعها منه، وهي نذرت أن تصوم هذه الأيام المعينة، فيجب عليها الوفاء بذلك، وإذا كانت تقول: إنها لا تستطيع ذلك صحيًّا، فإن كان القصد أن ذلك يشق عليها، فهذا لا يمنع من أداء الواجب، حتى وإن كان فيه مشقة فإنها تصوم؛ لأنها ألزمت نفسها بذلك، ومعلوم أن الصيام فيه مشقة حتى على القوي.
أما إذا كان قصدها من ذلك أنها لا تستطيع الصيام، فإنها في العام الذي لا تستطيع فيه الصيام لمرض أو ضعف في الجسم تكفر كفارة يمين، لكن إذا قويت في العام الآخر، يجب عليها الصيام، وهكذا.
فلا يجوز لها ترك ما نذرته؛ لأنها ألزمت نفسها بذلك، ولا ينبغي للمسلم أن يتلاعب بالنذر، ينذر ويلزم نفسه، ثم بعد ذلك يلتمس المخارج، ويلتمس الحيل، هذا لا يجوز؛ لأن النذر أصبح واجبًا من الواجبات، لا يجوز التخلص منه بدون مبرر شرعي.
سؤال: إذا صادفت هذه الأيام وقت عادتها الشهرية، فهل تقضيها فيما بعد وتكفر أو ماذا تفعل؟
الجواب: إذا صادف وقت عادتها الشهرية، فإنه تكون معذورة بتركها لأن هذا من الأعذار الشرعية، مثل ما لو كانت مريضة، فإن هذا عذر شرعي يسقط عنها صيام هذه الأيام، ولكن إذا جاءت هذه الأيام وليس عندها عذر شرعي بأن كانت صحيحة وطاهرة من الحيض يجب عليها ذلك.
[ ١ / ٩٢ ]
سؤال: هي نذرت صيام العشرة الأيام ولكن ألا يستثنى اليوم العاشر لكونه يوم عيد؟
الجواب: هذا معلوم أن يوم العاشر لا يدخل في هذا، وإنما يقال عشر ذي الحجة من باب التغليب.
***
سؤال: والدتي نذرت نذرًا بزيارة مسجد الرسول ﷺ والصلاة فيه لمدة سبعة أيام بلياليهن، فهل يجوز لها أن تفي بهذا النذر، ولكن بالمسجد الحرام بمكة المكرمة، وماذا عليها أن تفعل؟
الجواب: المسجد النبوي الشريف له فضل، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها للصلاة فيها، والعبادة فيها، قال ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
فمن نذر أن يسافر إلى المسجد النبوي الشريف للصلاة فيه والتعبد فيه، فهذا نذر طاعة، يجب الوفاء به، والسائل أو السائلة تقول: إن والدتي نذرت أن تصلي في المسجد النبوي، فهل لها أن تعدل عن ذلك وتصلي في المسجد الحرام؟ الذي ينبغي أن تمضي على نذرها، وأن تصلي في المسجد النبوي عدد الأيام التي نذرتها، وفاءً بما نذرت، وأما الاعتياض عن ذلك بأن توفي بهذه الأيام في المسجد الحرام، فلا أرى مانعًا من
[ ١ / ٩٣ ]
ذلك؛ لأن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي، وإذا عين مسجدًا من هذه المساجد الثلاثة بنذر، ثم أداه بما هو أفضل منه فلا مانع من ذلك، بدليل حديث جابر ﵁: «أن رجلًا سأل النبي ﷺ يوم فتح مكة، فقال له: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في المسجد الأقصى، فقال له النبي ﷺ: صل هاهنا، فسأله، فقال: صل هاهنا، فسأله، فقال: صل هاهنا، فسأله، فقال: شأنك إذًا.» رواه أبو داود، فالنبي ﷺ أمره أن يصلي بالمسجد الحرام بدلًا من المسجد الأقصى؛ لأن المسجد الحرام أفضل من المسجد الأقصى، فعلى هذا فهذه التي نذرت أن تصلي في المسجد النبوي، لها أن تصلي في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل من المسجد النبوي، والله تعالى أعلم.
سؤال: ما معنى قولها: سبعة أيام بلياليهن؟
الجواب: هذا معناه الاعتكاف سبعة أيام بلياليهن، وإن كان قصدها الصلاة، فهي الصلوات الخمس، وإن كان قصدها أن تبقى في المسجد النبوي سبعة أيام بلياليهن تصلي، فهذا معناه الاعتكاف، فإذا تمكنت من هذا فإنه يجب عليها.
***
سؤال: ذات يوم وأنا أعمل مع زميلاتي، قلت لهن: إذا نجحت ابنتي فسوف أذبح لكن عجلًا، ولكن حصل أن انتقلت من ذلك البلد إلى بلد آخر بعيد عنه، وفعلًا نجحت ابنتي والحمد لله، فماذا أعمل في هذا النذر، هل
[ ١ / ٩٤ ]
يجوز أن أذبح العجل وأتصدق بجزء منه على الفقراء، أم لا بد أن يكون لزميلاتي كما ذكرت وقت النذر، وهل يجوز لي ولأهلي الأكل منه أم لا؟
الجواب: إذا كنت نذرت ذبح العجل على أن تتصدقي بلحمه على زميلاتك؛ لأنهن فقيرات، فهذا نذر طاعة يجب الوفاء، لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، فيجب عليك ذبح العجل وتوزيع لحمه على الفقراء.
أما إذا كان هذا من باب ما يجري بين الرفقة من الوعد بأنه إذا حصل له كذا، يعمل لهم دعوة، ويعمل لهم وليمة وحفلة فهذا يعتبر من الأمور المباحة، من شاء فعله ومن شاء تركه؛ لأنه من المواعيد فقط، وإذا كانت إذا تلفظت بالنذر قالت: نذرت أن أذبح كذا، إذا حصل كذا لزميلاتي وهن غنيات، ولسن بحاجة، فهذه تخير بين فعل ما نذرت وبين كفارة يمين؛ لأنها نذرت شيئًا مباحًا، فتخير إذا كان من نذرت لهن ذبح هذا اللحم غنيات، ولم تنوه من باب الصدقة، وإنما نوته من باب الإكرامية، كما يجري بين الأصدقاء بعضهم مع بعض - أو تعبير عن الفرحة - فهذا يعتبر نذرًا مباحًا، والنذر المباح يخير بين فعله وبين كفارة اليمين، أما إذا كانت نذرته لفقيرات، ونذرته بنية الصدقة، فهذا يعتبر نذرًا واجبًا، يجب عليها تنفيذه.
والأكل منه أيضًا يرجع إلى نيتها، إن كانت نوت أن تأكل منه مع زميلاتها، فإنها تأكل، أما إن كانت لم تنو ذلك، فإنه لا يجوز لها أن تأكل منه.
***
[ ١ / ٩٥ ]
سؤال: كانت والدتي مريضة عندي، وقد توفيت قبل عامين، فنذرت إن رزقني الله من واسع فضله أن أتصدق بذبيحة في شهر رمضان من تلك السنة، وأن أهب ثوابها لوالدتي، وأنا أعمل في إحدى المدارس، وأتقاضى راتبًا شهريًّا قدره خمسة آلاف ريال، ولكني أعطيه زوجي المحتاج، وصاحب الأسرة الكبيرة وقليل الدخل، وقد بنى لنا منزلًا وتحمل ديونًا كثيرة للناس، ولذلك فأنا أساعده براتبي الشهري، ولم أتمكن تلك السنة من الوفاء بنذري، ولكني كنت أعطي أختي من الراتب مبلغ ألف ريال لتتصدق به على الفقراء، وأحتسب أجر هذه الصدقة لوالدتي، فهل تكفي هذه عن النذر، أم لا بد أن أتصدق بذبيحة كما حددت، ولو بعد فوات السنة التي حددتها لذلك؟
الجواب: أولًا: ننبه أنه لا ينبغي للمسلم أن ينذر؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن النذر لا يأتي بخير، إنما يستخرج به من البخيل» .
ينبغي للمسلم أن يفعل الخير وأن يتصدق، وأن يتقرب إلى الله ﷾ بما يسر الله بدون نذر، لكنه إذا نذر وألزم نفسه بذلك وجب عليه الوفاء، إذا كان نذره نذر طاعة، قال ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] .
[ ١ / ٩٦ ]
فإذا نذر الإنسان نذر طاعة، وجب عليه الوفاء به، والسائلة تذكر أنها نذرت أن تذبح شاة في سنة معينة وتوزعها على الفقراء، هذا نذر طاعة؛ لأن ذبح الشاة فيه قربة إلى الله ﷾، والتصدق بلحمها فيه قربة أيضًا، وقد عينته في وقت محدد، كان يجب عليها أن توفي في وقته، وما دام أنها أخرته عن وقته، فإنه يجب عليها تنفيذه قضاءً، يجب عليها أن تذبح ما نذرته تقربًا إلى الله ﷾، وتتصدق بلحمه، ويكون هذا قضاء، وعليها بدل التأخير كفارة يمين.
إذًا يلزمها شيئان:
أولًا: تنفيذ النذر الذي نذرته قضاءً.
ثانيًا: كفارة يمين تكون عن تأخيره عن وقته.
وكفارة اليمين، كما قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، هذه كفارة اليمين.
وأما أنها تتصدق وتعطي أختها تتصدق بدراهم، فهذا لا يكفي عن النذر؛ لأن النذر معين بذبيحة، وليس هو صدقة مطلقة، فلا يكفي عن النذر، وصدقتها التي ذكرت فيها أجر، وفيها خير إن شاء الله، ونرجو أن يصل ثوابها إلى المتوفاة، ولكنها لا تكفي عن النذر، والله أعلم.
***
[ ١ / ٩٧ ]
سؤال: تقول السائلة: نذرت لئن أراد الله ووصلت الديار المقدسة وزرت البيت الحرام، أن أصوم ثلاثة أشهر رجب وشعبان ورمضان، وقد أديت فرضي والحمد الله، ولكن نظرًا لظروف عملي لم أستطع إكمال الصيام، فهل يجزئ عن ذلك صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع أم لا، وهل يشترط التتابع في الصيام أم لا؟ وإذا لم أستطع فهل يجزئ عني كفارة أم لا؟ أفيدوني حفظكم الله.
الجواب: أولًا: ننبه أنه لا ينبغي للإنسان أن ينذر، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وقال: «إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» .
فلا ينبغي للإنسان أن ينذر، الإنسان ينبغي له أن يتقرب إلى الله بالطاعات والقربات من غير نذر، ولا يلزم نفسه إلا ما أوجبه الله عليه في أصل الشريعة، أما أن يدخل نفسه في حرج، ويحملها واجبًا ثقيلًا من صيام أو عبادة لا تجب عليه بأصل الشرع، ثم بعد ذلك يتحرج ويطلب المخارج، فهذا شيء يجب عليه أن يحذر منه من البداية وألا ينذر، لكن إذا نذر وعقد النذر وهو نذر طاعة، وقد قال النبي ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، والله تعالى يقول: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، ويقول تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فإذا نذر الإنسان نذر طاعة ونذر تبرر وجب عليه أن يؤديه؛ لأنه أوجبه
[ ١ / ٩٨ ]
على نفسه فوجب عليه أداؤه، وما ذكرته السائلة من أنها نذرت أن تصوم ثلاثة أشهر: رجب وشعبان ورمضان، أما رمضان فهذا واجب عليها في أصل الشرع أن تصومه، فقد نذرته، فيكون واجبًا من ناحيتين: بأصل الشرع وبالنذر، فهذا لا بد لها من صيامه، وأما صيام رجب وشعبان، فهذا يجب عليها صيامهما بالنذر فقط، ويجب عليها أن تصوم ما دامت نذرت أن تصوم رجب وشعبان ورمضان؛ لأن هذا نذر طاعة.
وإذا كانت عينت سنة معينة، قالت: من سنة كذا فيجب عليها أن تصوم رجب وشعبان من السنة المعينة، أما إذا كانت نذرت رجب وشعبان غير معين من سنة، فإنها تصوم رجب وشعبان من أي سنة، ورمضان من أي سنة تمر عليها.
الحاصل: لا بد لها من صيام هذا النذر، ولو كان فيه عليها مشقة؛ لأنها هي التي ألزمت نفسها بهذا، فتصوم ما دامت تستطيع الصيام، ولو كان عليها مشقة، ولا يجزئ عنها أن تصوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع كما ذكرت، لا بد من صيام رجب وشعبان ورمضان، ولا يجزئ عنها الإطعام أيضًا؛ لأنها تستطيع أن تصوم ولو مع المشقة.
سؤال: بالنسبة لرمضان ربما أنها صامته لأنها تقول: قد أديت فرضي، يعني لا تصوم رمضان، لكن بالنسبة لرجب وشعبان إذا لم تعين سنة بعينها تصومهما، فهل يجوز مثلًا أن تصوم من هذه السنة رجبا، ومن السنة الأخرى شعبان؟
الجواب: إذا كان قصدها من سنة رجبا، وشعبان من سنة، يعني متواليين، يجب عليها أن تصومهما رجب وشعبان متواليين، أما إذا كان
[ ١ / ٩٩ ]
قصدها رجبا من أي سنة، وشعبان من أي سنة، فلا مانع أن تصوم رجبًا مثلًا في سنة، وشعبان في سنة أخرى، إذا لم تكن قد نوت سنة معينة، أو في سنة واحدة.
***
سؤال: لقد نذرت نذرًا أن أصوم خمسة أيام كلما قمت بشرب سيجارة من الدخان، وكان ذلك من باب العزم على الامتناع عنه ورغبة مني في تركه إلى الأبد، ومرت الأيام والسنون، ثم عدت إليه وشربته مرة أخرى، فتذكرت النذر، وقمت وأديت الكفارة، وصمت الخمسة أيام التي نذرتها، فهل هذه الكفارة التي أديتها تكفي وتلغي النذر كالحلف ثلاثًا يقع مرة واحدة إذا كان على أمر واحد، أم أنه يلزمني أن أصوم عن كل سيجارة واحدة خمسة أيام، كما نصصت في نذري، فإنني شربت الآن الكثير، فإذا كان يلزمني عن كل سيجارة صيام خمسة أيام، فمعناه أنني سأصوم أكثر من ألف يوم تقريبًا، وكيف أستطيع ذلك، وما هو الحل، وهل من مخرج من هذه الكفارة بالصدقة أو نحوها؟
الجواب: أولًا: ننصح السائل وغيره ممن ابتلوا بتناول الدخان أن يتوبوا إلى الله ﷾ وأن يتركوا هذا الخبيث الذي يضرهم في دينهم ودنياهم، وفي صحتهم وأبدانهم؛ لأنه ضرر محض لا فائدة فيه بوجه من الوجوه، وهو خبيث من الخبائث، والله تعالى يقول في وصف نبيه ﵊: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]،
[ ١ / ١٠٠ ]
ولا يوجد أحد في العالم حتى من الذين يتعاطون هذا الشيء يثبت أن فيه فائدة واحدة، بينما فيه أضرار كثيرة وأخطار عظيمة، والواجب على المسلم أن يكون عنده عزم وقوة وشهامة وقوة إيمان، يترك ما حرم الله عليه حتى وإن كان من أغلى الأشياء عليه، كيف وهو شيء تافه وخبيث، فإنه يجب على المسلم أن يتوب إلى الله منه، وأن يتركه حفاظًا على صحته وعلى ماله وعلى دينه؛ لأنه لا يأتي بخير.
أما من ناحية النذر الذي نذرت أن تتركه، وإذا شربته أن تصوم، فأنت نذرت ترك محرم وهذا واجب عليك، والإنسان إذا نذر أن يترك المحرم فإنه يجب عليه الوفاء بنذره؛ لأنه إذا نذر الإنسان فعل الواجب أو نذر ترك المحرم، فقد نذر واجبًا عليه، يجب عليه الوفاء به، وأنت يجب عليك أن تتركه ولو لم تنذر، فكيف وقد نذرت إذًا، يتعين عليك تركه نصيحة لنفسك، ووفاءً بنذرك ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] .
هذا الذي ننصحك به ولا نرى لك غيره أبدًا، لا نرى لك أن تنقض اليمين وأن تتعاطى هذا الدخان؛ لأنه جريمة وضرر، فعليك أن تتوب إلى الله وأن تتركه، وأن تمضي في عزيمتك، وأن تخلص نفسك من أضراره.
قال ﷺ: «إنك لن تدع شيئًا لله ﷿ إلا بدلك به ما هو خير منه» .
[ ١ / ١٠١ ]
سؤال: لكنه يسأل هل يكفي صيامه خمسة أيام عن مجرد عودته إليه، أم يلزمه كما حدد عن كل سيجارة خمسة أيام؟
الجواب: لا، النذر هذا يجري مجرى اليمين؛ لأن قصده منه منع نفسه من هذا الشيء، على اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية يجري مجرى اليمين، يكون فيه كفارة يمين، وقد كفر.
وقال: كلما شرب يصوم خمسة أيام، فمعناه: أن النذر باق لم ينحل، وأنه كلما شرب سيجارة يلزمه صيام خمسة أيام، فهو باق لم ينحل، فعليه أن يترك الدخان، حتى ولو لم ينذر، فكيف وقد نذر، ولو فعله وجب عليه صيام خمسة أيام، كلما فعل وجب عليه صيام خمسة أيام عن كل مرة؛ لأنه قال: كلما شربت، عن كل سيجارة، نقول له: صم خمسة أيام، وهذا معناه أنه يتكرر عليه النذر كلما تناول السيجارة، وهذا مما يؤكد عليه ترك هذا الخبيث.
فيلزمه صيام خمسة أيام عن كل سيجارة كما نذر.
***
سؤال: نذرت صيام شهر لله تعالى، ولكن لم أحدد أي شهر، فهل يجزئ أن أصوم ثلاثين يومًا متفرقة أم لا؟
الجواب: من نذر صوم شهر وأطلق، قد ذكر الفقهاء أنه يخير بين أمرين، إما أن يصوم شهرًا بالهلال حينئذ يلزمه التتابع، ويجزيه ولو كان هذا الشهر تسعة وعشرين يومًا لأن هذا مسمى الشهر.
[ ١ / ١٠٢ ]
ويجوز له أن يصوم بالعدد غير متقيد بالشهر الهلالي، وحينئذ يلزمه أن يصوم ثلاثين يومًا؛ لأنه إذا صام بالعدد فلا بد أن يكون ثلاثين يومًا، ويجوز له أن يفرق هذه الأيام.
سؤال: يعني هو مخير بين هذه وتلك؟
الجواب: مخير بين هذه وتلك أن يصوم شهرًا هلاليًّا وحينئذ يتقيد بالشهر، ويجوز له أن يصوم بالعدد، وحينئذ يلزمه أن يصوم ثلاثين يومًا، سواء كانت متفرقة أو متتالية.
***
سؤال: نذرت نذرًا أن أصوم عشرة أيام من شهر محرم، ولم أستطع أن أصوم من شهر محرم بسبب الدراسة، فهل أصوم في غير محرم، أي بعد انتهاء الدراسة، وفعلًا صمت في غير شهر محرم، فهل يجزئ ذلك أم لا، أفيدونا جزاكم الله خيرًا؟
الجواب: إذا كنت تقصدين شهر محرم من سنة معينة فإنه يفوت بفوات ذلك الشهر، ويكون عليك حينئذ كفارة يمين؛ لأن النذر فات محله، أما إذا كنت تقصدين شهر محرم غير معين، يعني من أي سنة، فإنه إذا لم تصومي من هذه السنة، فصومي من شهر محرم من سنة أخرى، وأظن أن هذا احتمالًاَ بعيدًا، ولكن هذا السؤال يحتمل هذا.
أما ما ذكرت من أنك قضيت بعد مضي الأيام، فلا يتوجه عندي القضاء في هذا، وإنما عليك كفارة يمين بفوات المحل.
***
[ ١ / ١٠٣ ]
سؤال: لقد من الله علي واشتريت قطعة أرض لبناء بيت عليها وذلك منذ ثلاث سنوات، بمبلغ ألفي جنيه، وبعد شرائها وشعوري بنعمة الله علي نذرت أنني عند بنائها سأعمل الطابق الأرضي كله مسجدًا، ويكون البيت في الدور العلوي، وقلت أمام أقاربي وأصدقائي: نذرت أن أعمل هذا العمل، ولكنني وجدت أن إمكانياتي المالية لن تسمح لي بالبناء، نظرًا لتكاليف البناء الكبيرة، وسوف أقوم في الشهور القادمة ببيع هذه الأرض إن شاء الله، فأرجو إفادتي، ماذا أفعل في هذا النذر، ولو بعت هذه القطعة فهل يسقط عني، أم لا بد من عمل شيء بدلًا عنه، ثانيًا: بالنسبة للزكاة عن هذه القيمة، هل أخرج قيمة الزكاة عن المبلغ الذي اشتريتها به فقط، ومن تاريخ شرائها، أم أخرج الزكاة عن المبلغ الذي ستباع به، أفيدوني جزاكم الله كل خير؟
الجواب: الذي يظهر من سؤالك أنك تريد أن تبني هذه الأرض التي اشتريتها وتجعل الدور الأرضي منها مسجدًا، وأنك نذرت هذا النذر شكرًا لله على أن يسر لك هذه الأرض، ولكنك في الوقت الحاضر لا تستطيع عمارتها، وتسأل: هل يجوز لك بيعها؟
لا، لا يجوز لك بيعها؛ لأنك نذرت أن تجعل الدور الأرضي منها مسجدًا، وأن تجعل ما فوقه سكنًا، فما دام أنك لا تستطيع بناءها في الوقت الحاضر، فإنك تنتظر إلى أن ييسر الله ﷾ بناءها وتنفذ ما نذرت؛ لأنك لم تيأس حتى الآن من عدم القدرة على بنائها وتنفيذ هذا النذر الذي نذرته.
[ ١ / ١٠٤ ]
سؤال: يعني يبقى النذر دينًا في ذمته حتى يستطيع؟
الجواب: نعم، يترك الأرض وينتظر إلى أن ييسر الله بناءها، وتنفيذ هذا النذر، فإذا يئس من ذلك، ويئس من القدرة على بنائها، وتنفيذ هذا النذر، حين ذلك يسأل أهل العلم، أما الآن فالذي أراه أن ينتظر ولا يبيع هذه الأرض، لعل الله ييسر لها بناءً.
سؤال: إذًا على هذا، ليس عليها زكاة ما دام يقصد البناء عليها؟
الجواب: نعم، يبقيها انتظارًا لتنفيذ ما نذر فيها، وليس عليها زكاة في هذه الفترة.
***
الوفاء بالنذر المكروه
سؤال: نذرت جدتي أن تصوم شهر رجب مدى الحياة نذرًا خالصًا لله، إن تحققت أمانيها، وبعد أن تحققت صامت كما نذرت، إلى أن بلغت سنًّا يصعب معها الصيام، ويشق عليها للمرض والكبر، فما الحكم في هذه الحالة؟ وهل يلزمها الاستمرار، أم تكفر وتعفى من هذا النذر؟
الجواب: إفراد رجب بالصيام مكروه، فهذه المرأة التي نذرت أن تصوم شهر رجب، نذرت نذرًا مكروهًا، وإذا نذر الإنسان شيئًا مكروهًا فإن الأولى أن لا يفعله ويكفر كفارة يمين، فعليها أن تكفر كفارة يمين، بأن تعتق رقبة، أو تطعم عشرة مساكين، أو تكسو عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع طعامًا، أو ثوب يجزيه في صلاته، فإن لم تقدر على
[ ١ / ١٠٥ ]