نزول القرآن، أم هم موجودون إلى قيام الساعة، أم أن علم التأويل مقتصر على الله تعالى وحده، وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، بداية آية جديدة؟
الجواب: هذا محل خلاف بين أهل العلم بموضع الوقوف، هل هو على لفظ الجلالة، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ جملة مستأنفة، أو أن الراسخين في العلم معطوف على لفظ الجلالة، ولا يتعين الوقف على لفظ الجلالة، وهذا يرجع إلى معنى التأويل المراد به، فإن كان المراد بالتأويل التفسير ومعرفة المعنى، فإنه يصح العطف على لفظ الجلالة، فتقرأ الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، بمعنى أن الراسخين في العلم يعرفون معاني المتشابه ويفسرونه ويحملونه على الحكم ويردونه إلى المحكم.
وإن أريد بالتأويل هنا: مآل الشيء وكيفيته التي هو عليها من الأمور التي أخبر الله عنها من المغيبات، فهذا لا يعلمه إلا الله، ويتعين الوقف على لفظ الجلالة، فتقرأ الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، يعني: الحقيقة التي يئول إليها والكيفية التي هو عليها، مما أخبر الله تعالى عنه من الأمور المغيبة كذاته ﷾ وأسمائه وصفاته، وما في الدار الآخرة من النعيم والعذاب وغير ذلك، هذا لا يعلمه إلا الله، لا يعلم كيفيته وحقيقته إلا الله ﷾، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
***
[ ١ / ١٤٣ ]
سؤال: يقول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فما معنى هاتين الآيتين، وكيف نوفق بينهما؟ وهل معنى الأولى أن هناك ذنوبًا لا تقبل التوبة من فاعلها مهما حاول؟ أم أن إحداهما ناسخة للأخرى أم كيف ذلك؟
الجواب: لا تعارض بين الآيتين الكريمتين؛ لأن الآية الأولى محمولة على المرتد الذي لم يتب، ومات على ردته ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، يعني: لم يتوبوا وإنما استمروا على كفرهم إلى أن ماتوا، فهؤلاء لن تقبل توبتهم ولو تابوا عند الموت لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فالحاصل: إن الآية الأولى فيمن ارتد عن الدين واستمر على ردته ولم يتب إلا عند الموت، وعند الغرغرة كما في الحديث: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، يعني: ما لم تبلغ روحه الغرغرة، حينئذ لا تقبل منه توبة.
وأما الآية الأخرى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، فهذه في الذي يتوب قبل حضور الموت، فإن الله جل وعلا يتوب عليه، وبهذا يتضح أن لا تعارض بين الآيتين الكريمتين.
[ ١ / ١٤٤ ]
سؤال: هل هناك ذنب لا تقبل التوبة من فعله؟
الجواب: الصحيح أنه ليس هناك ذنب لا تقبل التوبة من فاعله، فإن الله جل وعلا يقبل توبة الكافر إذا تاب، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
والمشرك إذا تاب مع أن الشرك هو أعظم الذنوب، إذا تاب منه تاب الله عليه.
فليس هناك على الصحيح من قولي العلماء ذنب لا تقبل منه التوبة.
***
تفسير سورة النساء
سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]؟
الجواب: قيل: معنى الآية أنه لا يجوز لأحد أن يدعو على أحد إلا إذا كان المدعو عليه ظالمًا له، فيجوز للإنسان أن يدعو على من ظلمه، وقيل في معنى الآية: إن من سبك يجوز لك أن تسبه من باب القصاص، أما السباب من غير قصاص فلا يجوز، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فمن سابك أو شتمك جاز لك أن تقتص منه وأن ترد عليه بالمثل، أما إذا لم يكن هناك سبب في السباب والشتم فهذا لا يجوز؛ لأنه جهر بالسوء.
سؤال: إذا المقصود بالسوء هنا: هو السب أو الشتم؟
الجواب: السب أو الشتم أو الدعاء.
[ ١ / ١٤٥ ]