سؤال: يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٤-٦]، فما معنى هذه الآيات، وما المقصود بالإفساد في الأرض مرتين، وهل مضت المرتان، وما معنى قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾، وماذا يفهم من هذه الآيات؟
الجواب: يقول الله ﷾: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾: أي أخبرناهم، بينا لهم أنه سيحصل منهم إفساد في الأرض بالكفر والمعاصي وقتل الأنبياء. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾: يعني بالمعاصي والكفر والإلحاد. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾، المرة الأولى حصلت، ثم إن الله ﷾ عاقبهم. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: بعث الله عليهم عدوًا من الكفار، من كفار المجوس أو من غيرهم، فقتلوهم شر قتلة واستباحوا بلادهم وديارهم عقوبة لهم لما أفسدوا في الأرض، هذا حصل عليهم المرة الأولى، ثم إن الله ﷾ أعاد الكرة لبني إسرائيل ونموا، وأعاد لهم قوتهم.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ بعدما عاقبهم الله ﷾ على الإفساد الأول، مَنَّ عليهم بأن أعاد لهم قوتهم وعزتهم وكثرة الغنى والأولاد، ثم إنهم لم يقيدوا نعمة الله بالشكر، وعادوا إلى إفسادهم مرة ثانية، فأفسدوا في الأرض مرة ثانية،
[ ١ / ١٥٥ ]
عند ذلك بعث الله عليهم عدوًا آخر أيضًا استباح بلادهم وأهلك الحرث والنسل، ودخل المسجد الذي هو بيت المقدس كما دخله العدو الأول، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: أي ليتبر هذا العدو، ويفسد ما حصل لكم في هذه الفترة من النشاط والعمران وكثرة الأموال والأولاد، ليتبر ذلك ويُقضى عليه عقوبة لكم.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: يعني المرة الثانية، وهي الإفساد في الأرض.
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فالله جل وعلا أخبر في هذه الآية عن بني إسرائيل أنهم حصل منهم فساد في الأرض مرتين وهذا في الزمن الماضي، ثم توعدهم أنهم إذا كرروا هذا، فسيعيد لهم العقوبة إلى يوم القيامة ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: هذا وعيد من الله، كما أنه عاقبهم على المرتين الأوليين، فهو كذلك سيعاقبهم كلما أفسدوا في الأرض، إلى آخر الدنيا، وهذا واقع ومشاهد أن اليهود ما زالوا يسلط عليهم الجبابرة ويسلط عليهم عدوهم كلما حصل منهم علو في الأرض وإفساد في الأرض، وهذه عقوبة من الله ﷾ لهذا الشعب الذي يفسد في الأرض وينشر الفساد فيها ويتكبر على العباد.
سؤال: هل الإفسادان هما حادثان معنيان أم مجمل أعمالهم؟
الجواب: الله ﷾ لم يحدد نوع الإفسادين، ولكن من المفسرين من قال: إنهم قتلوا في المرة الأولى (أشعياء) نبيًّا من أنبيائهم، وفي المرة الثانية قتلوا: " يحيي بن زكريا " ﵇.
[ ١ / ١٥٦ ]
وهذا صحيح أنهم قتلوا الأنبياء، ذكر الله عنهم أنهم يقتلون الأنبياء، هذا من أعظم الإفساد بلا شك.
والحاصل أن هؤلاء اليهود، كلما حصل منهم إفساد فإن الله يكرر عليهم العقوبة وتسليط العدو عليهم في المرتين الأوليين، وفي كل ما حصل منهم ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ . فهذا مطلق إلى يوم القيامة.
سؤال: قوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ معناها المرة الثانية؟
الجواب: نعم المرة الثانية.
***
سؤال: ما معنى قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٥-٨٧]؟
الجواب: كانت اليهود قد قالت لمشركي قريش من أهل مكة: اسألوا هذا الرجل، يعني محمدًا ﷺ عن ثلاث مسائل، المسألة الأولى: عن أصحاب الكهف، والمسألة الثانية: عن ذي القرنين، والمسألة الثالثة: عن الروح، فإن أجابكم عنها فهو نبي، والله ﷾ أنزل على رسوله الإجابة عن هذه الأسئلة.
عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وأما الروح فالله سبحانه
[ ١ / ١٥٧ ]
وتعالى قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، فلم يجبهم إلى سؤالهم، وإنما بين أنها من خصوصياته ﷾، وأنه هو الذي خلقها، وهو الذي يعلمها ولا يعلمها أحد من الخلق، فهي سر من الأسرار، ولا تزال سرًّا، وهذا من معجزات القرآن، فإنه مع تقدم الطب والمهارة فيه، ومع حرص الناس على البحث في هذا الشأن، لم يعرفوا شيئًا عن حقيقة الروح ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، على أن المراد بالروح: ما يحيا به الإنسان، هذا السر الذي يحيا به الإنسان، يكون حيًا، وإذا فارقته مفارقة تامة يكون ميتًا، وإذا فارقته بعض المفارقة يكون نائمًا، فالروح لها اتصالات بالبدن، اتصال بالبدن وهو في بطن أمه، واتصال بالبدن بعدما يولد في الحياة الدنيا، وهو مستيقظ، واتصال بالبدن وهو نائم، واتصال بالبدن وهو في القبر، واتصال بالبدن في الدار الآخرة، وهذا الاتصال الأخير اتصال لا مفارقة بعده، فهذه الروح من العجائب التي لا يعلمها إلا الله ﷾.
وقيل: المراد بالروح جبريل ﵊.
وقيل: المراد بالروح ملك من الملائكة، أو جماعة من الملائكة.
فعلى كل حال، فالروح سر من أسرار الله لم يطلع عليها عباده ﷾: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فالبشر مهما أوتوا من العلوم والمعارف، فإن علمهم قليل، أو لا شيء بالنسبة لعلم الله ﷾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن أن الله ﷾ أنزل هذا القرآن نعمة ومنة على رسوله ﷺ وعلى
[ ١ / ١٥٨ ]
أمته، فهو من أكبر النعم، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، فإنه من أعظم النعم التي أنعم الله بها على هذا النبي الكريم، وعلى أمته إلى يوم القيامة؛ لأن به سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، والله قادر على أن يرفع هذا القرآن، وأن يزيل هذه النعمة، كما أنه هو الذي أنزلها، فهو قادر على رفعها، وذلك مما يوجب على العباد أن يشكروا الله ﷾ على هذه النعمة، ليستفيدوا منها وينتفعوا بها.
***
تفسير سورة طه
سؤال: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، ما تفسير هذه الآية، جزاكم الله كل خير؟
الجواب: يقول الله ﷾: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤]، في الآية الأولى أخبر الله تعالى أن من اتبع القرآن وعمل به فإنه ﷾ قد تكفل له بأن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
وفي الآية الثانية، أن من أعرض عن القرآن، ولم يعمل به، فإن الله جل وعلا يعاقبه بعقوبتين:
الأولى: أنه يكون في معيشة ضنك، وقد فسر ذلك بعذاب القبر؛ لأنه يعذب في قبره، وقد يراد به أيضًا المعيشة في الحياة الدنيا، وفي القبر أيضًا، فالآية عامة، والحاصل: أن الله توعده بأن يعيش عيشة سيئة مليئة
[ ١ / ١٥٩ ]