كتاب
التفسير
[ ١ / ١٣٥ ]
تفسير سورة البقرة
سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فكيف عرفت الملائكة أن بني آدم سوف يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، مع أنه لم يكن هناك أناس قبل آدم؟
الجواب: هذه الآية من جملة النعم التي عددها الله في أول سورة البقرة، وهي أنه أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة وهو آدم ﵇، بمعنى: أن يستخلفه فيها، وقيل: معنى خليفة أي خليفة عن الله ﷾ في تنفيذ أحكامه وسياسة خلقه في الأرض السياسة الشرعية، وقيل: المراد بخليفة أنه يخلف قومًا سبقوا، وأنه كان في الأرض قبل آدم سكان وأفسدوا فيها، فالله أزالهم عنها واستخلف فيها آدم وذريته، وقيل: معنى خليفة أن بني آدم يخلف بعضهم بعضًا جيلًا بعد جيل، وعلى كل حال الاستخلاف الظاهر أنه يشمل هذه المعاني كلها، ثم إن الملائكة ﵈ سألوا ربهم سؤال استيضاح لا سؤال اعتراض ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كأنهم علموا هذا من جيل سبق، كما ذكر المفسرون أنه كان في الأرض قوم من الجان قد أفسدوا فيها، ثم إن الله أزالهم عنها، فالملائكة كانت قد عرفت من هذا الجيل أنه مفسد، فظنت أن آدم وذريته سيعملون كعملهم، ولكن الله يعلم من حال آدم وذريته ما لا تعلمه الملائكة، وأنه سيكون فيهم من الطيبين
[ ١ / ١٣٧ ]
من الأنبياء والصالحين والمؤمنين من يعمر الأرض بطاعة الله، ويصلح فيها، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالله أجابهم بأنه يعلم ﷾ من آدم وذريته وصلاحهم وإصلاحهم في هذه الأرض ما لا تعلمه الملائكة حين استشكلوا وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، والله أعلم.
***
سؤال: ما معنى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وهل المقصود بقوله: ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ هما هاروت وماروت، أم هما من ملوك البشر، وهل كانا يعلمان الناس السحر الذي عده الرسول ﷺ من السبع الموبقات؟
الجواب: هذه الآية وردت في ذم اليهود ومن نحا نحوهم وعمل عملهم، وقبلها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠١، ١٠٢] .
[ ١ / ١٣٨ ]
وذلك أن اليهود كفروا بمحمد ﷺ الذي يجدون أوصافه وإثبات رسالته في كتاب الله الذي بأيديهم وهو التوراة، ولما كفروا بمحمد ﷺ، كانوا كافرين بكتابهم ونابذين له وراء ظهورهم، ثم إنهم اعتاضوا عن كتاب الله، بكتب السحر والشعوذة، وهذا من استبدال الخبيث بالطيب، ومن عقوبة الله لهم؛ لأن من ترك الحق ابتلي بالباطل، فهم لما تركوا كتاب الله اعتاضوا عنه كتب السحر والكتب الشيطانية، وهذه سنة الله جل وعلا فيمن أعرض عن كتابه وسنة نبيه ﷺ، أنه يبتلى بالضلال ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: يعني ما كانت الشياطين تعمله من السحر على ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، يعني في عهد سليمان، فإن الشياطين كانت تعمل السحر في عهد سليمان، فظن اليهود أن السحر الذي وجدوده ظنوه من عمل سليمان ﵇، لهذا قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، يعني: وليس هذا السحر من عمله؛ لأن هذا السحر كفر، والأنبياء مبرءون من عمل الكفر، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، فدل على أن تعلم السحر وتعليمه كفر.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾: الجمهور على أن المراد بهما ملكان نزلا من السماء لابتلاء العباد، وكانا يعلمان السحر ابتلاءً للعباد، ولهذا كانا ينصحان من يريد تعلم السحر بقولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فينصحانه بأن السحر كفر فلا تتعلمه، فإذا أقدم وتعلمه باختياره فهذا دليل على فساده وشره، فهما ملكان عند الجمهور نزلا من السماء لابتلاء العباد وامتحانهم، ومن العلماء من قرأ: "وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ" بكسر اللام، فيكونان من ملوك البشر، ولكن الأول أشهر وأظهر، وهما هاروت وماروت.
[ ١ / ١٣٩ ]
سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] .
الجواب: الله ﷾ حرم الخمر على التدريج، فلما كان الناس في أول الإسلام مغرقين في شرب الخمر، ولا يستطيعون تركه بالكلية إلا بالتدريج شيئًا فشيئًا، الله جل وعلا من حكمته حرمه على التدريج.
ففي أول مرحلة قال ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، هذا في الأول، أول مرحلة، فبين الله ﷾ أن ضرر الخمر أكثر من نفعه، والعاقل إذا عرف أن ضرر الشيء أكثر من نفعه، فإنه يبتعد عنه؛ لأن الإنسان لا يريد لنفسه أن يأخذ شيئًا، أو يتناول شيئًا ضرره أكثر من نفعه، فالعاقل عندما يسمع هذه الآية، فإنه سيترك الخمر والميسر؛ لأن العقل يأمره بذلك لأن مفسدته راجحة، والعاقل لا يقدم على شيء مفسدته راجحة.
ثم في المرحلة الثانية حرمه عليهم في بعض الأوقات، وهي الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فحرمه عليهم في وقت، وهو وقت الصلوات، وإذا كان يحرم على المسلم أن يشرب الخمر في وقت الصلاة، مع أن الصلوات تكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فهذا يأخذ عليه وقتا طويلا يحرم عليه فيه شرب الخمر في اليوم والليلة، فيكون قد خفت عليه وطأة الخمر واعتياد الخمر؛ لأنه سيتركه في فترات خمس من اليوم والليلة، فحينئذ تخف وطأته عليه، ثم إنه جل وعلا بعد
[ ١ / ١٤٠ ]
ذلك حرمه تحريمًا قاطعًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠-٩٢]، فحرم الخمر تحريمًا قاطعًا في جميع الأوقات، في جميع عمر الإنسان، ولم يبق لها وقت من حياة الإنسان، بل هي حرام على المسلم طول عمره، كانت هذه النهاية نهاية الخمر، وهي أن الله أراح المسلمين منه، وحرمه عليهم تحريمًا قاطعًا وأمرهم باجتنابه، فقال سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فهذا من باب التدريج في تحريم الخمر، والتدريج فيما يشق على النفوس، هذا من رحمة الله ﷾.
***
سؤال: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ما معنى هذه الآية، وما معنى قوله: ﴿مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾؟
الجواب: الذي عليه جمهور المفسرين أن هذه الآية كانت في أول الأمر، فقد كان يجب على المتوفى عنها أن تبقى في بيت زوجها المتوفى لمدة سنة، وأن ينفق عليها من تركته، قوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي: تبقى في بيت الزوجية لمدة سنة، وينفق عليها من ماله بوصيته، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾،
[ ١ / ١٤١ ]
أي: أنه يجب عليه قبل وفاته أن يوصي بأن ينفق عليها إلى الحول، وأن تبقى في بيته، قال جمهور المفسرين: هذا ما كان عليه الأمر في أول الإسلام، ثم إن الله نسخ هذا في الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . آية عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر، هذه العدة.
أما الإنفاق فمنسوخ بقوله ﷺ: «لا وصية لوارث»، فليس لها نفقة من تركة الميت، وإنما تنفق من نصيبها هي؛ لأنها وارثة، فنسخ الأمران، نسخ الإسكان، ونسخت النفقة.
هذا ما عليه جمهور المفسرين، والله تعالى أعلم.
سؤال: ما المراد بقوله: ﴿جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾؟
الجواب: المراد بها، كما في الآية التي قبلها، أنها إذا انتهت عدتها فلها أن تتزين بما جرت به العادة من غير إسراف ومن غير فتنة؛ لأنها في حال العدة ممنوعة من التزين، وإذا انتهت عدتها أبيح لها ما منعت منه في حدود المعروف، الذي ليس فيه فتنة ولا إسراف.
***
تفسير سورة آل عمران
سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]؟ وهل هؤلاء الراسخون في العلم هم في زمن
[ ١ / ١٤٢ ]