سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤-٢٢٦]، ومن هم المقصودون بهذا الوصف؟ وهل هذا خاص بزمن معين، أم هو مستمر إلى يوم القيامة؟
الجواب: يقول الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخر الآيات، هذا ذكره الله في معرض تنزيه النبي ﷺ عن الصفات التي وصفه بها المشركون؛ لأنهم وصفوه بأنه كاهن، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] .
ووصفوه بأنه شاعر، فقال جل وعلا: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فالنبي ﷺ ليس بشاعر أيضًا، وإنما هو نبي من عند الله.
فقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: أي أن هذا وصف ذم للشعراء؛ لأن الشعراء غالبًا ما يكون شعرهم يشتمل على الهجاء القبيح أو على المجون والخلاعة، أو على المدح الكاذب، وغالب الشعر مذموم، ولهذا يقولون: أعذبه أكذبه، فهو من عمل الغاوين.
وقيل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: المراد بالغاوين هنا: الشياطين؛ لأن الشياطين تقرب من الشعراء، وكل شاعر له رأي من الجن.
وعلى كل حال، هذه صفة ذم، ثم بين صفة ثانية من صفات الشعراء، قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾: بمعنى أن الشعراء يشعرون في كل فن من المتناقضات، من المدح والذم، والهجاء والمجون وغير ذلك،
[ ١ / ١٦٣ ]
ويقلبون الحق باطلًا والباطل حقًا بشعرهم وألفاظهم، فهم يهيمون في أودية الباطل، ويلونون مقاصدهم وأشعارهم حسب ما يريدون، فهم متقلبون، لا يثبتون على حالة، تارة يمدحون وتارة يذمون، وتارة يقرون بالفسق والخمر والزنا وغير ذلك، هذه من صفات غالبهم.
والصفة الثالثة: أنهم يقولون ما لا يفعلون، فهم يحثون على الكرم والشجاعة والبطولة وغالبهم جبناء وبخلاء، ولا ينفذون ما يقولون وربما يمدحون أنفسهم بأشياء ليست من صفاتهم فهم يقولون ما لا يفعلون، وهذا من أعظم أنواع العيوب، أن الإنسان يقول ما لا يفعل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]، ثم إن الله استثنى أهل الإيمان وأهل الصدق من الشعراء ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فالشعراء الذين استعملوا شعرهم لنصرة الحق، والرد على المبطلين، هؤلاء استثناهم الله ﷿، مثل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وشعراء الصحابة الذين صار شعرهم للدعوة الإسلامية والدفاع عن الحق، والذب عن الرسول ﷺ، فهذا يعتبر من الجهاد في سبيل الله، ومن نصر الحق، وهؤلاء قد استثناهم الله من الشعراء المذمومين.
سؤال: إذا يفهم من هذا أن هذه الآية لا تذم الشعر لذاته، وإنما الشعراء الذين يتصفون بهذه الصفات، أما إذا استخدم في أغراض نصرة الإسلام ورفعة شأنه، فهذا أمر محمود.
الجواب: نعم، ويدخل في الجهاد.
[ ١ / ١٦٤ ]