سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣-١٨] .
الجواب: ذكر الله ﷾ في سياق الآيات التي يثني فيها على رسوله ﷺ وينفي عنه ما اتهمه به المشركون.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، معناه: أن محمدًا ﷺ رأى جبريل في صورته الأصلية التي هو عليها مرتين، مرة في الأفق الأعلى تحت السماء الدنيا، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله ﷺ، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: أي رأى محمد جبريل مرة أخرى نازلًا إليه.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: وهي شجرة عظيمة جدًّا فوق السماء السابعة، سميت: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾؛ لأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وينزل إليها ما ينزل من الله من الوحي وغيره، أو لانتهاء علم المخلوقات إليها، أي لكونها فوق السماوات والأرض، فهي المنتهى في علوها، أو لغير ذلك، فرأى محمد ﷺ جبريل في ذلك المكان الذي هو محل الأرواح العلوية الزاكية التي لا يقربها شيطان ولا غيره من الأرواح الخبيثة.
عِنْدَهَا: أي عند تلك الشجرة ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، أي الجنة الجامعة لكل نعيم، بحيث كانت محلًا تنتهي إليه الأماني وترغب فيه الإرادات، وتأوي إليه الرغبات، وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الأماكن وفوق السماء السابعة.
[ ١ / ١٧٥ ]
وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: أي يغشاها من أمر الله شيء عظيم لا يعلم وصفه إلا الله ﷿.
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾: أي ما زاغ بصر محمد ﷺ يمنة ولا يسرة عن مقصوده.
﴿وَمَا طَغَى﴾: أي ما تجاوز البصر.
وهذا كمال الأدب منه صلوات الله وسلامه عليه أن قام مقامًا أقامه الله فيه ولم يقصر عنه ولم يتجاوزه ولا حاد عنه، وهذا أكمل ما يكون منه الأدب العظيم الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور، إما أن لا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، أو يقوم به على وجه الإفراط أو على وجه الحيدة يمينًا وشمالًا، وهذه الأمور كلها منتفية عنه ﷺ.
وقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: أي من الجنة والنار وغير ذلك من الأمور التي رآها النبي ﷺ لما أسري به. والله أعلم.
***
سؤال: ما معنى الآيتين الكريمتين في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، وهل بينهما نسخ أو تعارض؟ وماذا نستفيد منهما؟
الجواب: بين الآيتين إشكال، ذلك أن الآية الأولى فيها: أن الإنسان لا يملك إلا سعيه ولا يملك سعي غيره ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فملكيته محصورة بسعيه، ولا ينفعه إلا سعيه، بينما الآية الأخرى فيها أن
[ ١ / ١٧٦ ]
الذرية إذا آمنت فإنها تلحق بآبائها في الجنة وتكون معهم في درجتهم وإن لم تكن عملت عملهم، فالذرية إذا استفادت من عمل غيرها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، فالآية الكريمة تدل على أن الذرية يلحقون بآبائهم في درجاتهم ويرفعون معهم في درجاتهم وإن لم يكن عملهم كعمل آبائهم، فظاهر الآية أنهم انتفعوا بعمل غيرهم وسعي غيرهم، بينما الآية الأخرى أن الإنسان لا ينفعه إلا سعيه.
وقد أجاب العلماء عن هذا بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أن الآية الأولى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ مطلقة والآية الثانية ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مقيدة.
والمطلق يحمل على المقيد كما هو مقرر في علم الأصول.
والجواب الثاني: أن الآية الأولى تخبر أن الإنسان لا يملك إلا سعيه، ولا ينفعه إلا سعيه، ولكنها لم تنف أن الإنسان ينتفع بعمل غيره، من غير تملك له، فالآية الأولى في الملكية، والثانية في الانتفاع، أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره وإن لم يكن ملكه، ولهذا ينفعه إذا تصدق عنه، وينفعه إذا استغفر له، ودعي له، فالإنسان يستفيد من دعاء غيره، ومن عمل غيره، وهو ميت.
والانتفاع غير الملكية، فالآية الأولى في نوع، والآية الثانية في نوع آخر، ولا تعارض بينهما.
[ ١ / ١٧٧ ]
هذا الجواب أحسن من الأول في نظري، فهذا الجواب هو الراجح في نظري.
وهناك جواب آخر: هو أن الآية الأولى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ منسوخة؛ لأنها في شرع من قبلنا لأن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، فهذه تحكي ما كان في صحف موسى وصحف إبراهيم ﵉، لكن جاءت شريعتنا بأن الإنسان ينتفع بعمل غيره، فيكون ذلك نسخًا، ولكن هذا الجواب ضعيف، والجواب الذي قبله أرجح في نظري، والله أعلم.
سؤال: ألا يحمل من الذرية هنا، أنهم هم الأطفال الذين يموتون قبل الحلم؟
الجواب: لا، المراد بالذرية، عموم الذرية.
***
تفسير سورة الرحمن
سؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠]؟ وما البحران المقصودان في الآية؟
الجواب: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ يعني: يتجاوران، يتجاور البحران، هذا معنى يلتقيان.
والمراد بالبحرين: البحر العذب والبحر المالح.
وقيل: المراد بذلك بحر فارس وبحر الروم، حيث يلتقيان في المحيط.
فالبحرين إما أن المراد بهما: البحر العذب، والبحر المالح من غير
[ ١ / ١٧٨ ]