كتاب
الحديث
[ ١ / ١٩١ ]
معنى حديث
كل عمل ابن آدم له إلا الصوم
سؤال: في الحديث القدسي: قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، أرجو من فضيلتكم شرح هذا الحديث، ولماذا خص الصوم بهذا التخصيص؟ أفيدوني بارك الله فيكم.
الجواب: هذا حديث عظيم وثابت عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿، أنه قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، فهذا الحديث فيه فضيلة الصيام ومزيته من بين سائر الأعمال، وأن الله اختصه لنفسه من بين أعمال العبد، فهذا تشريف للصيام، وتفضيل له على غيره من الأعمال، وقد أجاب أهل العلم عن قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» بعدة أجوبة:
منهم من قال: إن معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به»، أن أعمال ابن آدم قد يجري فيها القصاص بينه وبين المظلومين، فالمظلومون يقتصون منه يوم القيامة بأخذ شيء من أعماله وحسناته، كما في الحديث: «بأن الرجل يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة أمثال الجبال فيأتي وقد شتم هذا وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته ولم يبق شيء يؤخذ من سيئات المظلومين وتطرح عليه، ويطرح بالنار»، إلا الصيام فإنه لا يؤخذ منه يوم القيامة، وإنما يدخره
[ ١ / ١٩٣ ]
الله ﷿ للعامل يجزيه به، ويكون هذا معنى قوله: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، أي أن أعمال بني آدم يجري فيها القصاص ويأخذها الغرماء يوم القيامة، إذا كان ظلمهم، إلا الصيام، فإن الله يحفظه ولا يتسلط عليه الغرماء، ويكون لصاحبه عند الله ﷿.
وقيل: إن معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» معناه: أن الصوم عمل باطني، لا يعلمه إلا الله ﷾، فهو نية قلبية، بخلاف سائر الأعمال، فإنها تظهر ويراها الناس، أما الصيام فإنه عمل سري بين العبد وبين ربه - ﷿ - ولهذا يقول: «الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي»، فكونه ترك طعامه وشرابه من أجل الله هذا عمل باطني ونية خفية لا يعلمها إلا الله ﷾، بخلاف الصدقة مثلًا والصلاة والحج والأعمال الظاهرة، هذه يراها الناس، أما الصيام فلا يراه أحد؛ لأنه ليس معنى الصيام ترك الطعام والشراب فقط، أو ترك المفطرات الظاهرة فقط، لكن معنى الصيام أن يكون خالصًا لله ﷿ ونية صادقة لله ﷿، هذا معنى الصيام، وهذا لا يعلمه إلا الله ﷾؛ فيكون هذا معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به»، وفسره بقوله: «إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» .
ومن العلماء من يقول: إن معنى قوله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» أن الصوم لا يدخله شرك، بخلاف سائر الأعمال، فإن المشركين كانوا
[ ١ / ١٩٤ ]
يقدمونها لمعبوداتهم، كالذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة، وكذلك الدعاء والخوف والرجاء، فإن كثيرًا من المشركين يتقربون بها إلى أصنامهم ومعبوداتهم، بخلاف الصوم، فلم يذكر أن المشركين كانوا يصومون لأوثانهم ومعبوداتهم، الصوم إنما هو خاص بالله ﷿، فهذا يكون معنى قوله: «الصوم لي وأنا أجزي به»، أي أنه لا يدخله شرك، ولم يكن المشركون يتقربون به إلى أوثانهم، وإنما يتقرب بالصوم إلى الله ﷿.
***
معنى حديث: يا معشر الشباب
سؤال: ورد عن الرسول ﷺ في معرض الحديث الذي يحث فيه الشباب على الزواج، ورد قوله: «فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، فما معنى هذا، وما هي الحكمة من ذلك؟
الجواب: قال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، معنى الحديث ظاهر، أن الشاب إذا قويت شهوته ودواعي الجماع عنده، فإن عليه أن يبادر إلى الزواج ليستغل ذلك بالطريق الحلال المشروع، ويسلم ويبتعد عما حرم الله ﷿؛ لأن الله أغنى المسلم بالحلال عن الحرام، فعليه أن يتزوج ليعف نفسه وليغض بصره عن الحرام.
فالزواج فيه حصانة للمسلم، وإذا كان لا يستطيع الزواج ماديًّا لكونه فقيرًا، ولا يستطيع القيام بكلف الزواج فإنه يعدل إلى الصوم؛ لأن الصوم
[ ١ / ١٩٥ ]