فأجاب بقوله: هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، والذين قالوا: إنه صحيح يقول: ون: إن معنى الحديث لو أدليتم بحبل لوقع على الله ﷿ لأن الله تعالى محيط بكل شيء، فكل شيء هو في قبضة الله ﷾ وكل شيء فإنه لا يغيب عن الله تعالى، حتى إن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن ﷿ كخردلة في يد أحدنا يقول: الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون دالا على أن الله ﷾ في كل مكان، أو على أن الله تعالى في أسفل الأرض السابعة فإن هذا ممتنع شرعا، وعقلا، وفطرة؛ لأن علو الله ﷾ قد دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلّى الله عليه
[ ١ / ١٤٠ ]
وسلم والإجماع، والعقل، والفطرة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ . وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والآيات في هذه كثيرة جدا في كتاب الله فكل آية تدل على صعود الشيء إلى الله، أو رفع الشيء إلى الله، أو نزول الشيء من الله فإنها تدل على علو الله ﷿.
وأما السنة: فإنها متواترة على علو الله ﷿ والسنة دلت على علو الله ﷿ من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره. قال النبي ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» . فهذا قول منه ﷺ يدل على علو الله ﷿ «وخطب النبي ﷺ في أمته يوم عرفة فقال لهم: "ألا هل بلغت"؟ قالوا: نعم. فرفع إصبعه إلى السماء يقول: "اللهم اشهد» . فهذا فعل منه ﷺ يدل على علو الله ﷿ وإقراره «حين سأل الجارية "أين الله" قالت: في السماء. قال: " أعتقها فإنها مؤمنة» . وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون لهم بإحسان من أئمة هذه الأمة وعلمائها على أن الله ﷾ فوق كل شيء، ولم ينقل عنهم حرف واحد أن الله ليس في السماء، أو أنه مختلط بالخلق أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا مباين، ولا محاذ، بل النصوص عنهم كلها متفقة على أن الله تعالى في العلو وفوق كل شيء.
[ ١ / ١٤١ ]
أما العقل: فقد دل على علو الله بأن نقول: هل العلو صفة كمال أو السفل؟ الجواب بالعلو والله ﷿ قد قال في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ فكل وصف أكمل فهو الله ﷿ وإذا كان العقل يدل على أن العلو كمال وجب أن يثبت العلو لله ﷿، وتقرير ذلك أن يقال: إن الله ﷿ إما أن يكون في الأعلى، أو في الأسفل، أو في المحاذي ففي الأسفل مستحيل لنقصه، وفي المحاذي مستحيل أيضا لنقصه، لأنه يلزم أن يكون مساويا للمخلوق، فلم يبق إلا العلو فالله عال فوق كل شيء.
أما الفطرة: فإن كل إنسان مفطور على أن الله تعالى في السماء تجد الإنسان يقول: يا الله ويتجه إلى السماء فما يجد في قلبه ضرورة إلا إلى العلو. إذن فنحن نقول: إن الله تعالى فوق كل شيء، وإذا كان فوق كل شيء فإنه لا يمكن أن يكون المراد بهذا الحديث: " «لو دليتم بحبل إلى الأرض السابعة لوقع على الله» أن الله في الأرض.
فإن قيل: هل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ يقتضي أن الله في الأرض كما هو في السماء؟
فالجواب: لا لأن الله تعالى يخبر عن الألوهية، ولا يخبر عن مكانه أنه في السماء والأرض، لكن يخبر أنه إله في السماء وإله في الأرض، كما تقول: فلان أمير في مكة وأمير في المدينة، فالمعنى أن إمارته ثابتة في مكة وفي المدينة وإن كان هو قطعا في أحد البلدين وليس فيهما جميعا. فهذه الآية
[ ١ / ١٤٢ ]
تدل على أن ألوهية الله ثابتة في الأرض وفي السماء، وإن كان هو ﷾ في السماء.