[ ١ / ١٧١ ]
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: للنسيان معنيان:
أحدهما: الذهول عن شيء معلوم مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . على أحد القولين، ومثل قوله ﷺ: «إنما أنا بشر كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» . وقوله ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» . وهذا المعنى للنسيان منتف عن الله ﷿ بالدليلين السمعي، والعقلي.
أما السمعي: فقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وقوله عن موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ . فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي مستقبلهم يدل على انتفاء الجهل عن الله تعالى، وقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي ماضيهم يدل على انتفاء النسيان عنه. والآية الثانية دلالتها على ذلك ظاهرة.
وأما العقلي: فإن النسيان نقص، والله تعالى منزه عن النقص، موصوف بالكمال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . وعلى هذا فلا يجوز وصف الله بالنسيان بهذا المعنى على كل حال.
[ ١ / ١٧٢ ]
والمعنى الثاني للنسيان: الترك عن علم وعمد، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . على أحد القولين. ومثل قوله ﷺ في أقسام أهل الخيل: «ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها فهي له كذلك ستر» . وهذا المعنى من النسيان ثابت لله تعالى ﷿ قال الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ . وقال تعالى في المنافقين: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وفي صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فذكر الحديث، وفيه: «أن الله تعالى يلقى العبد فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني» .
وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ . وقال: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ . والنصوص في ثبوت
[ ١ / ١٧٣ ]
الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة، وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه. وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة.