فأجاب فضيلته بقوله: نقول في مثل هذه الأمور: إننا قد ندرك حكمتها وقد لا ندرك، فإن كثيرا من الأشياء لا نعلم حكمتها كما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه، وجعل الخيل على هذا الوجه وجعل الحمير على هذا الوجه، وجعل الآدمي على هذا الوجه، وما أشبه ذلك. لو سألنا عن الحكمة في هذه الأمور ما علمناها، ولو سئلنا ما الحكمة في أن الله ﷿ جعل صلاة الظهر أربعا، وصلاة العصر أربعا، والمغرب ثلاثا، وصلاة العشاء أربعا وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعلم الحكمة في ذلك وبهذا علمنا أن كثيرا من الأمور الكونية، وكثيرا من الأمور الشرعية تخفى
[ ١ / ١٧٨ ]
علينا حكمتها، وإذا كان كذلك فإنا نقول: إن التماسنا للحكمة في بعض الأشياء المخلوقة أو المشروعة، إن من الله علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وخير وعلم، وإن لم نصل إليها فإن ذلك لا ينقصنا شيئا.
ثم نعود إلى جواب السؤال وهو ما الحكمة في أن الله ﷿ وكل بنا كراما كاتبين يعلمون ما نفعل؟
فالحكمة من ذلك بيان أن الله - ﷾ - نظم الأشياء وقدرها، وأحكمها إحكاما متقنا، حتى إنه ﷾ جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كراما كاتبين موكلين بهم يكتبون ما يفعلون، مع أنه ﷾ عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوه، ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله ﷿ بالإنسان، وكمال حفظه ﵎ وأن هذا الكون منظم أحسن نظام ومحكم أحسن إحكام. والله عليم حكيم.