بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ في الشهر الماضي وصل، وسؤالكم عن: حكم الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة وصورته.
فالجواب: أن الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة سنة، دل عليها ما رواه البخاري (١) من حديث عبد الله بن عباس – ﵄ – أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ قال: "وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته". ورواه الإمام أحمد (٢) وأبو داود (٣) وهذا الحديث من أحاديث العمدة، وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة – ﵁ – قال: سمعت النبي ﷺ يقول إذا قضى الصلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له". الحديث (٤)، ولا يسمع القول إلا إذا جهر به القائل.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب ١٥٥ – الذكر بعد الصلاة (٨٤١) و(٨٤٢) ن ورواه مسلم في المساجد باب ٢٣ – الذكر بعد الصلاة ١/٤١٠ ح١٢٢ (٥٨٣) .
(٢) رواه أحمد ١/٣٦٧.
(٣) رواه أبو داود في الصلاة باب التكبير بعد الصلاة ١/٦٠٩ (١٠٠٣) .
(٤) متفق عليه، فرواه البخاري في الأذان باب ١٥٥ – الذكر بعد الصلاة (٨٤٤)، ورواه مسلم في المساجد باب ٢٦ – استحباب الذكر بعد الصلاة ١/٤١٤ ح١٣٧ (٥٩٣) .
[ ١٣ / ٢٤٧ ]
وقد اختار الجهر بذلك شيخ الإسلام ابن تيميه – ﵀ – وجماعة من السلف، والخلف، لحديثي ابن عباس، والمغيرة – ﵃ – والجهر عام في كل ذكر مشروع بعد الصلاة سواء كان تهليلًا، أو تسبيحًا، أو تكبيرًا، أو تحميدًا لعموم حديث ابن عباس، ولم يرد عن النبي ﷺ التفريق بين التهليل وغيره بل جاء في حديث ابن عباس أنهم يعرفون انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير (١)، وبهذا يعرف الرد على من قال لا جهر في التسبيح والتحميد والتكبير.
وأما من قال: إن الجهر بذلك بدعة فقد أخطأ فكيف يكون الشيء المعهود في عهد النبي ﷺ بدعة؟! قال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀: (ثبت ذلك عن النبي ﷺ من فعله وتقريره، وكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد النبي ﷺ بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك فعلموه بتعليم الرسول ﷺ إياهم، وعملوا وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به ولم ينكره عليهم) .
وأما احتجاج منكر الجهر بقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) .
فنقول له: إن الذي أمر أن يذكر ربه في نفسه تضرعًا وخيفة هو الذي كان يجهر بالذكر خلف المكتوبة، فهل هذا المحتج أعلم بمراد الله من رسوله، أو يعتقد أن الرسول ﷺ يعلم المراد ولكن خالفه، ثم إن الآية في ذكر أول النهار وآخره (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في الموضع السابق ح (٨٤٢)، ومسلم في المساجد باب ٢٣ – الذكر بعد الصلاة ١/٤١٠ ح١٢٠ (٥٨٣) .
[ ١٣ / ٢٤٨ ]
وليست في الذكر المشروع خلف الصلوات، وقد حمل ابن كثير في تفسيره الجهر على الجهر البليغ.
وأما احتجاج منكر الجهر أيضًا بقوله ﷺ: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم". الحديث (١) .
فإن الذي قال: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم" هو الذي كان يجهر بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، فهذا له محل، وذاك له محل، وتمام المتابعة أن تستعمل النصوص كل منها في محله.
ثم إن السياق في قوله: "اربعوا على أنفسكم" يدل على أنهم كانوا يرفعون رفعًا بليغًا يشق عليهم ويتكلفونه، ولهذا قال: "أربعوا على أنفسكم". أي: ارفقوا بها ولا تجهدوها، وليس في الجهر بالذكر بعد الصلاة مشقة ولا إجهاد.
أما من قال: إن في ذلك تشويشًا.
فيقال له: إن أردت أنه يشوش على من لم يكن له عادة بذلك، فإن المؤمن إذا تبين له أن هذا هو السنة زال عنه التشويش، إن أردت أنه يشوش على المصلين، فإن المصلين إن لم يكن فيهم مسبوق يقضي ما فاته فلن يشوش عليهم رفع الصوت كما هو الواقع، لأنهم مشتركون فيه، وإن كان فيهم مسبوق يقضي فإن كان قريبًا منك بحيث تشوش عليه فلا تجهر الجهر الذي يشوش عليه لئلا تلبس عليه صلاته، وإن كان بعيدًا منك فلن يحصل عليه تشوش بجهرك.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري في الجهاد باب ١٣١ – ما يكره من رفع الصوت في التكبير (٢٩٩٢)، ومسلم في الذكر والدعاء باب ١٣ – استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/٢٠٧٦ ح٤٤ (٢٧٠٤) .
[ ١٣ / ٢٤٩ ]
وبما ذكرنا يتبين أن السنة رفع الصوت بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، وأنه لا معارض لذلك لا بنص صحيح ولا بنظر صريح، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح، إنه قريب مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حرر في ١٥/٦/١٤٠٩هـ.
٥٦٥
[ ١٣ / ٢٥٠ ]