بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
سؤالكم عن رفع الأيدي في الدعاء وعن الدعاء بعد الصلوات.
والجواب: وبالله التوفيق ومنه تستمد الهداية والصواب: اعلم أن دعاء الله تعالى من عبادته؛ لأن الله تعالى أمر به وجعله من عبادته في قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) .
وإذا كان الدعاء من العبادة فالعبادة تتوقف مشروعيتها على ورود الشرع بها في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
ولا ريب أن الأصل في الدعاء مشروعية رفع اليدين فيه؛ لأن النبي ﷺ جعل رفع اليدين فيه من أسباب الإجابة، حيث قال فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" (الحديث (١) وفيه): "ثم ذكر
_________________
(١) رواه مسلم في الزكاة باب ١٩ – قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ١/٧٠٣ ح٦٥ (١٠١٥) .
[ ١٣ / ٢٥٥ ]
الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".
وفي حديث سلمان الذي رواه أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال: "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرًا" (١) .
لكن ما ورد فيه عدم الرفع كان السنة فيه عدم الرفع، والرفع فيه بدعة سواء ورد عدم الرفع فيه تصريحًا، أو استلزامًا.
فمثال ما ورد فيه عدم الرفع تصريحًا: الدعاء حال خطبة الجمعة، ففي صحيح مسلم عن عمارة ابن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه السبابة (٢) .
ويستثنى من ذلك ما إذا دعا الخطيب باستسقاء فإنه يرفع يديه والمأمومون كذلك، لما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك – ﵁ – في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي ﷺ وهو
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/٤٣٨ ورواه أبو داود في الصلاة باب الدعاء (١٤٨٨)، ورواه الترمذي في الدعوات وحسنه باب ١٠٥ ح (٣٥٥٦)، ورواه ابن ماجة في الدعاء باب رفع اليدين في الدعاء (٣٨٦٥)، وصححه ابن حبان ٣/١٦٠ (٨٧٦) .
(٢) رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/٥٩٥ ح٥٣ (٨٧٤) وفيه بإصبعه المسبحة وعند أحمد ٤/١٣٥ والنسائي في الجمعة باب الإشارة في الخطبة (١٤١١) بإصبعه السبابة.
[ ١٣ / ٢٥٦ ]
يخطب يوم الجمعة أن يستسقي قال: "فرفع النبي ﷺ يديه يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون". وقد ترجم عليه البخاري: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء (١) .
وعلى هذا يحمل حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري أيضًا عنه قال: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه" (٢) فيكون المراد به دعاءه في الخطبة، ولا يرد على هذا رفع يديه في الخطبة للاستصحاء لأن القصة واحدة. وقد أيد صاحب الفتح (ابن حجر) حمل حديث أنس على أن المراد بالنفي في حديث أنس نفي الصفة لا أصل الرفع كما في ص٥١٧ ج٢ طبعة الخطيب.
وأيًا كان الأمر فإن حديث عمارة يدل على أنه لا ترفع الأيدي في خطبة الجمعة وإنما هي إشارة بالسبابة، وحديث أنس يدل على رفعها في الاستسقاء، والاستصحاء، فيؤخذ بحديث عمارة فيما عدا الاستسقاء، والاستصحاء، ليكون الخطيب عاملًا بالسنة في الرفع والإشارة بدون رفع.
ومثال ما ورد فيه عدم الرفع استلزامًا: دعاء الاستفتاح في الصلاة، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في التشهدين، فإن النبي ﷺ "كان يضع يديه على فخذيه في الجلوس، ويضع يده اليمنى على اليسرى في القيام". ولازم ذلك أن لا يكون رافعًا لهما.
_________________
(١) رواه في الاستسقاء باب ٢٠ المذكور ح (١٠٢٩) معلقًا، وفي الدعوات كذلك ح (٦٣٤١) .
(٢) رواه في الموضع السابق باب ٢١ – رفع الإمام يده في الاستسقاء ح (١٠٣١) .
[ ١٣ / ٢٥٧ ]
وأما الدعاء أدبار الصلوات ورفع اليدين فيه فإن كان على وجه جماعي، بحيث يفعله الإمام ويؤمن عليه المأمومون، فهذا بدعة بلا شك. وإن كان على وجه انفرادي فما ورد به النص فهو سنة، مثل الاستغفار ثلاثًا (١) فإن الاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء ومثل قول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٢) عند من يرى أن ذلك بعد السلام، ومثل قول: "رب أجرني من النار سبع مرات" (٣) بعد المغرب والفجر إلى غير ذلك مما وردت به السنة.
أما ما لم يرد في السنة تعيينه بعد السلام فالأفضل أن يدعو به قبل السلام لقول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود – ﵁ – حين ذكر التشهد: "ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو"، رواه البخاري (٤)، ولأنه في الصلاة يناجي ربه فينبغي أن يكون دعاؤه قبل أن ينصرف. وإن دعا بعد السلام فلا حرج، لكن لا ينبغي أن يتخذ ذلك سنة راتبة فيلحقه بالوارد لما سبق في أول الجواب من أن العبادات تتوقف على الوارد عن الشارع في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
_________________
(١) يشير إلى حديث ثوبان رواه مسلم في المساجد باب ٢٦ – استحباب الذكر بعد الصلاة ح١٣٥ (٥٩١) .
(٢) حديث معاذ رواه أبو داود في الصلاة باب في الاستغفار ٢/١٨٠ (١٥٢٢) . ورواه النسائي في السهو باب ٦٠- نوع آخر من الدعاء ٣/٦١ (١٣٠٢)، وصححه ابن حبان ٥/٣٦٤ (٢٠٢٠) .
(٣) رواه أبو داود في الأدب باب ما يقول إذا أصبح ٥/٣١٩ (٥٠٨٠) ورواه ابن حبان ٥/٣٦٦ (٢٠٢٢) .
(٤) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وانظر تخريجه في ص٢٣٤.
[ ١٣ / ٢٥٨ ]
والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اتبعه في هديه. قال ذلك كاتبه الفقير إلى ربه محمد الصالح العثيمين في ٥/٦/١٤٠٥هـ.
٥٦٨
[ ١٣ / ٢٥٩ ]