فأجاب بقوله: إذا قال القائل: "اللهم صل على محمد" فإن معناه: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، أي كرر مدحه في الملأ الأعلى، أي في الملائكة. هكذا قال أبو العالية – ﵀ – وهو القول الحق، وهو أصح من قول من قال: (إن صلاة الله على عبده هي رحمته) لأن هذا القول ضعيف لأن الله قال في كتابه: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) . فعطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتضي المغايرة؛ ولأنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لكان الإنسان يصلي على كل أحد كما يدعو لكل أحد بالرحمة، والصلاة لا تكون إلا على النبي أو على غيره معه مثل قول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد".
أما الصلاة على غير النبي فقد اختلف العلماء في جوازها. منهم من قال: إنها جائزة لقول الله ﵎: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) .
[ ١٣ / ٢٢٨ ]
وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صل على آل فلان" (١) . ومنهم من قال: تجوز إذا كان لها سبب، ولم تتخذ شعارًا لشخص معين.
ومنهم من قال: تجوز مطلقًا إذا لم تتخذ شعارًا.
وعلى كل حال فهذا يدل على أن الصلاة ليست هي الرحمة، إذ لم يختلف العلماء في جواز الدعاء بالرحمة لكل مسلم، وعلى هذا يتبين بوضوح أن صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.