فأجاب فضيلته بقوله: السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليس مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه - لأنهن "مستنطقات" (١) كما أرشد ذلك النبي ﷺ، ولأن عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيرًا من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه، أو تهليله أو تحميده، أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يمينًا وشمالًا، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحضر لقلبه غالبًا، الشيء الثالث أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيرًا من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.
وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنه يخشى منه، فهذه ثلاثة
_________________
(١) لما رواه الإمام أحمد في المسند ٦١١/٣٧٠، وأبو داود في الصلاة/ باب التسبيح بالحصى (١٥٠١)، والترمذي في الدعوات، باب فضائل التسبيح (٣٥٨٣) ونص الحديث: عن يسيرة قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: "عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات".
[ ١٣ / ٢٤٠ ]
أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله ﷾ بأنامله.
ثم أن الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ لأن النبي ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه (١) واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا كان الأيمن مفضلًا على الأيسر، ونهى النبي ﷺ أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، فقال النبي ﷺ: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك" (٢) . وقال ﵊: "لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" (٣) . فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعًا للسنة، وأخذًا باليمين فقد: "كان النبي ﵊ يعجبه التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" (٤) .
وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة
_________________
(١) رواه أبو داود في الصلاة/ باب التسبيح بالحصى (١٥٠٢) .
(٢) متفق عليه، رواه البخاري في الأطعمة باب ٢ – التسمية على الطعام والأكل باليمين (٥٣٧٦)، ورواه مسلم في الأشربة باب ١٣ – آداب الطعام والشراب ٣/١٥٩٩ ح١٠٨ (٢٠٢٢) .
(٣) رواه مسلم في الموضع السابق ح١٠٦ (٢٠٢٠) .
(٤) متفق عليه، رواه البخاري في الوضوء، باب ٣١ – التيمن في الوضوء والغسل (١٦٨)، ورواه مسلم في الطهارة باب ١٩: التيمين في الطهور وغيره ١/٢٢٦ ح٦٦ و٦٧ (٢٦٨) .
[ ١٣ / ٢٤١ ]
إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع.