سبحت مائة مرة أو ألف مرة مثلًا بخلاف الذي يعقد بالأنامل فقلبه حاضر.
وأما وسائل العبادة فهو كل ما أوصل إلى العبادة فإذا لم يكن طريقًا محرمًا لذاته ولم يكن موجبًا للإعراض عن أصول الدعوة الشرعية فلا بأس به، أما إن كان محرمًا لذاته كالكذب والمعازف فلا يصح أن يكون وسيلة للدعوة إلى الله تعالى ولا يحل فعله. وكذلك لو كان موجبًا للإعراض عن أصول الدعوة الشرعية كالأناشيد التي تلهي عن أصول الدعوة الشرعية فإنه ينهى عنها.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٠ رجب ١٤١٨هـ.
٥٦٤ وسئل فضيلة الشيخ: ما الأذكار التي يرفع الإنسان بها صوته بعد الصلاة المكتوبة؟ وما قولكم في قول بعضهم إن رفع الصوت في عهد النبي ﷺ من أجل التعليم؟ وما رأيكم في قول شيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم - رحمهما الله-: إن الدعاء يكون قبل السلام والذكر بعده؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذكار التي يرفع الإنسان بها صوته بعد المكتوبة: كل ذكر يشرع بعد الصلاة، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ، قال: وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا
[ ١٣ / ٢٤٤ ]
سمعتهم" (١)، فدل هذا على أن كل ما يشرع من ذكر في أدبار الصلاة فإنه يجهر به.
وأما من زعم من أهل العلم أنه كان يجهر به في عهد النبي ﷺ للتعليم، وأنه لا يسن الجهر به الآن فإن هذا في الحقيقة مبدأ خطير، لو كنا كلما جاءت سنة بمثل هذا الأمر قلنا إنها للتعليم، وأن الناس قد تعلموا الآن فلا تشرع هذه السنة لبطل كثير من السنن بهذه الطريقة، ثم نقول: الرسول ﵊ قد أعلمهم بما يشرع بعد الصلاة، كما في قصة الفقراء الذين جاءوا إلى النبي ﷺ [في أن الأغنياء سبقوهم فقال: "ألا أخبركم بشيء تدركون به من سبقكم" (٢)؟ ثم ذكر لهم أن يسبحوا ويكبروا ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين] . فقد علمهم بالقول ﷺ.
فالصواب في هذا أنه يشرع أدبار الصلوات المكتوبة أن يجهر الإنسان بكل ما يشرع من ذكر سواء بالتهليل، أو بالتسبيح أو الاستغفار بعد السلام ثلاثًا أو بقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وتباركت يا ذا الجلال والإكرام (٣) .
وأما ذكر السائل عن شيخ الإسلام بن تيميه، وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله – من أن الدعاء قبل السلام والذكر بعده، فهذا
_________________
(١) رواه البخاري في الأذان/ باب الذكر بعد الصلاة (٨٤١)، ومسلم في المساجد/ باب الذكر بعد الصلاة (٥٨٣) .
(٢) هذا جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب ١٥٥ – الذكر بعد الصلاة (٨٤٣)، ورواه مسلم في المساجد باب ٢٦ – استحباب الذكر بعد الصلاة ١/٤١٦ ح١٤٢ (٥٩٥) .
(٣) هذا جزء من حديث ثوبان رواه مسلم في الموضع السابق ح١٣٥ (٩٥١) .
[ ١٣ / ٢٤٥ ]
كلام جيد جدًا ويدل عليه حديث ابن مسعود ﵁ حينما ذكر أن النبي ﷺ علمهم التشهد، ثم قال بعد ذلك: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه" (١) . فأرشد النبي ﵊ المصلي أن يدعو بعد التشهد مباشرة وقبل السلام.
وأما أن الذكر بعد السلام فلقول الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُم) . وعلى هذا فيكون ما بعد السلام ذكرًا ويكون ما قبل السلام دعاءً هذا ما يقتضيه الحديث، وما يقتضيه القرآن، وكذلك المعنى يقتضيه أيضًا لأن المصلي بين يدي الله ﷿ فمادام في صلاته فإنه يناجي ربه كما أخبر بذلك النبي ﷺ (٢)، وإذا انصرف وسلم انصرف من ذلك فكيف نقول أجل الدعاء حتى تنصرف من مناجاة الله، المعقول يقتضي أن يكون الدعاء قبل أن تسلم ما دمت تناجي ربك ﵎، وعلى هذا فيكون ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وتلميذه ابن القيم، هو الصواب الذي دل عليه المنقول والمعقول، ولكن لا حرج أن الإنسان يدعو بعد الصلاة أحيانًا، أما اتخاذ ذلك سنة راتبة كما يفعله بعض الناس كلما انصرف من السنة رفع يديه يدعو فإن هذا لا أعلم فيه سنة عن النبي ﷺ.
_________________
(١) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري وتقدم تخريجه ص٢٣٤.
(٢) حديث المناجاة رواه مالك في الموطأ في الصلاة باب ٧ – العمل في القراءة ١/٨٦ (٢٢٥) وتقدم لفظه في ص١٣.
[ ١٣ / ٢٤٦ ]
رسالة