الوجه المشروع، وأنه يسن الجهر به أيضًا – أعني رفع الصوت – ولا يكون رفعًا مزعجًا فإن هذا لا ينبغي، ولهذا لما رفع الناس أصواتهم بالذكر في عهد الرسول ﵊ في قفولهم من خيبر قال: "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم" (١)، فالمقصود بالرفع، الرفع الذي لا يكون فيه مشقة وإزعاج.
٥٧٠ وسئل فضيلة الشيخ: سمعت من بعض الناس إنكار رفع اليدين في الدعاء فرجعت إلى بعض كتب السنة وشروحها وجمعت منها الكلمة المرفقة في مشروعية رفع اليدين في الدعاء مطلقًا، وأنه من آدابه ومن أسباب إجابة الدعاء، ثم سمعت أخيرًا أنه صدر منكم فتوى في عدم مشروعية ذلك أظنه قيل بعد السنة، أرجو الإفادة عن صحة ذلك؟
فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اطلعت على الورقة المطبوعة المصاحبة لكتابكم التي
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري، فرواه البخاري في مواضع منها الجهاد باب ١٣١ – ما يكره من رفع الصوت في التكبير (٢٩٩٢)، ومسلم في الذكر والدعاء باب ١٣ – استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/٢٠٧٦ ح٤٤ (٢٧٠٤) .
[ ١٣ / ٢٦٢ ]
تتضمن بيان أن رفع اليدين حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته، ولاشك أن الأمر كما ذكرتم من أن رفع الأيدي حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته للأحاديث الواردة في ذلك من قول النبي ﷺ وفعله، هذا هو الأصل.
وقد تأملت في ذلك فظهر لي أن ذلك على أربعة أقسام:
الأول: ما ثبت فيه رفع اليدين بخصوصه كرفع النبي ﷺ يديه في خطبة الجمعة حين قال: "اللهم أغثنا" (١)، وحين قال: "اللهم حوالينا ولا علينا" (٢) .
الثاني: ما ثبت فيه عدم الرفع كالدعاء حال خطبة الجمعة بغير الاستسقاء، والاستصحاء، كما دل على ذلك ما رواه مسلم ٢/٥٩٥ عن حصين بن عبد الرحمن عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة" (٣)، وفي رواية: "رأيت بشر بن مروان يوم جمعة يرفع يديه فقال عمارة" فذكر نحوه.
الثالث: ما كان ظاهر السنة فيه عدم الرفع، كالدعاء بين السجدتين، وفي آخر التشهد، فإن الظاهر فيهما عدم رفع اليدين
_________________
(١) متفق عليه من حديث أنس، فرواه البخاري في أثناء قصة في الاستسقاء باب ٦ – الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة (١٠١٤)، وكذلك مسلم في الاستسقاء باب ٢ – الدعاء في الاستسقاء ٢/٦١٢ ح٨ (٨٩٧) .
(٢) المرجع السابق.
(٣) رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/٥٩٥ ح٣٥ (٨٧٤) .
[ ١٣ / ٢٦٣ ]
وكذلك دعاء الاستفتاح كما في حديث أبي هريرة، وكذلك الاستغفار بعد السلام.
وهذه الأقسام الثلاثة حكمها ظاهر؛ لأن الأدلة فيها خاصة.
الرابع: ما سوى ذلك فالأصل فيه استحباب رفع اليدين؛ لأن رفعهما من آداب الدعاء، وأسباب أجابته لما فيه من إظهار اللجوء إلى الله ﷿ والافتقار إليه، كما يشير إليه حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيب" وفيه "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب". الحديث (١) .
وكذلك حديث سلمان المرفوع: "إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا" (٢) .
هذا ما تبين لي من السنة.
وأما ما ذكرتم من أنكم سمعتم أنه صدر مني فتوى في عدم مشروعية ذلك.
فهذا كذب علينا، إما عن سوء فهم من ناقله، أو سوء قصد منه، وما أكثر ما ينقل عن الناس من الأشياء المخالفة للواقع لهذين السببين، أو غيرهما، وكثير من الناس يصوغ السؤال للتعبير عما في نفسه، ويجيبه المسؤول بمقتضى ظاهر سؤاله المخالف لما في نفسه، فيفهم السائل الجواب عما في نفسه وينقله عن المسؤول
_________________
(١) رواه مسلم في الزكاة باب ١٩ – قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ١/٧٠٣ ح٦٥ (١٠١٥) .
(٢) تقدم تخريجه ص٢٥٦.
[ ١٣ / ٢٦٤ ]
على حسب فهمه، وكثير من الناس يجاب فيفهم الجواب خطأ وينقله كذلك.
وأما قولكم أظنه قيل بعد السنة: فهذا الذي وقع منكم موقع الظن، وصغتموه بصيغة التمريض، هو الواقع فإنه ليس من السنة أن يعتاد الرجل كلما صلى تطوعًا رفع يديه يدعو الله ﷿، حتى ليكاد يجعله من الواجب، كما يفعله كثير من العامة ويشعر في نفسه أنه في هذه الحال أقوى رجاء، وأكثر قربًا، وأشد إنابة إلى الله من دعائه في الصلاة.
بل السنة لمن أراد أن يدعو الله ﷿ من المصلين أن يكون دعاؤه قبل السلام مثل أن يجعله في السجود، لقول النبي ﷺ: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (١)، أو يجعله بعد التشهد قبل السلام لقول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود (٢) – ﵁ – حين علمه التشهد وقال: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء"، أو قال: "ما أحب".
وكما أن الدعاء قبل السلام مقتضى ما دلت عليه السنة، فهو أيضًا مقتضى النظر الصحيح، فإن دعاء المصلي ربه حين مناجاته له أولى من دعائه إذا انصرف من صلاته، وانقطعت المناجاة.
وأما قولكم: ما دام الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبة فلماذا لا ترفع الأيدي في هذه المواطن وغيرها؟
_________________
(١) رواه مسلم في الصلاة باب ٤١ – النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ١/٣٤٨ ح٢٠٧ (٤٧٩) وفي أوله زيادة عن الرؤيا الصالحة.
(٢) متفق عليه وهذا لفظ البخاري، وتقدم تخريجه في ص٢٣٤.
[ ١٣ / ٢٦٥ ]
فالدعاء بين الأذان والإقامة لا ينكر، ورفع اليدين فيه من القسم الرابع، ولكن الناس إذا صلوا النافلة بعد الأذان ثم دعوا لا يقصدون بذلك أنهم دعوا من أجل أن هذا وقت إجابة لكونه بين الأذان والإقامة، وإنما يدعون من أجل أنهم صلوا هذه النافلة ويدل على ذلك أمور:
الأول: أنهم يدعون بعد النافلة التي بعد الفريضة وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثاني: أنهم يدعون بهذا الدعاء أحيانًا وإن لم يسلموا إلا بعد الإقامة كما نشاهدهم ويشاهدهم غيرنا وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثالث: أن الكثير منهم إذا دعا بعد الأذان بما يشرع الدعاء به كالصلاة على النبي ﷺ وسؤال الوسيلة له لا تكاد تراه يرفع يديه بل ربما أنكر على من رفع يديه في هذا الدعاء مع أن هذا من القسم الرابع فالله المستعان.
فقد اتخذوا الدعاء بعد النافلة سنة راتبة ربما يحافظ عليها محافظته على الواجب، مع أن ذلك لا أصل له من السنة، فالدعاء من حيث هو دعاء من العبادة، لكن ربطه بسبب معين يحافظ عليه عنده بدون دليل يجعله من البدع، فإن العبادة لا تتحقق فيها المتابعة إلا حيث توافق الشرع في ستة أمور: سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.
وأما الدعاء أدبار الصلوات المكتوبة ففيه الاستغفار، فقد
[ ١٣ / ٢٦٦ ]
كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا (١)، والاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء لكن ظاهر السنة فيه عدم الرفع.
وفيه حديث أبي أمامه – ﵁ – سئل أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبة". أخرجه الترمذي (٢) من طريق عبد الرحيم بن سابط، لكن قال في التقريب عن عبد الرحمن هذا: إنه كثير الإرسال. وقال ابن معين: إنه لم يسمع من أبي أمامة.
وعلى تقدير ثبوته لا يتعين أن يكون المراد بدبر الصلوات ما بعدها فقد يكون المراد به آخرها فيكون مجملًا يفسر بالأحاديث الدالة على أن آخر الصلاة موضع الدعاء كما في حديث ابن مسعود – ﵁ – في التشهد (٣) .
وفي صحيح مسلم ١/٤١٢ عن عائشة – ﵂ – أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". (الحديث) (٤) . والظاهر أن ذلك في آخر صلاته؛ لأن ذلك هو الموافق لما أمر به أمته حيث قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فيتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب
_________________
(١) هذا جزء من حديث ثوبان رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص٢٥٢.
(٢) رواه في الدعوات باب ٧٩ ح (٣٤٩٩) .
(٣) تقدم تخريجه في ص٢٣٤.
(٤) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب ١٤٩ – الدعاء قبل السلام (٨٣٢)، ورواه مسلم في المساجد باب ٢٥ – ما يستعاذ منه في الصلاة ١٢٩ (٥٨٩) .
[ ١٣ / ٢٦٧ ]
القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ ١/٤١٢ (١) .
والظاهر أن المراد بدبر الصلوات المكتوبة (في حديث أبي أمامة إن صح) آخر الصلاة لأن دبر الصلاة إذا كان صالحًا لآخرها فتفسيره به أولى؛ لأن كلام الله ورسوله يفسر بعضه بعضًا.
والمتأمل في هذه المسألة يتبين له: أن ما قيد بدبر الصلاة إن كان ذكرًا فهو بعدها، وإن كان دعاء فهو في آخرها.
أما الأول: فلأن الله تعالى جعل ما بعد الصلاة محلًا للذكر فقال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُم) وجاءت السنة مبينة لما أجمل في هذه الآية من الذكر مثل قوله ﷺ: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" (الحديث) (٢) . فيحمل كل نص في الذكر مقيد بدبر الصلاة على ما بعدها ليطابق الآية الكريمة.
وأما الثاني: فلأن النبي ﷺ جعل ما بعد التشهد الأخير محلًا للدعاء كما في حديثي ابن مسعود، وأبي هريرة – ﵄ – فيحمل كل نص في الدعاء مقيد بدبر الصلاة على آخرها، ليكون الدعاء في المحل الذي أرشد النبي ﷺ فيه، إلا أن يكون حمل النص على ذلك ممتنعًا، أو بعيدًا بمقتضى السياق المعين فيحمل على ما يقتضيه السياق.
_________________
(١) رواه مسلم في الموضع السابق ح١٣٠ (٥٨٨) .
(٢) متفق عليه وهو جزء من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (٨٤٣)، ومسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة ح٤٢ (٥٩٥) .
[ ١٣ / ٢٦٨ ]