فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي للمصلي إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله ﷿، بما ورد عن النبي ﷺ، لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُم)، ومن ذلك: أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (١)، ثم يذكر الله ﷿ بما ورد عن النبي ﷺ، ثم يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويكبر ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين (٢)، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميعًا، أي إن شاء قال سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، وإن شاء قال: سبحان الله، ثلاثًا وثلاثين، ثم الحمد لله، ثلاثًا وثلاثين، ثم: الله أكبر، ثلاثًا وثلاثين، كل ذلك جائز، بل وتجوز أيضًا صفة أخرى: أن يسبح عشرًا، ويكبر عشرًا، ويحمد عشرًا. وتجوز صفة رابعة: أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسًا وعشرين مرة، فتتم مائة.
والمهم أن كل ما ورد عن النبي ﷺ من الأذكار بعد الصلاة فليقله، إما على سبيل البدل، أو على سبيل الجمع، لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلًا عن بعض، وبعض الأذكار يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالًا لأمر الله
_________________
(١) رواه مسلم في حديث ثوبان وتقدم تخريجه ص٤٤٥.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة وتقدم في ص٢٥٢.
[ ١٣ / ٢٨٢ ]
تعالى في قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ.
وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس – ﵄ – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ" (١) فيسن للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر اقتداء بالرسول ﷺ؛ لأنه كان يرفع صوته بذلك، كما قال ابن عباس: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ إلا بالتكبير" (٢) .
وقول بعض أهل العلم: إنه يسن الإسرار بهذا الذكر، وإن جهر النبي ﷺ كان للتعليم، فيه نظر، فإن الأصل فيما فعله الرسول ﵊، أن يكون مشروعًا في أصله ووصفه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه وهو رفع الصوت به مشروعًا، لكان يكفي ما علمه النبي ﷺ أمته فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله، فلا حاجة إلى أن يعلمهم برفع الصوت، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين، ولا يحافظ عليه الرسول ﷺ، كلما سلم رفع صوته بالذكر، فالحاصل أن الجهر بالذكر بعد الصلاة سنة.
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عباس وتقدم تخريجه في ص٢٤٥.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (٨٤٢)، ومسلم في المساجد باب الذكر بعد الصلاة ١/٤١٠ ح١٢٠ (٥٨٣) .
[ ١٣ / ٢٨٣ ]