فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة من الاستغفار بعد الصلاة، أن الإنسان لا يخلو من تقصير في صلاته؛ فلهذا شرع له أن يستغفر ثلاثًا ثم يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذات الجلال والإكرام (١) . ثم يأتي بالأذكار الواردة عن النبي ﵊.
٥٨٦ وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيرًا -: الأذكار بعد الصلاة هل تردد بشكل جماعي من قبل المصلين؟ وهل من السنة أن يقول الإمام وبصوت عال بعد الصلاة: جل ربنا الكريم، جل ربنا العظيم. سبحانك يا عظيم "سبحان الله": يعني قولوا: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة. ثم يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، يا ربنا دائمًا نشكرك شكرًا كثيرًا "الحمد لله" يعني قولوا: الحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة. ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله جل شأنه "الله أكبر" يعني قولوا: الله أكبر أربعًا وثلاثين مرة، ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؟
_________________
(١) هذا حديث ثوبان وتقدم في ص٢٤٥.
[ ١٣ / ٢٩٠ ]
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الصفات التي ذكرها السائل من كون الإمام يقول: سبحان الجليل العظيم وما أشبه هذه بدعة لم ترد عن النبي ﷺ، وإنما الوارد أن كل إنسان يستغفر الله ويذكر لنفسه.
لكن السنة الجهر بالذكر بعد السلام من الصلاة، فقد ثبت عن ابن عباس – ﵄ – أنه قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ". وأنه كان يعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعهم (١)، وهذا دليل على أن السنة الجهر بالذكر بعد الصلاة، خلافًا لما عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليلات دون التسبيح، والتحميد، والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلًا من السنة في التفريق بين هذا وهذا، وإنما لسنة الجهر.
وقول بعض الناس: إن الرسول ﷺ جهر بالذكر بعد الصلاة من أجل أن يعلمه الناس، هذا قول فيه نظر؛ وذلك لأن التعليم من النبي ﵊ قد حصل بالقول، كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" (٢) .
ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم. فالتعليم كما يكون في أصل الدعاء، أو في أصل الذكر يكون أيضًا بصفته، فالرسول ﷺ علم هذا الذكر أصله وصفته وهو الجهر، وكون
_________________
(١) متفق عليه وتقدم في ص٢٤٥.
(٢) جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه وتقدم في ص٢٥٢.
[ ١٣ / ٢٩١ ]