من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم () وفقه الله لكل خير آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فقد وصل إلي كتابكم الكريم وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من الإفادة أنه يوجد في بلادكم أناس متمسكون بأوراد ما أنزل الله بها من سلطان، منها ما هو بدعي، ومنها ما هو شركي، وينسبون ذلك إلى أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، ويقرءون تلك الأوراد في مجالس الذكر، أو في المساجد بعد صلاة المغرب، زاعمين أنها قربة إلى الله، كقولهم: بحق الله، رجال الله، أعينونا بعون الله، وكونوا عوننا بالله، وكقولهم: يا أقطاب، ويا أسياد، أجيبوا يا ذوي الأمداد فينا، واشفعوا لله، هذا عبدكم واقف، وعلى بابكم عاكف، ومن تقصيره خائف، أغثنا يا رسول الله وما لي غيركم أذهب، ومنكم يحصل المطلب، وأنتم أهل الله، بحمزة سيد الشهداء، ومن منكم لنا مددا، أغثنا يا رسول الله، وكقولهم: اللهم صل على من جعلته سببا لانشقاق أسرارك الجبروتية وانفلاقا لأنوارك الرحمانية، فصار نائبا عن الحضرة الربانية، وخليفة أسرارك الذاتية، ورغبتكم في بيان ما هو بدعة، وما هو شرك، وهل تصح الصلاة خلف الإمام الذي يدعوا بهذا الدعاء، كل ذلك كان معلوما؟.
والجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فاعلم وفقك الله، أن الله سبحانه إنما خلق الخلق وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام ليعبد وحده لا شريك له، دون كل ما سواه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)
_________________
(١) سورة الذاريات الآية ٥٦
[ ١ / ١٦٧ ]
والعبادة: هي طاعته سبحانه وطاعة رسوله محمد ﷺ، بفعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، عن إيمان بالله ورسوله، وإخلاص لله في العمل، مع غاية الحب لله. وكمال الذل له وحده كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) أي أمر وأوصى بأن يعبد وحده وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) أبان سبحانه بهذه الآيات أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ويستعان به وحده، وقال ﷿: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٦) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٩) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على: وجوب إفراد الله بالعبادة، ومعلوم أن الدعاء بأنواعه من العبادة، فلا يجوز لأحد من الناس أن يدعو إلا ربه، ولا يستعين ولا يستغيث إلا به، عملا بهذه الآيات الكريمة، وما جاء في معناها وهذا فيما عدا الأمور العادية، والأسباب الحسية، التي يقدر عليها المخلوق الحي الحاضر، فإن تلك ليست من العبادة، بل يجوز بالنص والإجماع أن يستعين الإنسان بالإنسان الحي القادر، في الأمور العادية التي يقدر عليها. كأن يستعين به. أو يستغيث به في دفع شر ولده أو خادمه أو كلبه وما أشبه ذلك، وكأن يستعين الإنسان بالإنسان الحي الحاضر القادر، أو الغائب بواسطة الأسباب الحسية كالمكاتبة ونحوها في بناء بيته، أو إصلاح سيارته، أو ما أشبه ذلك، ومن هذا الباب قول الله ﷿ في قصة موسى ﵊: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١٠)
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٢) سورة الفاتحة الآية ٢
(٣) سورة الفاتحة الآية ٣
(٤) سورة الفاتحة الآية ٤
(٥) سورة الفاتحة الآية ٥
(٦) سورة الزمر الآية ٢
(٧) سورة الزمر الآية ٣
(٨) سورة غافر الآية ١٤
(٩) سورة الجن الآية ١٨
(١٠) سورة القصص الآية ١٥
[ ١ / ١٦٨ ]
ومن ذلك استغاثة الإنسان بأصحابه في الجهاد والحرب، ونحو ذلك، فأما الاستغاثة بالأموات والجن والملائكة، والأشجار والأحجار فذلك من الشرك الأكبر، وهو من جنس عمل المشركين الأولين مع آلهتهم كالعزى واللات وغيرهما، وهكذا الاستغاثة والاستعانة بمن يعتقد فيهم الولاية من الأحياء، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كشفاء المرضى، وهداية القلوب، ودخول الجنة، والنجاة من النار وأشباه ذلك، والآيات السابقات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث، كلها تدل على وجوب توجيه القلوب إلى الله في جميع الأمور، وإخلاص العبادة لله وحده؛ لأن العباد خلقوا لذلك، وبه أمروا كما سبق في الآيات، وكما في قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ في حديث معاذ ﵁: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٣)» متفق على صحته، وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (٤)» رواه البخاري، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ «لما بعث معاذا إلى اليمن قال له إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله (٥)» وفي لفظ «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله (٦)» وفي رواية للبخاري: «فادعهم إلى أن يوحدوا الله (٧)» وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿ (٨)» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهذا التوحيد هو أصل دين الإسلام، وهو أساس الملة، وهو رأس الأمر، وهو أهم الفرائض وهو الحكمة في خلق الثقلين والحكمة في إرسال الرسل جميعا
_________________
(١) سورة النساء الآية ٣٦
(٢) سورة البينة الآية ٥
(٣) صحيح البخاري الجهاد والسير (٢٨٥٦)، صحيح مسلم الإيمان (٣٠)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦٤٣)، سنن ابن ماجه الزهد (٤٢٩٦)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٢٣٨) .
(٤) صحيح البخاري تفسير القرآن (٤٤٩٧)، مسند أحمد بن حنبل (١/٣٧٤) .
(٥) صحيح البخاري الزكاة (١٤٥٨)، صحيح مسلم الإيمان (١٩)، سنن الترمذي الزكاة (٦٢٥)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٣٥)، سنن أبو داود الزكاة (١٥٨٤)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٧٨٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٣٣)، سنن الدارمي الزكاة (١٦١٤) .
(٦) صحيح البخاري الزكاة (١٤٩٦)، صحيح مسلم الإيمان (١٩)، سنن الترمذي الزكاة (٦٢٥)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٣٥)، سنن أبو داود الزكاة (١٥٨٤)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٧٨٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٣٣)، سنن الدارمي الزكاة (١٦١٤) .
(٧) صحيح البخاري التوحيد (٧٣٧٢)، صحيح مسلم الإيمان (١٩)، سنن الترمذي الزكاة (٦٢٥)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٣٥)، سنن أبو داود الزكاة (١٥٨٤)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٧٨٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٣٣)، سنن الدارمي الزكاة (١٦١٤) .
(٨) صحيح مسلم الإيمان (٢٣)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٣٩٤) .
[ ١ / ١٦٩ ]
عليهم الصلاة والسلام، كما تقدمت الآيات الدالة على ذلك،
ومنها قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ومن الأدلة على ذلك أيضا قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وقوله ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) وقال ﷿ عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٤) وهذه دعوة الرسل جميعا، كما دلت على ذلك الآيتان السابقتان، وقد اعترف أعداء الرسل بأن الرسل أمروهم بإفراد الله بالعبادة، وخلع الآلهة المعبودة من دونه، كما قال ﷿ في قصة عاد، أنهم قالوا لهود ﵊: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (٥) وقال ﷾ عن قريش لما دعاهم نبينا محمد ﷺ إلى إفراد الله بالعبادة، وترك ما يعبدون من دونه من الملائكة، والأولياء والأصنام والأشجار وغير ذلك ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٦) وقال عنهم ﷾ في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٧) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٨)
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، ومما ذكرناه من الآيات والأحاديث، يتضح لك- وفقني الله وإياك للفقه في الدين، والبصيرة بحق رب العالمين- أن هذه الأدعية وأنواع الاستغاثة التي بينتها في سؤالك،
_________________
(١) سورة الذاريات الآية ٥٦
(٢) سورة النحل الآية ٣٦
(٣) سورة الأنبياء الآية ٢٥
(٤) سورة الأعراف الآية ٥٩
(٥) سورة الأعراف الآية ٧٠
(٦) سورة ص الآية ٥
(٧) سورة الصافات الآية ٣٥
(٨) سورة الصافات الآية ٣٦
[ ١ / ١٧٠ ]
كلها من أنواع الشرك الأكبر؛ لأنها عبادة لغير الله، وطلب لأمور لا يقدر عليها سواه، من الأموات والغائبين، وذلك أقبح من شرك الأولين؛ لأن الأولين إنما يشركون في حال الرخاء، وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة؛ لأنهم يعلمون أنه سبحانه هو القادر على تخليصهم من الشدة دون غيره، كما قال تعالى في كتابه المبين عن أولئك المشركين: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١) وقال ﷾ يخاطبهم في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (٢)
فإن قال قائل من هؤلاء المشركين المتأخرين: إنا لا نقصد أن أولئك يفيدون بأنفسهم، ويشفون مرضانا بأنفسهم، أو ينفعونا بأنفسهم، أو يضرونا بأنفسهم، وإنما نقصد شفاعتهم إلى الله في ذلك؟
فالجواب: أن يقال له:
إن هذا هو مقصد الكفار الأولين ومرادهم، وليس مرادهم أن آلهتهم تخلق أو ترزق، أو تنفع أو تضر بنفسها، فإن ذلك يبطله ما ذكره الله عنهم في القرآن، وأنهم أرادوا شفاعتهم وجاههم، وتقريبهم إلى الله زلفى، كما قال ﷾ في سورة يونس ﵊: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) فرد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) فأبان سبحانه أنه لا يعلم في السماوات ولا في الأرض شفيعا عنده على الوجه الذي يقصده المشركون، وما لا يعلم الله وجوده لا وجود له؛ لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء.. وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٥) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٦) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٧)
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٦٥
(٢) سورة الإسراء الآية ٦٧
(٣) سورة يونس الآية ١٨
(٤) سورة يونس الآية ١٨
(٥) سورة الزمر الآية ١
(٦) سورة الزمر الآية ٢
(٧) سورة الزمر الآية ٣
[ ١ / ١٧١ ]
فأبان سبحانه أن العبادة له وحده، وأنه يجب على العباد إخلاصها له جل وعلا؛ لأن أمره للنبي ﷺ بإخلاص العبادة له، أمر للجميع.. ومعنى الدين هنا هو العبادة، والعبادة هي طاعته وطاعة رسوله ﷺ كما سلف، ويدخل فيها الدعاء والاستغاثة، والخوف، والرجاء والذبح والنذر، كما يدخل فيها الصلاة والصوم وغير ذلك، مما أمر الله به ورسوله، ثم قال ﷿ بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) أي يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فرد الله عليهم بقوله سبحانه: إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، فأوضح سبحانه في هذه الآية الكريمة: أن الكفار ما عبدوا الأولياء من دونه إلا ليقربوهم إلى الله زلفى؛ وهذا هو مقصد الكفار قديما وحديثا، وقد أبطل الله ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٢) فأوضح سبحانه كذبهم في زعمهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى، وكفرهم بما صرفوا لها من العبادة، وبذلك يعلم كل من له أدنى تمييز أن الكفار الأولين إنما كان كفرهم باتخاذهم الأنبياء والأولياء، والأشجار والأحجار وغير ذلك من المخلوقات شفعاء بينهم وبين الله، واعتقدوا أنهم يقضون حوائجهم من دون إذنه سبحانه ولا رضاه، كما تشفع الوزراء عند الملوك، فقاسوه ﷿ على الملوك والزعماء، وقالوا: كما أنه من له حاجة إلى الملك والزعيم يتشفع إليه بخواصه ووزرائه، فهكذا نحن نتقرب إلى الله بعبادة أنبيائه وأوليائه، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه سبحانه لا شبيه له، ولا يقاس بخلقه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه في الشفاعة، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، وهو ﷾ على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وهو أرحم الراحمين، لا يخشى أحدا
_________________
(١) سورة الزمر الآية ٣
(٢) سورة الزمر الآية ٣
[ ١ / ١٧٢ ]
ولا يخافه؛ لأنه سبحانه هو القاهر فوق عباده، والمتصرف فيهم كيف يشاء، بخلاف الملوك والزعماء فإنهم ما يقدرون على شيء، فلذلك يحتاجون إلى من يعينهم على ما قد يعجزون عنه، من وزرائهم وخواصهم وجنودهم، كما يحتاجون إلى تبليغهم حاجات من لا يعلمون حاجته، فيحتاجون إلى من يستعطفهم ويسترضيهم من وزرائهم وخواصهم، أما الرب ﷿ فهو سبحانه غني عن جميع خلقه، وهو أرحم بهم من أمهاتهم، وهو الحاكم العدل، يضع الأشياء في مواضعها، على مقتضى حكمته وعلمه وقدرته، فلا يجوز أن يقاس بخلقه بوجه من الوجوه، ولهذا أوضح سبحانه في كتابه: أن المشركين قد أقروا بأنه الخالق الرازق المدبر، وأنه هو الذي يجيب المضطر، ويكشف السوء، ويحيي ويميت، إلى غير ذلك من أفعاله سبحانه، وإنما الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده، كما قال ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وسبق ذكر الآيات الدالة، على أن النزاع بين الرسل وبين الأمم، إنما هو في إخلاص العبادة لله وحده، كقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وما جاء في معناها من الآيات. وبين سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه الكريم شأن الشفاعة، فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٤) وقال في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (٥)
_________________
(١) سورة الزخرف الآية ٨٧
(٢) سورة يونس الآية ٣١
(٣) سورة النحل الآية ٣٦
(٤) سورة البقرة الآية ٢٥٥
(٥) سورة النجم الآية ٢٦
[ ١ / ١٧٣ ]
وقال في سورة الأنبياء في وصف الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (١) وأخبر ﷿ أنه لا يرضى من عباده الكفر، وإنما يرضى منهم الشكر، والشكر هو توحيده والعمل بطاعته، فقال تعالى في سورة الزمر: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٢) وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " أو قال " من نفسه (٣)» وفي الصحيح عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (٤)» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وجميع ما ذكرنا من الآيات والأحاديث كله يدل على أن العبادة حق الله وحده، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، لا للأنبياء ولا لغيرهم، وأن الشفاعة ملك لله ﷿، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (٥) الآية، ولا يستحقها أحد إلا بعد إذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع فيه، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما سبق. أما المشركون فلا حظ لهم في الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (٧) والظلم عند الإطلاق هو الشرك كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٩)
أما ما ذكرته في السؤال من قول بعض الصوفية في المساجد
_________________
(١) سورة الأنبياء الآية ٢٨
(٢) سورة الزمر الآية ٧
(٣) صحيح البخاري العلم (٩٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٧٣) .
(٤) صحيح البخاري الدعوات (٦٣٠٤)، صحيح مسلم الإيمان (١٩٩)، سنن الترمذي الدعوات (٣٦٠٢)، سنن ابن ماجه الزهد (٤٣٠٧)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٤٢٦)، موطأ مالك كتاب النداء للصلاة (٤٩٢)، سنن الدارمي الرقاق (٢٨٠٥) .
(٥) سورة الزمر الآية ٤٤
(٦) سورة المدثر الآية ٤٨
(٧) سورة غافر الآية ١٨
(٨) سورة البقرة الآية ٢٥٤
(٩) سورة لقمان الآية ١٣
[ ١ / ١٧٤ ]
وغيرها: اللهم صل على من جعلته سببا لانشقاق أسرارك الجبروتية، وانفلاقا لأنوارك الرحمانية، فصار نائبا عن الحضرة الربانية، وخليفة أسرارك الذاتية.. إلخ.
والجواب:
أن يقال: إن هذا الكلام وأشباهه من جملة التكلف والتنطع، الذي حذر منه نبينا محمد ﷺ فيما رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال رسول الله ﷺ: «هلك المتنطعون قالها ثلاثا (١)»، قال الإمام الخطابي ﵀: المتنطع: المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.
وقال أبو السعادات ابن الأثير: هم المتعمقون المغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولا وفعلا.
وبما ذكره هذان الإمامان من أئمة اللغة، يتضح لك ولكل من له أدنى بصيرة، أن هذه الكيفية في الصلاة والسلام على نبينا وسيدنا رسول الله ﷺ، من جملة التكلف والتنطع المنهي عنه، والمشروع للمسلم في هذا الباب أن يتحرى الكيفية الثابتة عن رسول الله ﷺ في صفة الصلاة والسلام عليه، وفي ذلك غنية عن غيره. ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين، واللفظ للبخاري عن كعب بن عجرة ﵁، أن الصحابة ﵃ قالوا: «يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد (٢)» وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي ﵁: أنهم قالوا: «يا رسول الله كيف نصلي عليك؟
_________________
(١) صحيح مسلم العلم (٢٦٧٠)، سنن أبو داود السنة (٤٦٠٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/٣٨٦) .
(٢) صحيح مسلم الصلاة (٤٠٥)، سنن الترمذي تفسير القرآن (٣٢٢٠)، سنن النسائي السهو (١٢٨٥)، سنن أبو داود الصلاة (٩٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٢٧٤)، موطأ مالك النداء للصلاة (٣٩٨)، سنن الدارمي الصلاة (١٣٤٣) .
[ ١ / ١٧٥ ]
قال: " قولوا اللهم صل علي محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت علي آل إبراهيم إنك حميد مجيد (١)» وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: قال بشير بن سعد: «يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت، ثم قال: " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم (٢)» .
فهذه الألفاظ وأشباهها وغيرها مما ثبت عن النبي ﷺ هي التي ينبغي للمسلم أن يستعملها في صلاته وسلامه على رسول الله ﷺ لأن الرسول ﷺ هو أعلم الناس بما يليق أن يستعمل في حقه، كما أنه أعلم الناس بما ينبغي أن يستعمل في حق ربه من الألفاظ، أما الألفاظ المتكلفة والمحدثة، والألفاظ المحتملة لمعنى غير صحيح كالألفاظ التي ذكرت في السؤال، فإنه لا ينبغي استعمالها؛ لما فيها من التكلف، ولكونها قد تفسر بمعان باطلة، مع كونها مخالفة للألفاظ التي اختارها رسول الله ﷺ وأرشد إليها أمته، وهو أعلم الخلق وأنصحهم وأبعدهم عن التكلف، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة في بيان حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك، والفرق بين ما كان عليه المشركون الأولون، والمشركون المتأخرون في هذا الباب وفي بيان كيفية الصلاة المشروعة على رسول الله علي كفاية ومقنع لطالب الحق. أما من لا رغبة له في معرفة الحق فهذا تابع لهواه، قال الله ﷿: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٣٦٩)، صحيح مسلم الصلاة (٤٠٧)، سنن النسائي السهو (١٢٩٤)، سنن أبو داود الصلاة (٩٧٩)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (٩٠٥)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٤٢٤)، موطأ مالك النداء للصلاة (٣٩٧) .
(٢) صحيح مسلم الصلاة (٤٠٥)، سنن الترمذي تفسير القرآن (٣٢٢٠)، سنن النسائي السهو (١٢٨٥)، سنن أبو داود الصلاة (٩٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٢٧٤)، موطأ مالك النداء للصلاة (٣٩٨)، سنن الدارمي الصلاة (١٣٤٣) .
(٣) سورة القصص الآية ٥٠
[ ١ / ١٧٦ ]
فبين سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الناس بالنسبة إلى ما بعث الله به نبيه محمدا ﷺ من الهدى ودين الحق قسمان: أحدهما: مستجيب لله ولرسوله، والثاني: تابع لهواه، وأخبر سبحانه أنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله.
فنسأل الله ﷿ العافية من اتباع الهوى، كما نسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من المستجيبين لله ولرسوله ﷺ، والمعظمين لشرعه، والمحذرين من كل ما يخالف شرعه من البدع والأهواء إنه جواد كريم، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١ / ١٧٧ ]