وقع في الكلام المنسوب إلى من قال بذلك ستة أمور شنيعة:
الأول: القول بتناقض القرآن، وقد مثل لذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (١) وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)
الثاني: إنكار قصة عصا موسى، وقصة أهل الكهف، والتصريح بأنها من الأساطير.
الثالث: أن الرسول محمدا ﷺ كان إنسانا بسيطا يسافر كثيرا عبر الصحراء العربية ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل الخرافات إلى القرآن، مثال ذلك عصا موسى، وقصة أهل الكهف.
الرابع: إنكار إعطاء المرأة نصف ما يعطى الذكر في الميراث، والزعم أن ذلك ليس من المنطق، وأنه نقص يجب البدار إلى إزالته؛ لأنه لا يناسب تطور المجتمع، والذكر بأنه ينبغي للحكام أن يطوروا الأحكام حسب تطور المجتمع.
الخامس: إنكار تعدد النساء وحجره ذلك على بعض الناس؛ لأنه لا يناسب تطور المجتمع.
السادس: القول بأن المسلمين وصلوا إلى تأليه الرسول محمد، فهم دائما يكررون: محمد ﷺ، الله يصلي على محمد، وهذا تأليه لمحمد. انتهى.
ونحن - إن شاء الله - نبين بطلان ما ذكر في هذه الأمور الستة، ونكشف الشبه بالأدلة القاطعة، وإن كان الأمر في ذلك واضحا، بحمد الله
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٥١
(٢) سورة الرعد الآية ١١
[ ١ / ٩٥ ]
لكل من له أدنى بصيرة، ولكن مقصودنا من ذلك إنكار هذا المنكر وإيضاح الحق لمن قد تروج عليه بعض هذه الشبه ويحار في ردها، والله المستعان. فنقول: القول بأن القرآن متناقض، فهذا من أقبح المنكرات، ومن الكفر الصريح - كما سبق بيانه - لأنه تنقص للقرآن، وسب له؛ لأن السب هو التنقص للمسبوب ووصفه بما لا يليق، وقد بينا فيما مضى بالأدلة القاطعة أن القرآن بريء من ذلك، وأنه بحمد الله في غاية الإحكام والإتقان، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (٢) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٣) وقال ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات السابقات الدالة على إحكامه وإتقانه، وأنه أحسن الحديث وأحسن القصص، وتقدم ذكر إجماع العلماء على ذلك، وعلى كفر من تنقصه أو جحد شيئا منه، أما الآيتان المذكورتان وما جاء في معناهما من الآيات الدالة على إثبات القدر، وعلى تعليق المسببات بأسبابها فليس بينها تناقض، وإنما أتى من زعم ذلك من جهة فساد فهمه، ونقص علمه، كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
وقد أجمع كل من لديه علم وإنصاف وبصيرة باللغة العربية من علماء الإسلام وخصومه، أن كتاب الله في غاية من الإحكام وإلإتقان، وأنه خير كتاب وأفضل كتاب، وأنه لم ينزل كتاب أفضل منه، لما اشتمل عليه من
_________________
(١) سورة هود الآية ١
(٢) سورة فصلت الآية ٤١
(٣) سورة فصلت الآية ٤٢
(٤) سورة النساء الآية ٨٢
[ ١ / ٩٦ ]
العلوم النافعة والأحكام العادلة، والأخبار الصادقة، والشرائع القويمة، والأسلوب البليغ المقنع، كما قال الله سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ (١) أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الشرائع والأحكام، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٢) الآية، قال العلماء: الهدى: هو ما فيه من العلوم النافعة والأخبار الصادقة، ودين الحق: هو ما فيه من الشرائع القويمة والأحكام الرشيدة.
إذا علم هذا فالجمع بين الآيتين المذكورتين وما في معناهما هو أن الله سبحانه قد قدر مقادير الخلائق، وعلم ما هم عاملون، وقدر أرزاقهم وآجالهم، وكتب ذلك كله لديه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٣) الآية، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الصحيحين عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال ﷺ: اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ النبي ﷺ قوله تعالى: (١٢)»
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ١١٥
(٢) سورة التوبة الآية ٣٣
(٣) سورة التوبة الآية ٥١
(٤) سورة الحج الآية ٧٠
(٥) سورة الحديد الآية ٢٢
(٦) صحيح البخاري تفسير القرآن (٤٩٤٩)، صحيح مسلم القدر (٢٦٤٧)، سنن الترمذي القدر (٢١٣٦)، سنن أبو داود السنة (٤٦٩٤)، سنن ابن ماجه المقدمة (٧٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/١٤٠) .
(٧) سورة الليل الآية ٥ (٦) ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
(٨) سورة الليل الآية ٦ (٧) ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾
(٩) سورة الليل الآية ٧ (٨) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
(١٠) سورة الليل الآية ٨ (٩) ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾
(١١) سورة الليل الآية ٩ (١٠) ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾
(١٢) سورة الليل الآية ١٠ (١١) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[ ١ / ٩٧ ]
وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة - ﵄ - «أن جبرائيل سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال ﷺ: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (١)» هذا لفظ عمر، ولفظ أبي هريرة: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر كله (٢)» .
وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء (٣)» وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس (٤)» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي هذه الآيات والأحاديث الدلالة على أن الله سبحانه قد قدر الأشياء وعلمها وكتبها، وأن الإيمان بذلك أصل من أصول الإيمان الستة التي يجب على كل مسلم الإيمان بها، ويدخل في ذلك أنه سبحانه، خلق الأشياء كلها، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٧) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨)
فعلمه سبحانه، محيط بكل شيء، وقدرته شاملة لكل شيء، كما قال سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٩) وهو مع ذلك سبحانه قد أعطى العباد العقول والأسماع والأبصار
_________________
(١) صحيح مسلم الإيمان (٨)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦١٠)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، سنن أبو داود السنة (٤٦٩٥)، سنن ابن ماجه المقدمة (٦٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/٥٣) .
(٢) صحيح البخاري تفسير القرآن (٤٧٧٧)، صحيح مسلم الإيمان (١٠)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٤٩٩١)، سنن ابن ماجه المقدمة (٦٤)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٤٢٦) .
(٣) صحيح مسلم القدر (٢٦٥٣)، سنن الترمذي القدر (٢١٥٦)، مسند أحمد بن حنبل (٢/١٦٩) .
(٤) صحيح مسلم القدر (٢٦٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (٢/١١٠)، موطأ مالك الجامع (١٦٦٣) .
(٥) سورة الزمر الآية ٦٢
(٦) سورة الأنعام الآية ٣٥
(٧) سورة التكوير الآية ٢٨
(٨) سورة التكوير الآية ٢٩
(٩) سورة الطلاق الآية ١٢
[ ١ / ٩٨ ]
والأدوات التي يستطيعون بها أن يفعلوا ما ينفعهم، ويتركوا ما يضرهم، وأن يعرفوا بها الضار والنافع، والخير والشر، والضلال والهدى، وغير ذلك من الأمور التي مكن الله العباد من إدراكها بعقولهم وأسماعهم وأبصارهم وسائر حواسهم، وجعل لهم سبحانه عملا واختيارا ومشيئة، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته وأمرهم بالأسباب، ووعدهم على طاعته الثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، وعلى معاصيه العذاب الأليم، فهم يعملون ويكدحون، وتنسب إليهم أعمالهم وطاعاتهم ومعاصيهم؛ لأنهم فعلوها بالمشيئة والاختيار، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٦) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٧) الآيات، وقال سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٨) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٩) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من ذلك ما لا يحصى ولكنهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئة الله بهذه الأعمال وإرادته الكونية، كما قال ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ (١٠) ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (١١) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (١٢) وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٣)
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٨
(٢) سورة الأنعام الآية ١٣٢
(٣) سورة النور الآية ٣٠
(٤) سورة المؤمنون الآية ١
(٥) سورة المؤمنون الآية ٢
(٦) سورة المؤمنون الآية ٣
(٧) سورة المؤمنون الآية ٤
(٨) سورة البقرة الآية ٢٥٤
(٩) سورة النساء الآية ١٤٢
(١٠) سورة المدثر الآية ٥٤
(١١) سورة المدثر الآية ٥٥
(١٢) سورة المدثر الآية ٥٦
(١٣) سورة التكوير الآية ٢٩
[ ١ / ٩٩ ]
وقال ﷿: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (١) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢) ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣)
وبما ذكرنا من هذه الآيات يتضح معنى قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٤) وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٥)
فالآية الأولى دلت على أن جميع ما يصيب العباد، مما يحبون ويكرهون، كله مكتوب عليهم، ودلت الثانية على أن الله سبحانه قد رتب على أعمال العباد وما يقع منهم من الأسباب، مسبباتها وموجباتها، فالمؤمن عند المصيبة، يفزع إلى القدر فيطمئن قلبه، وترتاح نفسه به، لإيمانه بأن الله سبحانه قد قدر كل شيء، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ويحارب الهموم والغموم والأوهام، ويصبر ويحتسب رجاء ما وعد الله به الصابرين بقوله سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٧) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٨) ولا يمنعه ذلك من الأخذ بالأسباب والقيام بما أوجب الله عليه، وتركه ما حرم الله عليه عملا بقول الله ﷿: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٩) الآية، وقول النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء الله فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان (١٠)» خرجه مسلم في صحيحه.
_________________
(١) سورة الإنسان الآية ٢٩
(٢) سورة الإنسان الآية ٣٠
(٣) سورة الإنسان الآية ٣١
(٤) سورة التوبة الآية ٥١
(٥) سورة الرعد الآية ١١
(٦) سورة البقرة الآية ١٥٥
(٧) سورة البقرة الآية ١٥٦
(٨) سورة البقرة الآية ١٥٧
(٩) سورة التوبة الآية ١٠٥
(١٠) صحيح مسلم القدر (٢٦٦٤)، سنن ابن ماجه المقدمة (٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٧٠) .
[ ١ / ١٠٠ ]
وبذلك يستحق المدح والثناء والثواب العاجل والآجل على أعماله الطيبة وأخذه بالأسباب النافعة، وابتعاده عن كل ما يضره، ويستحق الذم والوعيد وأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة على ما يفعله من المعاصي والمخالفات، وعلى تفريطه في الأخذ بالأسباب وعدم إعداده لعدوه ما يستطيع من القوة. وقد جرت سنة الله في عباده أنهم إذا استقاموا على دينه وتباعدوا عن غضبه وجاهدوا في سبيله أنه ينصرهم، ويجمع كلمتهم ويجعل لهم العاقبة الحميدة، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥) أما إذا ضيعوا أمره وتابعوا الأهواء واختلفوا بينهم، فإن الله سبحانه يغير ما بهم، من عز واجتماع كلمة، ويسلط عليهم الأعداء، ويصيبهم بأنواع العقوبات من القتل والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات وغير ذلك جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد، وهذا هو معنى قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٦) والمعنى: أنه سبحانه لا يغير ما بالعباد، من عز ورغد عيش واتحاد كلمة وغير ذلك من صنوف النعم، إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من طاعته والاستقامة على دينه، والأخذ بالأسباب النافعة، وإعداد المستطاع من القوة، والقيام بالجهاد، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فصاروا بعد العزة أذلة، وبعد الاجتماع والاتحاد متفرقين ومختلفين، وبعد
_________________
(١) سورة محمد الآية ٧
(٢) سورة الروم الآية ٤٧
(٣) سورة الحج الآية ٤٠
(٤) سورة الحج الآية ٤١
(٥) سورة هود الآية ٤٩
(٦) سورة الرعد الآية ١١
[ ١ / ١٠١ ]
رغد العيش وأمن السبل إلى فقر وحاجة واختلال أمن، إلى غير ذلك من أنواع العقوبات وهذا هو معنى قوله ﷿ في الآية الأخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) فإذا تابوا إلى الله سبحانه، وبادروا إلى الأعمال الصالحات والأخذ بالأسباب الشرعية والحسية، وأعدوا لعدوهم ما استطاعوا من القوة وجاهدوا في الله حق جهاده، أعطاهم الله العزة بعد الذلة، والقوة بعد الضعف، والاتحاد بعد الاختلاف، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف إلى غير ذلك من أنواع النعم، وكما أن النصوص من الكتاب والسنة، قد دلت على ما ذكرنا، فالواقع التأريخي شاهد بذلك، ومن تأمل أحوال هذه الأمة، في ماضيها وحاضرها، وما جرى عليها من أنواع التغير والاختلاف عرف ما ذكرنا واتضح له معنى الآيتين، وأوضح شاهد على ذلك ما جرى لصدر هذه الأمة من العز والتمكين والنصر على الأعداء بسبب قيامهم بأمر الله وتعاونهم على البر والتقوى، وصدقهم في الأخذ بالأسباب النافعة وجهاد الأعداء، فلما غيروا غير عليهم، وفي واقعة بدر وأحد شاهد لما ذكرنا، فإن المسلمين لما صدقوا مع نبيهم ﷺ في جهاد العدو يوم بدر، نصرهم الله مع قلتهم وكثرة عدوهم، وصارت الدائرة على الكافرين، ولما أخل الرماة يوم أحد بموقفهم، وفشلوا وتنازعوا وعصوا نبيهم ﷺ في أمره لهم بلزوم موقفهم جرى ما جرى من الهزيمة، وقتل سبعون من المسلمين، وجرح عدد كثير منهم، ولما استنكر المسلمون ذلك واستغربوه أنزل قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) فإذا كان خير الأمة وأفضلهم، وفيهم سيد الخلق نبينا
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٥٣
(٢) سورة آل عمران الآية ١٦٥
[ ١ / ١٠٢ ]
محمد ﷺ إذا غيروا غير عليهم، فكيف بغيرهم من الناس! لا شك أن غيرهم من باب أولى أن يغير عليهم إذا غيروا، وهم في ذلك كله لم يخرجوا عن قدر الله وما كتبه عليهم؛ لقوله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) وبهذا يتضح لطالب الحق معنى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٤) الآية، ويعلم أن كلا منهما حق وأنه ليس بينهما تناقض، مع العلم بأن الله ﷿ قد يبتلي عباده المؤمنين بالسراء والضراء، ليمتحن صبرهم وجهادهم، وليكونوا أسوة لغيرهم، ثم يجعل لهم العاقبة؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
_________________
(١) سورة الشورى الآية ٣٠
(٢) سورة الحديد الآية ٢٢
(٣) سورة الرعد الآية ١١
(٤) سورة التوبة الآية ٥١
(٥) سورة محمد الآية ٣١
(٦) سورة آل عمران الآية ١٤٢
[ ١ / ١٠٣ ]
وأما الثاني والثالث من الأمور المنكرة التي وقعت في الكلام المذكور، فهما: الزعم أن قصة موسى، وقصة أهل الكهف من الأساطير، ومن الخرافات التي نقلها الرسول ﷺ إلى القرآن؛ لأنه ﷺ في زعم هذا القائل - كان إنسانا بسيطا يسافر في الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، التي منها - بزعمه - القصتان المذكورتان.
[ ١ / ١٠٣ ]
ولا ريب أن هذ الكلام الشنيع مما يثقل على القلب واللسان ذكره، لما اشتمل عليه من أنواع الكفر الصريح، والردة الكبرى في الإسلام - كما تقدم بيان ذلك ونقلنا الإجماع عليه - ولكن لمسيس الحاجة إلى كشف شبهة قائله، اضطررنا إلى نقله وكتابته وشبهته فيما افتراه من هذا الزعم الباطل هي أن هاتين القصتين لا يقبلهما العقل؛ لكون العصا جمادا لا تقبل الحياة، ولأن نوم أهل الكهف طويل جدا، وهذه الشبهة باطلة من وجوه:
الوجه الأول: أن العقل لا مجال له في هذ االمقام، وإنما الواجب على جميع العقلاء التصديق بما أخبر الله به ورسوله واتباعه، وعدم التكذيب بشيء منه، وليس لأحد أن يحكم عقله في الإيمان ببعض المنزل وإنكار بعضه لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) الآية، وقوله سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)
وقد أثنى الله سبحانه على الرسول والمؤمنين بالتصديق بما أنزل إليهم من ربهم، ووصف المتقين بذلك، وأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح، فقال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿الم﴾ (٥) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٧) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٨) ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩)
_________________
(١) سورة النساء الآية ١٣٦
(٢) سورة التغابن الآية ٨
(٣) سورة الأعراف الآية ٣
(٤) سورة البقرة الآية ٢٨٥
(٥) سورة البقرة الآية ١
(٦) سورة البقرة الآية ٢
(٧) سورة البقرة الآية ٣
(٨) سورة البقرة الآية ٤
(٩) سورة البقرة الآية ٥
[ ١ / ١٠٤ ]
وحكم سبحانه على من آمن ببعض وكفر ببعض بأنه هو الكافر حقا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢)
وأنكر سبحانه على اليهود هذا التفريق وتوعدهم عليه، فقال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)
الوجه الثاني: أن الله سبحانه لا أصدق منه، وهو العالم بكل ما كان وما سيكون، وكتابه هو أحسن الحديث، وأحسن القصص، وقد ضمن حفظه وأخبر أنه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٤) كما قال ﷿: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٧) الآية، ومعنى قوله متشابها في هذه الآية: يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا - كما سبق بيان ذلك - وقال جل وعلا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (٨) الآية، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٩)
_________________
(١) سورة النساء الآية ١٥٠
(٢) سورة النساء الآية ١٥١
(٣) سورة البقرة الآية ٨٥
(٤) سورة فصلت الآية ٤٢
(٥) سورة النساء الآية ٨٧
(٦) سورة النساء الآية ١٢٢
(٧) سورة الزمر الآية ٢٣
(٨) سورة يوسف الآية ٣
(٩) سورة الحجر الآية ٩
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (١) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢) وقال سبحانه:. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤) فكيف يجوز - بعد هذا - لأحد من الناس أن يحكم عقله في التصديق ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ثم الرسول ﷺ هو أصدق الناس وأعلمهم بما أنزل عليه، وأكملهم عقلا وأزكاهم نفسا - بالنص والإجماع - وقد وصفه الله سبحانه بأزكى الصفات وأفضلها، وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى، كما قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٧) وقال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٨) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٩) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١٠) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١١) والآيات، وقد أجمع العلماء على أنه ﷺ وجميع المرسلين معصومون في كل ما يبلغونه عن الله ﷿ من الكتب والشرائع، وقد توعده الله سبحانه بالوعيد الشديد لو تقول عليه ما لم يقل، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ (١٢) ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (١٣) ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (١٤) ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١٥) وقد حماه الله من ذلك وصانه وحفظه ونصره وأيده حتى بلغ الرسالة أجمل تبليغ، وأدى الأمانة أكمل أداء، فكيف بعد هذا كله يجوز لأحد من الناس أن ينكر شيئا مما جاء به ﷺ من كتاب الله العظيم وشرعه الحكيم، ويزعم أن الرسول ﷺ أدخل في كتاب الله
_________________
(١) سورة فصلت الآية ٤١
(٢) سورة فصلت الآية ٤٢
(٣) سورة الأنفال الآية ٧٥
(٤) سورة الطلاق الآية ١٢
(٥) سورة الأحزاب الآية ٤٥
(٦) سورة الأحزاب الآية ٤٦
(٧) سورة القلم الآية ٤
(٨) سورة النجم الآية ١
(٩) سورة النجم الآية ٢
(١٠) سورة النجم الآية ٣
(١١) سورة النجم الآية ٤
(١٢) سورة الحاقة الآية ٤٤
(١٣) سورة الحاقة الآية ٤٥
(١٤) سورة الحاقة الآية ٤٦
(١٥) سورة الحاقة الآية ٤٧
[ ١ / ١٠٦ ]
ما ليس منه!، سبحانك هذا بهتان عظيم، وكفر صريح عامل الله قائله بما يستحق. الوجه الثالث: أن وظيفة العقول هي التدبر للمنزل، والتعقل لما دل عليه من المعنى بقصد الاستفادة والعمل والاتباع. كما قال الله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢) أما تحكيمها في الإيمان ببعض المنزل ورد بعضه فهو خروج بها عن وظيفتها، وتجاوز لحدودها، وعدوان من فاعل ذلك كما سبق بيانه.
الوجه الرابع: أن العقول الصحيحة الصريحة لا تخالف المنقول الصحيح ولا تضاده لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم لا يأتون بما تحيله العقول الصحيحة، ولكن قد يأتون بما تحار فيه العقول لقصورها وضعف إدراكها، فيجب عليها أن تسلم للصادق الحكيم العليم بكل شيء، خبره وحكمه، وأن تخضع لذلك وتؤمن به. وقصة عصا موسى، وقصة أهل الكهف ليستا مما تحيله العقول؛ لأن قدرة الله سبحانه، عظيمة وشاملة، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (٤) ولما سبق من الآيات الكثيرات، في هذا المعنى وقد جعل الله هذه العصا معجزة باهرة لرسوله وكليمه موسى ﷺ، وأيده بها على عدوه فرعون ليقيم الحجة عليه وعلى قومه، فكانت من الآيات العظيمة التي خرق الله بها العادة من أجل تأييد الحق، وإبطال ما جاء به السحرة من السحر العظيم، الذي سحروا به أعين الناس واسترهبوهم، فلقفت هذه العصا في
_________________
(١) سورة ص الآية ٢٩
(٢) سورة محمد الآية ٢٤
(٣) سورة يس الآية ٨٢
(٤) سورة الكهف الآية ٤٥
[ ١ / ١٠٧ ]
صورة ثعبان عظيم جميع حبالهم وعصيهم، وعرف السحرة أن هذا شيء من عند الله، لا طاقة لمخلوق به، فآمنوا برب موسى وهارون وخروا لله سجدا، كما قال ﷾ في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (١) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (٣) ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (٤) ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٦) وقد ثبت بالنقل المعصوم والمشاهد المعلوم، ما هو من جنس قصة عصا موسى أو أعجب منها، فأما النقل المعصوم فهو ما ذكره الله سبحانه في قصة آدم والجان، وأن الله ﷿ خلق آدم من الطين، من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ثم نفخ في آدم من روحه، والطين جماد كالعصا، ولما نفخ الله فيه الروح صار إنسانا عاقلا، سميعا بصيرا، وهكذا النار جماد محرق، وقد خلق الله منها الجان، وجعله حيا سميعا بصيرا، فالذي قدر على ذلك هو الذي جعل في عصا موسى الحياة، حتى صارت بذلك حية تسعى، ولقفت ما ألقاه السحرة من العصي والحبال، وربك على كل شيء قدير، أما الشاهد المعلوم فجميع بني آدم كلهم مخلوقون من ماء مهين، كما قال الله ﷿ في سورة السجدة ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٧) ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٨) ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (٩) وهذا الماء هو النطفة المكنونة من ماء الرجل وماء المرأة، ثم تكون بعد ذلك علقة، ثم مضغة وهي في أطوارها الثلاثة جماد، ثم ينفخ الله فيها الروح فتكون بعد ذلك خلقا آخر حيا ذا سمع وبصر وعقل، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١٠) ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ (١١) ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١٢) ففي خلق آدم وذريته آيات بينات على قدرة
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١١٧
(٢) سورة الأعراف الآية ١١٨
(٣) سورة الأعراف الآية ١١٩
(٤) سورة الأعراف الآية ١٢٠
(٥) سورة الأعراف الآية ١٢١
(٦) سورة الأعراف الآية ١٢٢
(٧) سورة السجدة الآية ٦
(٨) سورة السجدة الآية ٧
(٩) سورة السجدة الآية ٨
(١٠) سورة المؤمنون الآية ١٢
(١١) سورة المؤمنون الآية ١٣
(١٢) سورة المؤمنون الآية ١٤
[ ١ / ١٠٨ ]
الخالق سبحانه، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء، ومن المشاهد المعلوم - أيضا - البيضة، فإنها مخلوق جماد، ثم يجعل الله في ذلك الجماد الذي في داخلها - بالأسباب التي قدرها وعلمها عباده - طائر حيا سميعا بصيرا، والشواهد من مخلوقاته ﷿ على قدرته العظيمة وحكمته وعلمه الشامل كثيرة لا تحصى، وبما ذكرنا يتضح - لطالب الحق - بطلان هذه الشبهة التي شبه بها القائل في الكلام المنسوب إليه، ويعلم ذلك أنها من أبطل الباطل نقلا وعقلا، ومن الدلائل القطعية على بطلانها أن الله سبحانه قد خلق السماوات والأرض، وخلق جميع المخلوقات الجامدة والمتحركة بقدرته العظيمة وذلك أعظم وأكبر من جعل عصا موسى حية تسعى، كما قال الله سبحانه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (١) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٤) ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٥) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٦) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٧) ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٩) ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٠)
وأما قصة أهل الكهف فليس فيها بحمد الله ما تحيله العقول، بل أمرها أسهل وأيسر من قصة العصا، والله سبحانه قد أرانا شاهدا لها في أنفسنا، وذلك بما من به على العباد من النوم الذي قدره عليهم، وجعله رحمة لهم، لما يترتب عليه من إجمامهم من التعب، واستعادة قواهم بعد الكلال والمشقة وضعف القوى
_________________
(١) سورة الذاريات الآية ٢٠
(٢) سورة الذاريات الآية ٢١
(٣) سورة غافر الآية ٥٧
(٤) سورة يس الآية ٧٧
(٥) سورة يس الآية ٧٨
(٦) سورة يس الآية ٧٩
(٧) سورة يس الآية ٨٠
(٨) سورة يس الآية ٨١
(٩) سورة يس الآية ٨٢
(١٠) سورة يس الآية ٨٣
[ ١ / ١٠٩ ]
وجعل ذلك من آياته الدالة على قدرته العظيمة، وكمال إحسانه ولطفه بعباده، وجعله دليلا على الحياة بعد الموت، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد أوضح فيها سبحانه أن النوم وفاة ونعمة ورحمة، وآية باهرة على قدرته العظيمة، فالذي قدر على ذلك وجعل ذلك نعمة عامة، ورحمة لجميع عباده، في ليلهم ونهارهم، عند الحاجة اليه، وجعله دليلا على البعث والنشور والحياة بعد الموت، هو الذي قدر على أهل الكهف النومة الطويلة، لحكم كثيرة، وأسرار عظيمة، وقد بين بعضها في كتابه العزيز حيث قال سبحانه في سورة الكهف: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (٥) ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (٦) ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (٧) إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ (٨) فذكر سبحانه في هذه الآية أن من الحكمة في إيوائهم إلى الكهف أن ينشر لهم
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ٦٠
(٢) سورة الروم الآية ٢٣
(٣) سورة الزمر الآية ٤٢
(٤) سورة القصص الآية ٧٣
(٥) سورة الكهف الآية ٩
(٦) سورة الكهف الآية ١٠
(٧) سورة الكهف الآية ١١
(٨) سورة الكهف الآية ١٦
[ ١ / ١١٠ ]
من رحمته ويهيئ لهم من أمرهم مرفقا، لما اعتزلوا قومهم وهجروهم لله، بسبب شركهم وكفرهم، ثم قال ﷿ بعد آيات: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (١) الآية، فأبان سبحانه في هذه الآية أن في قصة أهل الكهف وإعثار الناس عليهم، إقامة الحجة على صدق وعد الله بالبعث والنشور وقيام الساعة. وأن الذي يحيي النائم بعد نومه الطويل ووفاته بالنوم هو الذي يحيي العباد بعد موتهم وتفرق أوصالهم، ومعلوم أن البعث والنشور قد أخبر به جميع الأنبياء ودل عليه كتاب الله في مواضع كثيرة، وأجمع عليه المسلمون وغيرهم، ممن آمن بالرسل الماضين، فالذي يقدر على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم هو القادر سبحانه، على إنامة الأحياء ثم بعثهم من باب أولى، فكل واحدة من الوفاتين - وفاة النوم، ووفاة الموت - دليل على الأخرى، وقد بين الله سبحانه في سورة البقرة إحياء الموتى، في الدنيا قبل الآخرة في خمسة مواضع ليقيم الحجة على المنكرين للبعث والنشور، ويوضح لهم سبحانه أنه القادر على إحياء الموتى في الدنيا والآخرة.
الموضع الأول: قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣)
الموضع الثاني: قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٤) ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥) والمعنى: أن الله سبحانه أمرهم بضرب القتيل الذي اختلفوا في قاتله، ببعض البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها،
_________________
(١) سورة الكهف الآية ٢١
(٢) سورة البقرة الآية ٥٥
(٣) سورة البقرة الآية ٥٦
(٤) سورة البقرة الآية ٧٢
(٥) سورة البقرة الآية ٧٣
[ ١ / ١١١ ]
فضربوه بجزء منها، فرد الله عليه روحه فتكلم وأخبرهم بقاتله، وبين سبحانه أن في هذه القصة دليلا على إحيائه الموتى لذوي العقول.
الموضع الثالث: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (١)
الموضع الرابع: قوله سبحانه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (٢)
الموضع الخامس: قوله ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)
ففي هذه المواضع الخمسة من كتاب الله، بيانه سبحانه لعباده إحياءه الموتى قبل يوم القيامة، فالذي قدر على ذلك هو القادر على إطالة مدة النائم ما شاء سبحانه من الوقت، ثم بعثه متى شاء من باب أولى وأحرى؛ لأن إطالة النوم ثم بعث النائم من نومه أسهل بكثير من إحياء الموتى بعد انقطاع مادة الحياة منهم، ومصيرهم جمادا لا إحساس فيه، كما أن ذلك أسهل وأيسر - أيضا - من إحياء الموتى يوم القيامة بعد تفرق أوصالهم، ومصيرهم رفاتا وترابا، وقد دلت الدلائل القطعية، والكتب السماوية، والعقول الصحيحة على البعث والنشور، كما جاءت به الرسل ونطق به أفضل الكتب وأفضل الرسل، وأجمع عليه المسلمون، فكيف يبقى - بعد ذلك - شبهة لمن لديه أدنى عقل في قصة أهل الكهف، وقدرة الله سبحانه على ما أخبر به عنهم، فنسأل الله العافية من زيغ القلوب، والضلال بعد الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٤٣
(٢) سورة البقرة الآية ٢٥٩
(٣) سورة البقرة الآية ٢٦٠
[ ١ / ١١٢ ]
وأما الرابع والخامس من المنكرات الواقعة في ذلك الكلام حسب ما ذكرته صحيفة (الصباح) في عددها الصادر في ٢٠ \ ٣ \ ١٩٧٤ م - فهما: الاعتراض على إعطاء الأنثى في الميراث نصف ما للذكر، والاعتراض على تعدد النساء، والزعم أن إعطاء المرأة - في الميراث - مثل نصف الذكر نقص يجب تداركه، وأن الواجب - في هذا العصر - مساواة المرأة للذكر في الميراث كما ساوته في المدرسة والمعمل والفلاحة والشرطة، أنه ليس من المنطق في هذا العصر أن يفضل الذكر على الأنثى، والزعم بأن هذا المبدأ يجد ما يبرره عندما يكون الرجل قواما على المرأة، حين كانت المرأة في مستوى اجتماعي لا يسمح لها بمساواة الذكر، حين كانت تدفن حية تحتقر، أما اليوم فقد اقتحمت ميدان العمل، وشاركت الرجال في ذلك، وجاء فيه: أن علينا أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة، وأن نبادر بتطوير الأحكام التشريعية، بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع، وقد سبق في بعض الجهات أن حجر تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة، وذكر أن من حق الحكام - بوصفهم أمراء المؤمنين - أن يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب وتطور مفهوم العدل ونمط الحياة وانتهى المقصود من هذا الكلام الذي نشرته صحيفة (الصباح) ولم تشر إليه صحيفة (الشهاب) فيما نقلته من الكلام المذكور. وفي هذ التصريح الخطير أنواع من الكفر والضلال، منها اتهام الله سبحانه في حكمه، والدعوة الصريحة للحكام إلى أن يتلاعبوا بأحكام الشريعة، حسب عقولهم، واجتهادهم، وتطور الشعوب، وأساليب الحياة في نظرهم، ولا شك أن هذا من أبطل الباطل، وفيه تشبه باليهود والنصارى في تلاعبهم بشرائع أنبيائهم، وافترائهم على الله سبحانه ما لم يشرعه، ونسبتهم إلى أحكامه - سبحانه - ما ليس منها، ومقتضى ما ذكره هذا الرجل أن الله سبحانه لم يعلم ما تنتهي إليه الشعوب في آخر الزمان، وما ستصل إليه مجتمعاتهم
[ ١ / ١١٣ ]
من التطور، فلهذا دعا الحكام إلى أن يبادروا لتطوير الأحكام، ومن المعلوم - بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة - أن الله سبحانه يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم أحوال عباده في ماضيهم وفي حاضرهم وقت التنزيل، وفيما سيصلون إليه في المستقبل، كما قال ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) كما أن من المعلوم - أيضا - بالنص والإجماع أن الله سبحانه حكيم عليم، وأنه الرحمن الرحيم لا يظلم ولا يجور، بل هو الحكيم العليم بأحوال عباده واللطيف بهم، وقد شرع لهم من الأحكام ما فيه صلاحهم ورحمتهم وإقامة العدل بينهم، في المواريث وغيرها، فهو سبحانه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وهو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم في آخر الزمان، كما أنه العالم سبحانه بما يصلحهم في وقت التشريع، ومن زعم خلاف ذلك فقد اتهم الله في حكمته وعلمه، ولو أراد سبحانه أن يقوم الحكام أو العلماء بتطوير الأحكام في وقت من الأوقات، لبين ذلك لعباده في كتابه أو على لسان رسوله ﵊. فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن ما شرعه من الأحكام يجب الأخذ به والسير عليه، والحكم به في وقت التشريع وفيما يأتي من الزمان إلى قيام الساعة، كيف وقد بين الله في كتابه أن الواجب اتباع ما أنزل، والاستمساك به، والحكم بين الناس بذلك، والحذر من الخروج عنه، فقال
_________________
(١) سورة الطلاق الآية ١٢
(٢) سورة الحشر الآية ٢٢
[ ١ / ١١٤ ]
تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وقال تعالى يخاطب نبيه ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥) ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٦) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٧) أوجب سبحانه في هذه الآيات الكريمات الحكم بما أنزل، والحذر من مخالفته، كما حذر سبحانه من متابعة أهواء الناس في خلاف الحق، وأخبر أن حكمه هو أحسن الأحكام، وأنه لا حكم أحسن منه، وبين أن ما خالف حكمه فهو من حكم الجاهلية، وبين في آية أخرى أن ما خالف حكمه فهو من حكم الطاغوت، كما في قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٨) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٩)
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ٣
(٢) سورة الزخرف الآية ٤٣
(٣) سورة الجاثية الآية ١٨
(٤) سورة الجاثية الآية ١٩
(٥) سورة المائدة الآية ٤٨
(٦) سورة المائدة الآية ٤٩
(٧) سورة المائدة الآية ٥٠
(٨) سورة النساء الآية ٦٠
(٩) سورة النساء الآية ٦١
[ ١ / ١١٥ ]
ففي هذا أعظم بيان لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن كل ما خالف ما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ من الأحكام فهو من حكم الطاغوت، ومن عمل المنافقين، وأنه في غاية البعد عن الهدى، وحكم سبحانه في آيات على أن من لم يحكم بما أنزل على نبيه ﷺ فهو كافر ظالم فاسق، وأخبر تعالى - في موضع آخر من كتابه - أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، فقال ﷿ في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١) فهل يجوز - بعد هذا البيان العظيم والتحذير الشديد - لحاكم أو عالم أو غيرهما أن يخالف ما أنزل الله وحكم به في المواريث أو غيرها، وهل يجوز له أن يدعو الحكام إلى تطوير الأحكام باجتهادهم وآرائهم، كلما تطورت الشعوب والمجتمعات، وهل هذا إلا الكفر والضلال والاعتراض على الله سبحانه واتهامه في حكمه، والخروج عن شريعته والتلاعب بدينه. ما أشنع هذا القول، وما أشد بعده عن الحق، وما أعظم كفر من استجازه أو استحسنه، أو دعا اليه، ثم يقال - أيضا - لهذا الرجل وأمثاله: قد أجمع علماء المسلمين - من عهد الصحابة - ﵃ إلى يومنا هذا - على أن الاجتهاد محله المسائل الفرعية التي لا نص فيها، أما العقيدة والأحكام التي فيها نص صريح من الكتاب، أو السنة الصحيحة، فليست محلا للاجتهاد، بل الواجب على الجميع الأخذ بالنص، وترك ما خالفه، وقد نص العلماء على ذلك في كل مذهب من المذاهب
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٣٦
[ ١ / ١١٦ ]
المتبعة، ثم الاجتهاد - حيث جاز - إنما يكون من أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الذين لهم قدم راسخ في معرفة أصول الأدلة الشرعية وأصول الفقه، والحديث، ولهم باع واسع في معرفة اللغة العربية، وليس ذلك لغيرهم من الحكام؛ لأنه ليس كل حاكم يكون عالما يصح منه الاجتهاد، كما أنه ليس كل حاكم - سواء كان ملكا أو رئيس جمهورية - يسمى أمير المؤمنين، وإنما أمير المؤمنين من يحكم بينهم بشرع الله ويلزمهم به، ويمنعهم من مخالفته، هذا هو المعلوم بين علماء الإسلام والمعروف بينهم، فليعلم من يقول بمثل هذا القول هذا الأمر على حقيقته، وليبادر بالتوبة إلى الله مما نسب إليه، وليرجع إلى طريق الهدى، فالرجوع إلى الحق شرف وفضيلة، بل واجب وفريضة، أما التمادي في الباطل فهو ذل وهوان واستكبار عن الحق وسير في ركاب الشيطان، والله سبحانه يتوب على التائبين، ويغفر زلات المذنبين إذا صدقوا في التوبة إليه، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) الآية، وقال في حق النصارى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ فيما صح عنه: «الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها (٣)» والله المستعان، وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٣٨
(٢) سورة المائدة الآية ٧٤
(٣) صحيح مسلم الإيمان (١٢١) .
[ ١ / ١١٧ ]