الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد اطلعت على نشرة بعنوان: عقوبة تارك الصلاة جاء فيها ما نصه: (روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة»، ثم عددها، وجاء في آخرها: (كل من يتفضل بقراءة هذه النسخة الرجاء نسخها وتوزيعها على المسلمين جميعا، ثم قال: (الفاتحة لفاعل الخير)، كما اطلعت على نشرة أخرى صدرت بثلاث آيات من القرآن الكريم التي أولها قوله سبحانه: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) ثم ذكر بعدها: أنها تجلب
_________________
(١) تم إبلاغ الصحف المحلية لنشر هذا التنبيه برقم ٢٣٧٢ \ ١ في ٧ \ ٩ \ ١٤٠١ هـ الصادر من مكتب سماحته.
(٢) سورة الزمر الآية ٦٦
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
الخير بعد أربعة أيام، وطلب إرسال خمس وعشرين نسخة منها إلى من هو في حاجة، وأتبع ذلك بذكر عقوبات يزعم وقوعها بمن أهملها.
وحيث إن هاتين النشرتين من الباطل والمنكرات رأيت التنبيه على ذلك؛ حتى لا يغتر بهما من تخفى عليهم أحكام الشرع المطهر، فأقول وبالله التوفيق:
لا شك أن هذه الطريقة من الأمور المبتدعة في الدين، ومن القول على الله بلا علم، وقد بين الله ﷾ في كتابه العزيز: أن ذلك من أعظم الذنوب فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)
فليتق الله عبد يسلك هذه الطريقة المنكرة، وينسب إلى الله وإلى رسوله ﷺ ما لم يصدر عنهما، فإن تحديد العقوبات وتعيين الجزاءات على الأعمال إنما هو من علم الغيب، ولا علم لأحد به إلا من طريق الوحي عن رسول الله ﷺ، ولم يرد في الكتاب والسنة شيء من ذلك البتة.
أما الحديث الذي نسبه صاحب النشرة إلى رسول الله ﷺ في عقوبة تارك الصلاة، وأنه يعاقب بخمس عشرة عقوبة. الخ، فإنه من الأحاديث الباطلة المكذوبة على النبي ﷺ، كما بين ذلك الحفاظ من العلماء ﵏؛ كالحافظ الذهبي في (الميزان) ﵀، والحافظ ابن حجر ﵀ وغيرهما.
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ٣٣
[ ١٠ / ٢٨٠ ]
قال الحافظ ابن حجر في كتابه (لسان الميزان) في ترجمة محمد بن علي بن العباس البغدادي العطار: أنه ركب على أبي بكر بن زياد النيسابوري حديثا باطلا في تارك الصلاة.
روى عنه محمد بن علي الموازيني شيخ لأبي النرسي، زعم المذكور: أن ابن زياد أخذه عن الربيع، عن الشافعي، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ ورفعه: «من تهاون بصلاته عاقبه الله بخمس عشرة خصلة» .) الحديث، وهو ظاهر البطلان من أحاديث الطرقية. اهـ.
وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى ببطلان ذلك الحديث بتاريخ ٦ \ ١٠ \ ١٤٠١هـ، فكيف يرضى عاقل لنفسه بترويج حديث موضوع؟!، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (١)» وإن فيما جاء عن الله وعن رسوله في شأن الصلاة وعقوبة تاركها ما يكفي ويشفي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) وقال تعالى عن أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٣) ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٤) الآيات. فذكر من صفاتهم: ترك الصلاة، وقال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٥) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٧) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٨) وقال ﷺ: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء
_________________
(١) سنن الترمذي العلم (٢٦٦٢)، سنن ابن ماجه المقدمة (٤٠)، مسند أحمد بن حنبل (١/١١٣) .
(٢) سورة النساء الآية ١٠٣
(٣) سورة المدثر الآية ٤٢
(٤) سورة المدثر الآية ٤٣
(٥) سورة الماعون الآية ٤
(٦) سورة الماعون الآية ٥
(٧) سورة الماعون الآية ٦
(٨) سورة الماعون الآية ٧
[ ١٠ / ٢٨١ ]
الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (١)» وقال ﷺ:
«العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢)» والآيات والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة معلومة.
وأما النشرة الثانية التي صدرت بالآيات التي أولها قوله سبحانه: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) وذكر كاتبها: أن من وزعها يحصل له كذا من الخير، ومن أهملها يعاقب بكذا من العقاب فإنها من أبطل الباطل، وأعظم الكذب، وإنها من أعمال الجهلة والمبتدعة الذين يريدون إشغال العامة بالحكايات والخرافات والأقاويل الباطلة، ويصرفونهم عن الحق الواضح البين الذي جاء في كتاب الله وسنة رسوله، وأن ما يحدث للناس من خير أو شر هو من الله سبحانه، وهو العالم به وحده، قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) ولم يرد عن رسول الله ﷺ أن من كتب ثلاث آيات، أو أكثر منها يكون له كذا، ومن تركها يصيبه كذا، وادعاء هذا كذب وبهتان. إذا علم هذا، فإنه لا يجوز كتابة النشرتين، ولا توزيعهما، ولا المشاركة في ترويجهما بأي وجه من الوجوه، وعلى من سبق له شيء من ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه، ويندم على ما حصل منه، ويعزم على عدم العودة إلى ذلك مطلقا.
_________________
(١) صحيح البخاري الإيمان (٨)، صحيح مسلم الإيمان (١٦)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦٠٩)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٥٠٠١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٦) .
(٢) سنن الترمذي الإيمان (٢٦٢١)، سنن النسائي الصلاة (٤٦٣)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٣٤٦) .
(٣) سورة الزمر الآية ٦٦
(٤) سورة النمل الآية ٦٥
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
والله المسئول سبحانه أن يرينا جميعا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١٠ / ٢٨٣ ]