س: سمعت في برنامج نور على الدرب: أن تارك الصلاة تهاونا كافر كفرا مخرجا من الملة، ولكن الشافعية يقولون في كتاب (النفحات الصمدية): إنه يستتاب ويقتل إن لم يتب، ويصلى عليه ويغسل ويدفن في قبور المسلمين، فما رأيكم؟
ج: قد دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن ترك الصلاة تهاونا من أكبر الكبائر، ومن أعظم الجرائم؛ لأن الصلاة عمود الإسلام وركنه الأعظم بعد الشهادتين؛ فلهذا صار تركها من أقبح القبائح وأكبر الكبائر.
واختلف العلماء في حكم تاركها هل يكون كافرا كفرا أكبر إذا لم يجحد وجوبها، أو يكون حكمه حكم أهل الكبائر؟ على قولين لأهل العلم: فمنهم من قال: يكون كافرا كفرا أصغر، كما ذكره السائل عن الشافعية، وهكذا عن المالكية، والحنفية، وبعض الحنابلة، وقالوا:
[ ١٠ / ٢٩٢ ]
إن ما ورد في تكفيره يحمل على أنه كفر دون كفر، وتعلقوا بالأحاديث الدالة على أن من مات على التوحيد وترك الشرك فله الجنة. أما من جحد وجوبها، فقد أجمع العلماء على كفره كفرا أكبر، بخلاف إذا تركها تهاونا فقط وهو يؤمن بوجوبها. وقال بعض أهل العلم: يكون تاركها كافرا كفرا أكبر، وإن لم يجحد وجوبها، وهذا منقول عن صحابة رسول الله ﷺ، فقد ثبت عن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل أنه قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئا تركه كفر غير الصلاة. ومعلوم أن الطعن في الأنساب والنياحة على الميت نوع من الكفر، لكنه كفر أصغر. فعلم أن مراده بذلك: أن ترك الصلاة عندهم كفر أكبر، وهذا هو الصواب؛ لأدلة كثيرة، منها: ما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (١)» ومنها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن بريدة بن الحصيب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢)» ومنها: «قوله ﷺ لما سئل عن الأئمة الذين يتركون بعض ما أوجب الله عليهم ويتعاطون بعض ما حرم الله عليهم أفلا نقاتلهم؟ قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة (٣)» وفي لفظ آخر «إلا أن تروا كفرا بواحا (٤)» فدل على أن ترك الصلاة كفر بواح.
_________________
(١) صحيح مسلم الإيمان (٨٢)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦٢٠)، سنن أبو داود السنة (٤٦٧٨)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٧٨)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٣٧٠)، سنن الدارمي الصلاة (١٢٣٣) .
(٢) سنن الترمذي الإيمان (٢٦٢١)، سنن النسائي الصلاة (٤٦٣)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٧٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٣٤٦) .
(٣) صحيح مسلم الإمارة (١٨٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٢٤)، سنن الدارمي الرقاق (٢٧٩٧) .
(٤) صحيح البخاري الفتن (٧٠٥٦)، سنن ابن ماجه الجهاد (٢٨٦٦)، موطأ مالك الجهاد (٩٧٧) .
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
وهذا هو القول الصواب كما تقدم، وإن كان القائلون به أقل من القائلين بأنه كفر أصغر، لكن العبرة بالأدلة لا بكثرة الناس، يقول ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) ويقول ﷿ ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) فالأدلة الشرعية قائمة على أن تركها كفر أكبر، وإن لم يجحد التارك وجوبها. وبذلك يعلم أن من مات على ترك الصلاة لا يعتبر من أهل التوحيد؛ لأن تركه للصلاة أبطل توحيده، كما أن من سب الله سبحانه، أو سب رسوله ﵊، أو استهزأ بالدين، أو استحل ما حرم الله كالزنا أو الخمر، أو جحد ما أوجب الله عليه كالصلاة والزكاة حتى مات على ذلك - يعتبر كافرا قد بطل توحيده بما أتى به من نواقض الإسلام.
_________________
(١) سورة النساء الآية ٥٩
(٢) سورة الشورى الآية ١٠
[ ١٠ / ٢٩٤ ]