الرد على ما أثير حول الفوائد المصرفية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيلهم، واتبع هداهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد اطلعت على ما نشرته (مجلة منار الإسلام) في عددها الثالث الصادر في ربيع الأول من عام ١٤٠٤ هـ السنة التاسعة من إعلان إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الدول العربية بعض المبادئ بخصوص الفوائد المصرفية، والتقاضي بشأنها أمام المحاكم، وما تضمنته من أن الفائدة البسيطة للقرض تجوز استثناء من أصل تحريم الربا إذا دعت الحاجة إليها واقتضتها المصلحة، واعتبار أن البنوك في حالتها الراهنة ووفقا لأنظمتها العالمية تتطلبها حاجة العباد، ولا تتم مصالح معاشهم إلا بها، وأن المحاكم لا تملك الامتناع من القضاء بالفوائد بمقولة: إن الشريعة تحرم الفائدة، وأنه ليس للقاضي في حالة الفائدة الاتفاقية إلا أن يحكم بها، وأخيرا القول بجواز الفائدة البسيطة ما دامت في
[ ١٩ / ٢٠٣ ]
حدود ١٢ % في المسائل التجارية و٩ % في غيرها.
واعتبارهم أن هذه الفوائد في تلك الحالات لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها الدولة المسلمة.
وإنني أستغرب جدا هذه الخطوة الجريئة على إعلان هذه المبادئ الغريبة التي تحمل انتهاكا لحرمات الله وتعاليم شريعته السمحة المعلومة في دين الإسلام، من نصوص القرآن الصريحة وأحاديث رسول الله ﷺ الصحيحة، وخاصة أنها أعلنت في ظل دولة إسلامية يرأسها رجل مسلم، وفي هذه البادرة الخطيرة افتراء على الإسلام، وتحليل لما هو من أشد المحرمات في شريعة الله.
ومعلوم أن الله ﷾ قد حرم الربا بجميع أشكاله وألوانه في كتابه العزيز في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٦
(٣) سورة آل عمران الآية ١٣٠
[ ١٩ / ٢٠٤ ]
وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣)
وهذا الأسلوب الشديد يدل على أن الربا من أكبر الجرائم وأفظعها، وأنه من أعظم الكبائر الموجبة لغضب الله والمسببة لحلول العقوبات العاجلة والآجلة، قال ﷾: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) وقال ﵊: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (٥)» ومعنى المو بقات: المهلكات. وقال صلى
_________________
(١) سورة الروم الآية ٣٩
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٨
(٣) سورة البقرة الآية ٢٧٩
(٤) سورة النور الآية ٦٣
(٥) رواه البخاري في (الوصايا) باب قول الله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) برقم (٢٧٦٧) وفي (الحدود) باب رمي االمحصنات برقم (٦٨٥٧) ومسلم في (الإيمان) باب بيان الكبائر وأكبرها برقم (٨٩) .
[ ١٩ / ٢٠٥ ]
الله عليه وسلم: «الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه (١)» وقد صح عنه ﷺ أنه «لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء (٢)»، وقال ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء (٣)» . فهذه الآيات والأحاديث وغيرها تؤكد حرمة الربا قليله وكثيره. وتبين خطره على الفرد والمجتمع، وأن من تعامل به أو تعاطاه فقد أصبح محاربا لله ورسوله، وليس بين جميع أهل العلم خلاف في تحريم ذلك لصراحة النصوص فيه.
وكيف يجيز المسلم الغيور على دينه، الذي يؤمن بأن هذا الإسلام العظيم جاء دينا شاملا كاملا متضمنا جلب المصالح ودرء المفاسد، صالحا للتطبيق في كل العصور
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٧١٥١) ج٧ ص ١٥٨ط. دار الحرمين بالقاهرة.
(٢) رواه مسلم في (المساقاة) باب لعن آكل الربا ومؤكله برقم (١٥٩٨) .
(٣) صحيح البخاري البيوع (٢١٧٦، ٢١٧٧)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٨٤، ١٥٨٤، ١٥٨٧)، سنن الترمذي البيوع (١٢٤٠، ١٢٤١)، سنن النسائي البيوع (٤٥٦١، ٤٥٦٥)، سنن أبو داود البيوع (٣٣٤٩)، سنن ابن ماجه التجارات (٢٢٥٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٤، ٣/٤٧، ٣/٥١، ٣/٥٣)، كتاب باقي مسند المكثرين (٣/٦١)، باقي مسند المكثرين (٣/٧٣، ٣/٨١، ٣/٩)، باقي مسند الأنصار (٥/٣١٤)، موطأ مالك البيوع (١٣٢٤)، سنن الدارمي كتاب البيوع (٢٥٧٩) .
[ ١٩ / ٢٠٦ ]
والأمكنة، كيف يجيز لنفسه إباحة الربا والتعامل به.
وإن هذه المبادئ التي أعلنتها إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في تلك الدولة؛ لتحليل ما حرمه الله ورسوله، بحجة قيام الحاجة إليه، فيها جرأة على الله، ومحادة لأحكامه وقول عليه بغير علم، وحاجة الناس إلى المصارف لا تكون إلا بسيرها على أسس من الشريعة الإسلامية، بإحلال ما أحله الله وتحريم ما حرمه، فإذا كانت خلاف ذلك فهي شر وفساد، وأحكام شريعة الله ثابتة وقطعية؛ لأنها صدرت من عزيز حكيم يعلم شئون عباده وما يصلح أحوالهم، ولا يجوز لنا تحكيم الرأي أو الهوى أو ما أشبههما في تحليل حرام أو تحريم حلال.
وامتثالا لأمر الله ورسوله في وجوب التناصح بين المسلمين، وأداء لما يجب على مثلي من البيان والتحذير عما حرمه الله ورسوله، جرى تحرير هذه الكلمة الموجزة، وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، والنصح لله ولعباده والحذر من كل ما يخالف شرعه المطهر، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[ ١٩ / ٢٠٧ ]
١٢٩ - تكذيب ما نسب إلى سماحته من القول بجواز الفوائد الربوية للضرورة
تكذيب خبر نشر في صحيفة الأهرام الصادرة في ١٨\٢\١٤١١ هـ (١) .
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد:
فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الأهرام الصادرة في ١٨\ ٢\ ١٤١١ هـ، نقلا عن معالي وزير الأوقاف المصري بأنني أفتيت بجواز التعامل مع البنوك بالفوائد من أجل الضرورة. انتهى المقصود.
ومن أجل إيضاح الحق للقراء وغيرهم أعلن أن هذا النقل لا صحة له. وقد صدرت مني فتاوى كثيرة نشرت في الصحف المحلية وغيرها بتحريم الفوائد البنكية المعروفة؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على ذلك. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا لكل ما
_________________
(١) صدر من مكتب سماحته عندما كان رئيسا عاما لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
[ ١٩ / ٢٠٨ ]
يوافق شرعه المطهر، ويعيذهم من أسباب غضبه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
في المملكة العربية السعودية
[ ١٩ / ٢٠٩ ]
حكم المعونة من البنك مقابل الإيداع
س ١٣٠: أحد البنوك عرض على المسئولين عن صندوق الطلبة حفظ أموال الصندوق مقابل ما يسميه البنك معونة وهي عبارة عن مبلغ من المال يتم إعطاؤه دون مقابل سوى حفظ المبلغ ويقوم البنك بدوره بتشغيله واستثمارة، فهل يجوز إيداع المبلغ في ذلك في ذلك البنك؟
ج: هذا العمل لا يجوز؛ لأنه عن الربا، وحقيقته أن البنك يتصرف في أموال الصندوق بفائدة معلومة يسلمها للصندوق، وإنما سماها البنك (معونة) تلبيسا وخداعا وتغطية للربا. والربا ربا وإن سماه الناس ما سموه، والله المستعان.
لا يجوز الإيداع في البنوك بفائدة من أجل دفع الضرائب
س: ١٣١: الأخ الذي رمز لاسمه بـ أ. ع. من اللاذقية
[ ١٩ / ٢١٠ ]
في سوريا يقول في سؤاله: هل يجوز أن أضع وديعة في البنك بفائدة؛ من أجل أن أدفع الضرائب المترتبة علي من تلك الفائدة؟ أرجو التكرم بالإجابة وجزاكم الله خيرا (١) .
ج: لا يجوز هذا العمل؛ لأن هذه المعاملة معاملة ربوية لا يجوز فعلها؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) والله ولي التوفيق.
_________________
(١) من ضمن الأسئلة المقدمة لسماحته من (المجلة العربية) .
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
[ ١٩ / ٢١١ ]
الواجب على المسلمين إنشاء بنوك إسلامية
س ١٣٢: ما رأيكم في البنك الإسلامي الذي لا يتعامل بالربا؟
ج: الواجب على الحكومات الإسلامية وعلى تجار المسلمين أن ينشئوا بنوكا إسلامية حتى يسلم المسلمون من الربا.
[ ١٩ / ٢١١ ]