س: يقول السائل: علم الغيب يقتصر على المولى - ﷿ - دون سواه، وهناك آيات قرآنية تؤكد انفراد المولى - ﷿ - دون غيره بذلك، ولكن نجد في كثير من الكتب عند اطلاعنا عليها أنه يكتب في نهاية الحديث أو العبارة أو الصفحة
[ ٢٨ / ٣٢٤ ]
: " والله ورسوله أعلم ". فما معنى ذلك؟ هل أن الرسول - ﷺ - يعلم الغيب في حياته ومماته أيضا؟ (١) نرجو من سماحتكم إجابتنا وإفادتنا والاستدلال إذا أمكن بالقرآن الكريم، وجزاكم الله خيرا.
ج: علم الغيب إلى الله - ﷿ - وليس عند الرسول - ﷺ - ولا غيره شيء من علم الغيب، فهو مختص بالله ﷿، كما قال الله - ﷾ -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)، وقوله - ﷾ - لنبيه - ﷺ - في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، ويقول ﷾: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٤) .
فالغيب عند الله - ﷿ - ومختص به ﷾، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، يعلم
_________________
(١) من ضمن أسئلة أجاب عنها سماحته في تاريخ ١١ \ ٩ \ ١٤٠٨ هـ.
(٢) سورة النمل الآية ٦٥
(٣) سورة الأعراف الآية ١٨٨
(٤) سورة الأنعام الآية ٥٩
[ ٢٨ / ٣٢٥ ]
ما يكون في الآخرة وما في الجنة والنار، ويعلم الناجين من الهالكين، ويعلم أهل الجنة ويعلم أهل النار، ويعلم كل شيء ﷾، والرسل إنما يعلمون ما جاءهم به الوحي، فما أوحى الله به إليهم يعلمونه، كما قال - ﷾ -: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (١) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٢) .
فالله يوحي إلى الرسل ما شاء كما أوحى إلى نبينا - ﷺ - أشياء كثيرة من أمر الآخرة وأمر القيامة وأمر الجنة والنار، وما يكون في آخر الزمان من الدجال ومن المسيح، وأمر الكعبة، ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك مما يكون آخر الزمان، كل هذا من علم الغيب، أوحى الله به إلى نبيه - ﷺ - وعلمنا إياه وصار معلوما للناس، وهكذا ما يعمله الناس من أمور الغيب عند وقوعه في بلادهم أو في غير بلادهم ويكون معلوما لهم بعد وقوعه وكان لا يعلم لهم قبل ذلك، أما ما يقع في كتب بعض أهل العلم من قولهم: " الله ورسوله أعلم " فهذا فيما يتعلق بأمور الشرع وأحكام الشرع ومرادهم في حياته، يعلم هذه الأشياء ﵊.
_________________
(١) سورة الجن الآية ٢٦
(٢) سورة الجن الآية ٢٧
[ ٢٨ / ٣٢٦ ]
أما بعد وفاته فلا يعلم ما يكون في العالم ولا يدري عما يحدث في العالم؛ لأنه بموته انقطع علمه بأحوالنا ﵊، إنما تعرض عليه من أمته الصلاة والسلام عليه؛ حيث قال: «صلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم (١)» حديث صحيح.
أما أمور الناس وحوادث الناس وما يقع منهم من أغلاط وظلم أو حسنات، كل هذا لا يعلمه الرسول ولا غيره ممن مضى ممن مات، ولا يعلمه من يأتي، وقد يعلمه من حوله من الناس لمطالعتهم إياه ولمشاهدتهم أعمالهم من جلسائهم وأهل بلادهم.
والمقصود أن علم الغيب لا يعلمه إلا الله ﷾، وما أوحاه الله إلى الرسل هو من علم الغيب الذي أطلعهم عليه ﷾ في حياتهم، وهم أطلعوا الناس عليه وعلموه للناس، وقد صح عن رسول الله أنه قال: «يذاد أناس عن حوضي يوم القيامة، فأقول: يا رب أمتي (٢)» وفي لفظ يقول: «أصحابي أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب زيارة القبور برقم ٢٠٤٢، وأحمد في باقي مسند المكثرين، باقي المسند السابق برقم ٨٥٨٦.
(٢) صحيح البخاري المساقاة (٢٣٦٧)، صحيح مسلم الطهارة (٢٤٩)، سنن ابن ماجه الزهد (٤٣٠٦)، مسند أحمد (٢/٤٦٧)، موطأ مالك الطهارة (٦٠) .
[ ٢٨ / ٣٢٧ ]
مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي (١)» .
فبين - ﷺ - أنه لا يعلم ما أحدث الناس بعده، وفي لفظ آخر: «يذاد أناس عن حوضي فأقول: يا رب أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال عيسى ابن مريم: " (٣)» .
فهو - ﷺ - يعلم ما أوحاه الله إليه، وما كان عند الله من الغيب لا يعلمه سواه ﷾، وبعد موته لا يعلم حوادث الناس ﵊.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء برقم ٢٤٩.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله (واذكر في الكتاب مريم) برقم ٣٤٤٧، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم ٢٨٦٠.
(٣) سورة المائدة الآية ١١٧ (٢) ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
[ ٢٨ / ٣٢٨ ]