رسالة الشّيخ حمد بن عتيق.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
قال شيخنا حمد بن عتيق في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكّة وما يقال في البلد نفسه.
فأجاب بقوله (سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم) جرت المذاكرة في كون مكّة بلد كفر أم بلد إسلام.
[ ٧٤٢ ]
فنقول - وبالله التّوفيق ـ: قد بعث الله محمّدًا ﷺ بالتّوحيد الّذي دين جميع الرّسل، وحقيقته هو مضمون شهادة أن لا إله إلاّ الله وهو أن يكون الله معبود الخلائق فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو الدّعاء ومنها: الخوف والرّجاء والتّوكّل والإنابة والذّبح والصّلاة وأنواع العبادة كثيرة، وهذا الأصل العظيم الّذي هو شرط في صحّة كلّ عمل.
(والأصل الثّاني): هو طاعة النّبي ﷺ في أمره وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها وتعظيم شرعه ودينه والإذعان لأحكامه في أصول الدّين وفروعه:
(فالأوّل): ينافي الشّرك ولا يصحّ مع وجوده:
(والثّاني): ينافي البدع ولا يستقيم مع حدوثها، فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علمًا وعملًا ودعوةً، وكان هذا دين أهل البلد أيّ بلد كان بأن عملوا به ودعوا إليه وكانوا أولياء لمن دان به ومعادين لمن خالفه فهم موحدون.
وأمّا إذا كان الشّرك فاشيًا مثل دعاء الكعبة والمقام والحطيم ودعاء الأنبياء والصّالحين، وإفشاء توابع الشّرك مثل الزّنا والرّبا وأنواع الظّلم ونبذ السّنن وراء الظّهر، وفشو البدع والضّلالات وصار التّحاكم إلى الأئمّة الظّلمة ونواب المشركين وصارت الدّعوة إلى غير القرآن والسّنة، وصار هذا معلومًا في أيّ بلد كان فلا يشكّ من له أدنى علم أنّ هذه البلاد محكوم عليها بأنّها بلاد كفر وشرك لاسيّما إذا كانوا معادين أهل التّوحيد وساعين في إزالة دينهم وفي تخريب بلاد الإسلام.
وإذا أردت إقامة الدّليل على ذلك وجدت القرآن كلّه فيه، وقد أجمع عليه العلماء فهو معلوم بالضّرورة عند كلّ عالم.
وأمّا قول القائل: ما ذكرتم من الشّرك إنّما هو من الأفاقية لا من أهل
[ ٧٤٣ ]
البلد، فيقال له أوّلًا: هذا إمّا مكابرة وإمّا عدم علم بالواقع فمن المتقرر أنّ أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم كما يسمعه كلّ سامع ويعرفه كلّ موحد.
ويقال ثانيًا: إذا تقرر وصار هذا معلوما فذاك كافٍ في المسألة ومن الّذي فرق في ذلك ويا لله العجب إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم وتخافتون بصلاتكم لأنّكم علمتم عداوتهم لهذا الدّين وبغضهم لمن دان به فكيف بقع لعاقل إشكال! أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم ويدعو الرّسول والصّحابة يا هذا لا تدعو غير الله أو أنت مشرك هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنّه ليس على توحيد الله فوالله ما عرف التّوحيد ولا تحقق بدين الرّسول ﷺ أرأيت رجلًا عندهم قائلا لهؤلاء راجعوا دينكم أو اهدموا البناآت الّتي على القبور ولا يحلّ لكم دعاء غير الله هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمّد ﷺ؟ لا والله لا والله.
وإذا كانت الدّار دار إسلام لأيّ سيء لم تدعوهم إلى الإسلام وتأمروهم بهدم القباب واجتناب الشّرك وتوابعه، فإن يكن قد غركم أنّهم يصلّون أو يحجّون أو يصومون ويتصدّقون، فتأمّلوا الأمر من أوله وهو أنّ التّوحيد قد تقرر في مكّة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ ومكث أهل مكّة عليه مدّة من الزّمان، ثمّ إنّه فشا فيهم الشّرك بسبب عمرو بن لحي وصاروا مشركين وصارت البلاد بلاد شرك مع أنّه قد بقي معهم أشياء من الدّين، وكما كانوا يحجّون ويتصدّقون على الحاج وغير الحاج.
[ ٧٤٤ ]
ولقد بلغكم شعر عبد المطّلب الّذي أخلص فيه قصّة الفيل وغير ذلك من البقايا ولم يمنع الزّمان ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظّاهر عندنا وعند غيرنا أنّ شركهم اليوم أعظم من ذلك الزّمان، بل قبل هذا كلّه أنّه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التّوحيد حتّى حدث فيهم الغلوّ في الصّالحين فدعوهم مع الله فكفروا فبعث الله إليهم نوحا ﵇ يدعو إلى التّوحيد.
فتأمل ما قصّ الله عنهم وكذا ما ذكر الله عن هود ﵇ أنّه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله لأنّهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم دعا قومه إلى إخلاص التّوحيد وإلا فقد أقرّوا لله بالآلهة، وجماع الأمر أنّه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله وتوابع ذلك واستمرّ أهلها عليه وقاتلوا عليه، وتقرّرت عندهم عداوة أهل التّوحيد وأبوا عن الانقياد للدّين، فكيف لا يحكم عليها بأنّها بلد كفر؟ ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر وأنّهم منهم بريؤون مع مسبّتهم لهم وتخطأتم لِمَن دان به والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفّار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلّها موجودة فهذه مسألة عامّة كلّيّة؟
وأمّا القضايا الجزئية فنقول: قد دلّ القرآن والسّنة على أنّ المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشّرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ . [محمد: ٢٥] .
مع قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾، [المائدة، من الآية: ٥١] .وأمعن النّظر في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، [النّساء، من الآية: ١٤٠] .
[ ٧٤٥ ]
وأدلّة هذا كثيرة ولا تنسوا ما ذكر الله في سورة التّوبة: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، [التّوبة، من الآية: ٦٦] .
وقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر﴾، [التّوبة، من الآية: ٧٤] .واذكر قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، [آل عمران: ٨٠] .
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، [الحجّ، من الآية: ٧٢]، في موضعين وقد علمت حالهم إذا دعوا إلى التّوحيد انتهى والله أعلم.
[ ٧٤٦ ]