بسم الله الرّحمن الرّحيم.
ما قولكم - وفقكم الله - في رجل خرج من بيته بعد ما ارتفعت الشّمس فلقيه رجل آخر فقال له أنّه لم يصل الصبح حتّى الآن، قال له ما منعك عن الصّلاة؟ قال إنّه كانت عليه جنابة وكان الماء باردًا فلم يغتسل ثمّ مضى في شأنه حتّى كاد أن يدخل وقت الظّهر ما يجب عليه وما يقال فيه؟
وفي رجل لقيه رجل آخر يريد أن يسلم عليه فقال: له ألا تركت السّلام
[ ٧٥٨ ]
علينا حتّى نرجع من السّفر علينا غبار المسلمين نهلهل عليك وكان سفره لبلد الرّياض وقصده الاستهزاء صريحًا ما يقال في مثل هذا أنفاق أم كفر أم دون ذلك؟ أفتونا مأجورين.
الحمد لله الجواب وبالله التّوفيق:
(المسألة الأولى): نقول هذا الرجل الّذي أخر صلاة الفجر إلى قريب الظّهر مخطيء آثم؛ لأنّ تأخير الصّلاة عن وقتها حرام باتفاق العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - اتّفق المسلمون كلّهم على أن عليه أن يصلي الظّهر والعصر بالنّهار، ويصلّي الفجر قبل طلوع الشّمس لا يترك ذلك لصناعة ولا لصيد ولا لهو ولا زراعة ولا لجنابة ونجاسة ولا غير ذلك، والنّبيّ ﷺ أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفّار ثمّ صلاها بعد المغرب فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة، من الآية: ٢٣٨]، صلاة العصر.
ولهذا قال جمهور العلماء إنّ ذلك التّأخير منسوخ لهذه الآية فلم يجز تأخير الصّلاة حال القتال بل أوجبوا عليه الصّلاة في الوقت حال القتال هذا مذهب مالك والشّافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن أحمد رواية أخرى يخيّر حال القتال بين الصّلاة وبين التّأخير، ومذهب أبي حنيفة يشتغل بالقتال ويصلّي بعد الوقت.
وأمّا تأخير الصّلاة لغير الجهاد لصناعة أو زراعة أو عمل أو صيد فلا يجوز ذلك عند أحد من العلماء، بل قال الله ﷾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون، الآيتان: ٤ـ٥]، قال طائفة من السّلف هم الّذين يؤخرونها عن وقتها، وقال بعضهم هم الّذين لا يؤدونها على وجه المأمور به، وإن
[ ٧٥٩ ]
صلوها في الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء، والعلماء متّفقون على أنّ تأخير صلاة اللّيل إلى النّهار وتأخير صلاة النّهار إلى اللّيل بمنْزلة تأخير شهر رمضان إلى شوّال، وإنّما يعذر بالتّأخير النّائم والنّاسي كما قال النّبيّ ﷺ:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلاّ ذ لك".
وأمّا الجنب والمحدث ومَن عليه نجاسة إذا عدم الماء أو خاف الضّرر باستعماله لمرض أو برد فإنّه يتيمّم ويصلّي في الوقت وجوبًا ولا يؤخر الصّلاة حتّى يصلّي في غير الوقت باغتسال، قال النّبيّ ﷺ:" الصّعيد الطّيّب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسه بشرتك فإنّه خير لك "فكلّ ما يباح بالماء يباح بالتّيمّم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، فإذا تيمم للصّلاة يقرأ القرآن داخل الصّلاة وخارجها وإن كان جنبًا.
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدّين - رحمه الله تعالى - أيضًا: ومن امتنع عن الصّلاة بالتيمّم فإنّه من جنس اليهود والنّصارى، فإنّ التيمّم إنّما أبيح لهذه الأمّة خاصة كما قال النّبيّ ﷺ في الحديث الصّحيح:"فضلنا على النّاس بثلاث: جعلت صفوفنا صفوف الملائكة، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ".قال: وممّا يزيد ما تقدّم وضوحًا قول النّبيّ ﷺ لعمران بن حصين:" صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". فتبيّن بهذا أنّ المريض يصلّي في الوقت على حسب حاله قاعدًا أو على جنب إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلّي بعد خروج الوقت قائمًا هذا ممّا اتّفق عليه العلماء، وهذا كلّه لأنّ
[ ٧٦٠ ]
فعل الصّلاة في وقتها فرض والوقت آكد فرائض الصّلاة؛ كما أنّ صيام شهر رمضان أوجب في وقته ليس لأحد أن يؤخّره عن وقته، لكن يجوز الجمع بين الظّهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء وبين الظّهر والعصر عند كثير من العلماء للسّفر والمرض ونحو ذلك من الأعذار.
وأمّا تأخير صلاة النّهار إلى اللّيل واللّيل إلى النّهار والفجر بعد طلوع الشّمس فلا يجوز لمرض ولا لسفر ولا لشغل ولا صناعة باتّفاق العلماء، قال عمر ﵁: الجمع بين الصّلاتين لغير عذر من الكبائر، وفي وصيّة أبي بكر لعمر ﵄: إنّ لله حقّا بالنّهار لا يقبله باللّيل، وحقّا باللّيل لا يقبله بالنّهار. ومن ظنّ أنّ الصّلاة بعد خروج الوقت بالماء خير من الصّلاة في الوقت بالتّيمّم فهو جاهل ضال. انتهى كلام الشّيخ - رحمه الله تعالى ـ.
وأمّا حكم تارك الصّلاة فقال في الإقناع وشرحه: ومَن جحد وجوبها كفر، فإن تركها تهونًا أو كسلًا لا جحودًا دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، ويهدّده فإن أبى أن يصلّيها حتّى تضايق وقت الّتي بعدها وجب قتله لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التّوبة، من الآية: ٥] .
فمتى ترك الصّلاة لم يأت بشروط التّخلية فيبقى على إباحة القتل ولقوله ﷺ:"من ترك الصّلاة متعمّدًا فقد برئت ذمّة الله ورسوله"، رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيّد ولا يقتل حتّى يستتاب ثلاثة أيّام كمرتدّ نصًّا، فإن تاب بفعلها وإلاّ قتل بضرب عنقه بالسّيف لكفره
[ ٧٦١ ]
لما روى جابر مرفوعًا:"بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة"رواه مسلم وروى بريدة مرفوعًا:"من تركها فقد كفر"رواه الخمسة انتهى.
قال منصور في شرح المنتهى: ولا قتل ولا تكفير قبل الدّعاية ولم يقتل بترك الأولى لأنّه لا يعلم أنّه عزم على تركها إلاّ بخروج وقتها، فإذا خرج علم تركه لها لكنّها فاتته لا يقبل بها، فإذا تضايق وقت الثّانية وجب قتله اهـ، قلت: هذا أحد الوجهين في المذهب، وعنه يجب قتله إذا أبى حتّى يتضايق وقت أوّل صلاة بعدها اختار هذا القول المجد وصاحب مجمع البحرين قال في الفروع وهو أظهر.
وقال ابن رجب - رحمه الله تعالى ـ: ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمّة الّذين يرون كفر تارك الصّلاة أنّ من تركها يكفر بخروج الوقت عليه ولم يعتبروا أن يستتاب ولا أن يدعى إليها، وعليه يدّل كلام المتقدّمين من أصحابنا كالخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى، ثمّ استدلّ لذلك بالأحاديث الّتي فيها ذكر تارك الصّلاة كقوله:"بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة"وحديث:"العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة فمن تركها فقد كفر"اهـ كلام ابن رجب - رحمه الله تعالى ـ.
وقال الشّيخ أحمد بن حجر الهيتمي الشّافعي في التّحفة: إنّ ترك الصّلاة جاحدًا وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلًا مع اعتقاد وجوبها قتل لآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر:"أمرت أن أقاتل النّاس"، فإنّهما شرطان في الكفّ عن القتل والمقاتلة؛ الإسلام وإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة. إلى آخر كلامه ﵀. هذا ما أمكن نقله من كلام العلماء على هذا السّؤال وما تحتمله هذه الورقة.
(وأمّا المسألة الثّانية): فقائل الكلام الّذي ذكرتم يتهم بكلامه هذا
[ ٧٦٢ ]
ويخاف عليه من النّفاق فلو هجر هذا القائل كان هجره عندي مناسبًا بشرط أن يكون في هجره مصلحة.
قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى ـ: إنّما هجر النّبيّ ﷺ الثّلاثة لأنّه اتّهمهم بالنّفاق فكذا كلّ من خنفا عليه اهـ.
وأمّا إطلاق الكفر والنّفاق بمجرّد كلامه ذلك فلا أتجاسر عليه؛ لأنّ كلامه ليس بصريح بسب الدّين ولا الاستهزاء به ولا بِمَن قام به، قال بعض العلماء في قول النّبيّ ﷺ في الأنصار: "لا يحبهم إلاّ مؤمن ولا يبغضهم إلاّ منفق "، قال: فمن أبغض من قام بنصرة دين الله أو سنّة نبيّه ﷺ استحقّ هذا الوصف، وأمّا من يبغض بعضًا دون بعض فقد يكون ذلك لسبب غير الدّين.
قال شيخ الإسلام: اختلف العلماء فيمن يسبّ الصّحابة على قولين: قيل بكفرهم وقيل بفسقهم. توقف أحمد في كفره وقتله، وقال: يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يرجع عن ذلك. قال: وهذا هو المشهور من مذهب مالك اهـ. هذا كلامهم في الّذي يسبّ أصحاب رسول الله ﷺ الّذين أثنى الله عليهم ورضي عنهم فغيرهم دونهم، ولم يقل أحد من العلماء ﵏ بكفر من سبّ غيرهم ولا قتله، ولهذا قال الأصحاب من سبّ إمامًا عدلًا أو عدلًا غيره عزر فبذلك يظهر الجواب عن السؤال والله أعلم.
(تمّ القسم الثّالث)
(من الجزء الأوّل من مجموعة الرّسائل والمسائل النّجديّة)
(وبتمامه يتمّ الجزء الأوّل والحمد لله في البدء والختام) .
[ ٧٦٣ ]