مجموعة الرسائل والمسائل النجدية
تأليف بعض علماء نجد الأعلام
كلمة موجزة عن هذا المجموع
بقلم الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين ﷺ، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن علماء الإسلام وحملة هذه الشريعة لم يزالوا في كل زمان ومكان يجاهدون في سبيل الله أعظم جهاد، وذلك بإظهار الحق والدعوة إليه، وقمع الباطل ودَحْض أهله، ونشر العلم الصحيح الذي ورثوه، وتوارثوه عن أسلافهم قَرْنًا بعد قرن، والذي خلَّفه لهم نبيهم ﷺ.
وكم لقوا وقابلهم من أعداء السنة والدين مِن ظلم، وقذف واعتراض، وتضليل وتخطئة، ونحو ذلك؛ ولكن ذلك لم يزدهم إلا صمودا وتصلبا في تمسكهم بالحق، وتشبثهم بأهداب هذا الدين، وسعيهم في الرد على أولئك المبطلين، وتفنيد ما يلفقونه من شُبَهٍ وأوهامٍ يُرَوِّجُون بها باطلَهم.
[ ١ ]
وإن من جملة علماء السنة والجماعة: أئمة الدعوة النجدية، الذين أقامهم الله تعالى - وله الحمد والفضل - في هذه البلاد بعد اندراسٍ من أعلام الدين، وبعد فُشُوِّ البدع والشركيات، فألهمهم الحق وبَصَّرَهم به، وفتح على قلوبهم بمعرفة التوحيد وما يضاده. فقاموا في بيانه على قَدَمٍ وساقٍ، ونشروا العقيدة السلفية، والشريعة الإسلامية، وأعلنوا الحق وأظهروه، وجَدُّوا واجتهدوا في إيضاحه بدليله، وفي دحض اعتراضات أعدائهم من الدعاة إلى الشرك والبدع، حتى اتضح الحق واستبان لكل ذي علم وبصيرة.
وقد حرص تلاميذهم على نسخ كتاباتهم، وأجوبتهم، وفتاويهم ورسائلهم، ونصائحهم، وعلومهم، وما أبدوه من فوائد، وما فتح الله عليهم من أنوار العلوم. ولأهمية تلك الفوائد وندرتها كان من الأهمية حفظها، والحرص على تدوينها، وإثباتها في مؤلفات، ليطلع عليها مَنْ بعدهم، فيسترشد ويستفيد، وتعرف الأحكام والحوادث التي تجري في زمان أولئك العلماء، وكيف أجابوا على الأسئلة التي رُفعت إليهم، ومراجعهم ومذاهبهم في تلك الأجوبة.
ولقد اجتمع من تلك الرسائل هذه المجموعة الكبيرة التي عرفت باسم:"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية"، والتي جمعها ورتبها بعض تلاميذهم الذين تخرجوا على أيديهم، وانتفعوا بعلومهم، فأهمهم أمر تلك الفتاوى والرسائل، وأحبوا أن يشاركهم مَن بعدهم في الاستفادة.
وقد طُبِعَتْ هذه المجموعة قبل ستين عاما أو أكثر في عهد جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن -﵀-، وانتشرت داخل المملكة وخارجها، وحصل بها نفع كبير، واستفاد منها الصغير والكبير؛ وعرفت بها عقيدة هؤلاء الأئمة، وما يدعون إليه، وزالت بها الشبهات التي تُلَفَّقُ عليهم، ويحاول الأعداء بها الصد عن سبيل الله
[ ٢ ]
وذلك لاشتمالها على علوم وفنون كثيرة ومتنوعة، يُدْرَكُ مِن خلالها تَوَسُّعُ هؤلاء الأئمة في أنواع العلم الشرعي ووسائله، حيث يوجد بها الفقه، والتفسير، والحديث وعلومه، والأصول، والعقيدة، والتاريخ، والأدب، والنحو والصرف، وغيرها بتوسعٍ واختصارٍ أحيانا.
وذلك يدل على توغل أئمة الدعوة في العلوم المهمة، وشدة حرصهم على التأثر بها.
وَيُدْرَكُ من خلالها اكتظاظُ هذه البلاد بالعلماء، وطلبة العلم والمستفيدين؛ فهم الذين رغبوا في تحرير تلك الأجوبة، وكاتبوا العلماء، وحرصوا على الفوائد، وألحوا في طلب الجواب، ورفعوا إلى علمائهم ما وقعوا فيه من إشكالات، وما حدث عندهم من وقائع هم بحاجة إلى معرفة أحكامها لتورعهم عن العمل بلا علم، أو عن التَّخَرُّص في الجواب بدون برهان.
ولا شك أن ذلك ونحوه مما يدل على حب الخير، وكراهة التخبط في العمل بغير دليل، كما هي حال الكثير من عوام غالب البلاد، الذين لا همة لهم بشؤون دينهم؛ حيث يبقون في ظلمات الجهل والضلال، لا همة لهم إلا شهوات البطن والفرج، أو يتخبطون في العمل بما يوافق ميلهم وأغراضهم، فيعملون بلا علم، ويقولون على الله ما لا يعلمون.
وبالاطلاع على هذه المجموعة الكبيرة من الرسائل والمسائل والنصائح والعظات، يُعْلم أيضا ما لاقاه أهل هذه الدعوة من أهل الضلال من اعتراضات، وتضليل، وتبديع، ونحو ذلك، ولكنهم تصدوا لتلك الترهات، وأبطلوها بالدليل، وأوضحوا أن عقيدتهم ودعوتهم هي دعوة الرسول ﷺ وأنهم على مُعْتَقَد سلف الأمة، وأئمة الدين في القول والعمل.
وحيث إن الطبعة الأولى قد نَفِدَتْ، وتقادم عهدُها، فقد رغب بعض أهل الخير في إعادة طبعها ونشرها بين المسلمين، ليعم النفع لأهل هذه
[ ٣ ]
الأزمنة، كما انتفع بها المتقدمون، ولتحصل الاستفادة في فنون الفقه والأحكام، والتوحيد، وعلوم الشريعة، ويعرف شباب هذا الزمان ما قام به أسلافهم- تلامذة وأساتذة- من العلم والعمل، والجهاد والنضال، وما لاقوه من أهل زمانهم، وكيف صبروا وصابروا، وكيف فتح الله عليهم وألهمهم بالأجوبة السديدة المفيدة؛ وليعمل العاملون على بصيرة من دينهم، فيجدوا في ثنايا هذه الرسائل بُغْيَتهم، ويسترشدوا بعمل أسلافهم.
والله المسؤول أن يجزل ثواب أولئك العلماء على ما أبدوه من علم وفائدة بقيت لمن بعدهم، ويثيب مَن جمَع هذه الرسائل، وسعى في نشرها، وبذل المال والجهد في ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه،وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
٢- ٦- ١٤٠٩هـ.
[ ٤ ]
مقدمة الطبعة الثانية من"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية"
تمهيد
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النّساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] .
أما بعد: فقد امتن الله على عباده ببعثة نبيه محمد ﷺ والعالم يتخبط في ظلمات الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء، فأنقذهم بشريعته الغَرَّاء، من داء الشرك والضلال، إلى نور الهدى والإيمان؛ ففتح الله به أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقلوبا غُلْفًا، وأتم به على عباده النعمة، وأكمل الدين كما قال أحكم الحاكمين: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ الآية، [المائدة من الآية: ٣] .
[ ٥ ]
نهج الرسول ﷺ في الدعوة إلى توحيد الله ﷻ
وقد نهج الرسول ﷺ نهج الرسل قبله في الدعوة إلى توحيد الله -ﷻ-، وغرس ذلك في نفوس عباده، قال الله –تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الإنبياء: ٢٥] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النّحل من الآية: ٣٦] .
قال ابن كثير -﵀-: لم يزل الله –تعالى- يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ الذي طَبَّقَتْ دعوتُهُ الإنسَ والجنَ في المشارق والمغارب..إلخ ١.
وليس المراد بالتوحيد الذي دعت إليه رسل الله –سبحانه-: توحيدَ الربوبية – كما ظنه مَن قَلَّ نصيبُه من العلم، وَخَوَى عقله من الفهم؛ لأن الخلق مفطورون ومجبولون على الإقرار بخالقهم ورازقهم. فهؤلاء كفار قريش الذين امتنعوا من الدخول في دين الله ﷻ، وأنفقوا جميع ما يملكون من المال والأولاد والأنْفُس في سبيل صد الناس عن هذا الدين، يقول الله –﵎- عنهم: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُون قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيتات: ٨٤-٨٩] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢\٥٦٨.
[ ٦ ]
مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .
ففي هذه الآيات وغيرها الدليل الصريح على أن كفار قريش مقرون بتوحيد الربوبية، ولكن هذا الإقرار بهذا النوع من التوحيد لم يُدْخِلهم في الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .وروى ابن جرير (١٣/٧٧) عن مجاهد أنه قال: إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمانٌ مع شِرْكِ عِبَادَتِهِم غيرَه.
ولو كان الرسول ﷺ يريد من كفار قريش الإقرار بأن الله موجود، وهو الخالق الرازق المدبر لاستجابوا له وأذعنوا لقوله؛ ولكن الخَطْبَ أعظمُ من ذلك؛ فعندما قال لهم –ﷺ-:"قولوا لا إله إلا الله"١ – أي: لا معبود بحق إلا الله – كان جوابهم كما حكى الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ: ٥] .
ولو كان الرسول ﷺ يريد منهم الإقرار بهذا النوع من التوحيد لما استحل دماءهم وأعراضهم وأموالهم، لأنهم مقرون بذلك مُسْتَيْقِنَة به قلوبهم. وهذا فرعون الذي يتظاهر بإنكار الخالق –ﷻ- يتيقن وجود الله في قرارة قلبه، كما قال موسى –﵇-: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية [الإسراء: من الآية: ١٠٢] .وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ الآية [النّمل من الآية: ١٤] .
وهذا الأصل واضحٌ -ولله الحمد والمنة- وضوح الشمس في نَحْر الظهيرة، قد قرره الله –سبحانه- في كتابه، وبينه الرسول ﷺ في سلوكه وخطابه، فلا يخفى بعد ذلك إلا على مَن أراد الله لهم الشقاوة والخسران.
المقصود من إرسال الرسل
والمقصود أن الرسل إنما بُعِثُوا لأجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك جميع ما يُعْبَد من دونه، وهذا هو توحيد الإلهية.
_________________
(١) ١ أحمد (٥/٣٧٦) .
[ ٧ ]
رهيب، وتدبير مريب، من قِبَلِ أعداء هذا الدين الصليب؛ فوصلوا إلى ما أرادوا وأَمَّلُوا، واستطاعوا الخُلُوص إلى قلوب الشباب فأفسدوا؛ ونتج عن ذلك انتشار الأوباء الخطيرة، والأمراض الفاتكة المريبة.
وأصبح أهل هذا الزمان، كما قال ابن عقيل الحنبلي عن أهل زمانه: من عجيب ما نقدتُ من أحوال الناس: كثرةُ ما ناحوا على خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، والتَّحَسُّر على الأرزاق، وذم الزمن وأهله، وذِكْرِ نَكَد العيش فيه، وقد رأوا من انهدام الإسلام، وتشعب الأديان، وموت السُّنَن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي، وتَقَضِّي الأعمار في الفارغ الذي لا يُجْدِي، والقبيح الذي يُوبِقُ ويؤذي، فلا أجد منهم مَن ناح على دينه، ولا بكى على ما فَرَطَ من عمره، ولا آسى على فائت دهره. وما أرى لذلك سببا إلا قلة مبالاتهم بالأديان، وعِظَم الدنيا في عيونهم، ضد ما كان عليه السلف الصالح يَرْضُونَ بالبلاغ من الدنيا، وينوحون على الدين. انتهى ١.
الواجب على الدعاة إلى الله ﷾
ولقد بلغ الحال بكثير من أهل زماننا إلى أعظم مما ذكَرَ، وذلك بسبب بُعْدِهِم عن الله -تعالى-، وضعف إيمانهم به سبحانه، وقلة يقينهم بما عنده من النعيم والعقاب. ولو أنهم آبوا إلى الله، وأخلصوا له، وتوكلوا عليه لمنحهم السعادة والسيادة التي نزعت منهم.
وبما أن الداء بان سببُه، واتضح أصلُه، فالواجب على الدعاة إلى الله –سبحانه- أن يضاعفوا جهودهم في استئصاله والقضاء عليه؛ وذلك بتقرير التوحيد في قلوب الناس، وتربيتهم عليه، ووعظهم بمسائله وأبوابه وفضائله، وترهيبهم من الخروج عنه والإتيان بما يناقضه أو يضعفه.
وتسهيلا لهذه المهمة العظيمة، فإننا نجعل هذا الكتاب العظيم، الحافل بدرر المسائل، وغُرَر الفوائد المُسَمَّى:"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية"بين أيديهم، عَلَّ الله -﷾- أن ينفعنا وإياهم بما فيه؛ إنه سميع مجيب.
ولا أحب أن أطيل في وصف هذا الكتاب، وبيان مزاياه، فقد تقدم في
_________________
(١) ١ نقله عن ابن عقيل: ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣٤٨) .
[ ٨ ]
كلمة سماحة شيخنا العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين ما يكفي ويشفي.
وقد طبع هذا الكتاب للمرة الأولى في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة (١٣٤٩هـ) في مطبعة المنار بمصر، على نفقة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن – رحمه الله تعالى – وقد جعل الكتاب وقفا لله –تعالى-.
ولما تقادم العهدُ بطباعة هذا الكتاب، ونَدُرَ وجوده، وأصبح جُلّ طلبة العلم يبحثون عنه، ويتتبعون مظانِّه في المكاتب العامة بالاطلاع عليه، والنظر في مسائله، عرضت على المحسن الكبير الشيخ علي بن فهد بن هزّاع إعادة طباعة هذا الكتاب، ليسهل تناوله، ويعم النفع به؛ فبادر كعادته – وفقه الله – إلى تلبية هذه الفكرة، وتجسيد هذه الخطرة، وتكفل بمبالغ إعادة طبعه الطائلة. فجزاه الله خيرا وبارك فيه، وغفر له ولوالديه، وجعل هذا الكتاب ذخرا له يوم العرض على الله، والوقوف بين يديه.
تنبيه:
ليعلم بأن هذه الطبعة مصورةٌ عن الطبعة الأولى التي علق عليها، وأشرف على طباعتها الشيخ العالم العلامة المحقق محمد رشيد رضا – ﵀ –.
وقد صوبنا الأخطاء المطبعية المُرْفَقَة في أول كل مجلد من الطبعة الأولى، ووضعنا فهرسا تحليليا للمسائل الموجودة في الرسائل الشخصية والاستفتاءات مرتبا على الكتب والأبواب، قام به بعض طلبة العلم وفقهم الله –تعالى-.
والله المسؤولُ المرجوُّ أن يصلح نياتنا، ويواري -عن الأعين- خلاتنا، ويتجاوز عن سيئاتنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولجميع المسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى ربه القدير:
عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم.
[ ٩ ]
روى الإمام أحمد وغيره -بسند حسن- عن عبد الله بن عمر أن الرسول ﷺ قال: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعْبَد الله وحده "١ الحديث. فكان الرسول ﷺ يدعو إلى هذا الأصل العظيم، والركن القويم، ويغرسه في نفوس أصحابه، ويربيهم عليه، ويحمي حماه، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، والمحل الأسنى. فقام أصحابه من بعده بأعباء الدعوة إلى هذا الأصل العظيم حق القيام، وتحملوا في سبيله جميع المصاعب والأسقام، وألقوا إلى تابعيهم ما تَلقوه عن مشكاة الأنام ﷺ.
ثم سار التابعون لهم بإحسان على هذا المنهج القويم، والصراط المستقيم، وهكذا أتباع التابعين، إلى أن أذن الله -ﷻ- بإخراج أقوام اتخذوا دينهم لهوا ولعبا؛ فحرفوا كلام الله سبحانه عن مواضعه، وتركوا العمل بمحكمه واتبعوا متشابهه، فضلوا وأضلوا عن الله وعن طريقه، واتبعوا الشيطان وما يُمْلِيه من تحريفه وتضليله، حتى أوشك عرش الإسلام بالحبوط، وقارب الانهيار والهبوط لولا أن الله تعالى وفق رجالا للدفاع عن سبيله والذَّبِ عن حِيَاضه وطريقه لكان ذلك مشاهدا بالعيان، ومُدَوَّنًا في أخبار الزمان.
ولكن الله -جل وعلا- تكفل لهذه الأمة بحفظ دينها وكتابها؛ وذلك ببقاء طائفة منهم على الحق ظاهرين منصورين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ٢.وأخبر الرسول –ﷺ- أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها دينها ٣.
ونحن نستبشر بهذين الأثرين أَيَّمَا استبشارٍ، لما فيهما من تسلية الغرباء في كافة القرى والأمصار، وما زال الناس يرون تصديق هذين الخبرين بالأبصار؛ فكلما طُمِسَتْ معالم هذا الدين بظهور الفجار، وهُدِمَتْ مساجده بقتل رجاله الأبرار، ونُكِّسَتْ أعلامه في جميع الأقطار انتدب الله من عباده فَارِسًا مغوارًا،
_________________
(١) ١ أحمد (٢/٥٠) . ٢ حديث صحيح متواتر. ٣ أخرجه أبو داود والحاكم، وهو صحيح، ويأتي تخريجه في الضياء الشارق لابن سحمان رقم ١٧.
[ ١١ ]
وهب نفسه وماله وعرضه في سبيل العزيز الغفار، فيحيي به اللهُ الأرضَ بعد موتها، ويوقظُ به القلوبَ بعد رقدتها، ويجلو عن الأعين غشاوتَها.
وإنَّ مِن هؤلاء الفرسان الأعلام: شيخ الإسلام، الإمام محمد بن عبد الوهاب -أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بلا حساب ولا عقاب- خرج في زَمانٍ، نَعَتَهُ الشيخُ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن -عليه الرحمة والرضوان- فقال: كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وَعَفَتْ آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهلُ والتقليدُ والإعراضُ عن السنة والقرآن، وشَبَّ الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد.
وأعلام الشريعة مطموسةٌ، ونصوص التنْزيل وأصول السنة فيما بينهم مَدْرُوسَةٌ، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة، غير مردودة ولا مدفوعة؛ قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجَدُّوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين. وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن البحر الأجاج شاربون، وبه راضون، وإليه مدى الأزمان داعون؛ قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات، والآيات البينات، يحتجون بما رووه من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلفة والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية وَغُبْر الفَتَرَات، وكثيرٌ منهم يعتقد النفع في الأحجار والسادات، ويتبركون بالآثار والقبور في جميع الآفات.
﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التّوبة من الآية: ٦٧] .
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] .
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
[ ١٢ ]
وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
(فلما تفاقم هذا الخطب وَعَظُمَ، وتلاطم مَوْجُ الكفر والشرك في هذه الأمة وجسم، واندرستْ الرسالة المحمدية، وانمحت منها المعالم في جميع البرية، وطُمِسَتْ الآثار السلفية، وأقيمت البدع الرفضية، والأمور الشركية، تجرد الشيخ للدعوة إلى الله، وَرَدَّ هذا الناسَ إلى ما كان عليه سلفهم الصالح في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار والعيون والمَغَار، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ في الأقوال والأفعال، وهجر ما أحدثه الخُلُوف والأغْيَار، فجادل في الله، وقرَّر حُجَجه وبيناته.
وبذل نفسه لله، وأنكر على أصناف بني آدم الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه التاركين له، وصنَّف في الرد على من عاند وجادل وَمَاحَلَ؛ حتى ظهر الإسلام في الأرض، وانتشر في البلاد والعباد، وعلتْ كلمة الله، وظهر دينه، وانقمع أهل الشرك والفساد، واستبان لذوي الألباب والعلوم من دين الإسلام ما هو مقرر معلوم) .انتهى كلامه ١.
ثمار دعوة الشيخ في بلاد نجد وما جاورها
فأثمرت دعوة الشيخ في بلاد نجد وما جاورها من البلدان إِثْمَارًا ملموسا، وانتشرت في تلك القطاع انتشارًا محسوسًا، وانتفع بها كافة الناس من حاضر وباد، إلا من استهوته الشياطين فسلك طريق العناد، وأقبل عليها العلماء العالمون بالله، وبما أعده للعباد، فمدحوا تلك الدعوة نظمًا ونثرًا على رؤوس الأشهاد.
وما زالت هذه البلاد تنعم في ظل هذه الدعوة المباركة إلى ما بعد النصف الأخير من القرن السابق، وبعد هذا التاريخ – تقريبا – انْقَضَّتْ علينا المذاهبُ الهدَّامَة المذمومة، والأفكار الشيطانية المسمومة، وذلك بتخطيط
_________________
(١) ١ من مجموعة الرسائل والمسائل النجدية بتصرف (٣\٣٨١) ومن الضياء الشارق للشيخ ابن سحمان (ص ١٣) وما بين القوسين له.
[ ١٣ ]