وله أيضا -قدس الله روحه- رسالة إلى إبراهيم بن عبد الله بن عمار جوابا لسبع مسائل: (الأولى): رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول. (الثانية): عن صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون منظره غيم أو قتر. (الثالثة): عن الرهن، هل القبض والاستدامة شرط للزوم صحته أو لا؟ (الرابعة): عن الحكم في قطع يد السارق. (الخامسة): عن الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه. (السادسة): عن الوقف على الضعيف. (السابعة): عن عاق والديه، هل عليه حد مقدر؟ فأجاب -﵀- عن مسائله بأصح عبارة، وأوجزها، وقرر في مسألة صيام يوم الشك ما عليه المحققون، وما تضمنته الأحاديث الصحيحة، بخلاف ما اعتمده المقلدون، وإن من صامه من السلف لم يوجبه، ولم يأمر به الناس، ولم يوقع بمن تركه العقوبات، كما فعله أهل الجهل والإفلاس، فإنهم في هذه الأزمان يوجبونه، ويأمرون الناس بالتزامه. ومنهم من ضرب وأجلى من نهى عن صيامه، فياليت شعري، أين وجدوا ذلك؟ وأي الكتب اعتمده أولئك؟ نعم، قد وجد في بعض الروايات الوجوب عن الأصحاب، فأين وجدوا الضرب والجلاء والسباب؟ وإذا قيل لأحدكم: قال رسول الله ﷺ قال: قال المذهب كذا، وبه قال الإمام المعظم. فيا ليت شعري كيف ساغ لهم تقليده في هذه، وغيرها من المسائل، ولم يسغ لهم تقليده -﵀- في قوله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله -تعالى- يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض شيء من قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. فإذا عرفت هذا، فقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بذلك كما رواه البخاري في صحيحه، أن رسول الله لى الله عليه وسلم ال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ٢. والمقصود من هذا الكلام: إيقاع بعضهم بمن نهى عن صيامه أنواع العقوبات، وردهم أحاديث رسول الله ﷺ لبعض هذه الروايات، وهذا نص الرسالة:
_________________
(١) ١ سورة النور آية: ٦٣. ٢ البخاري: الصوم (١٩٠٩)، ومسلم: الصيام (١٠٨١)، والترمذي: الصوم (٦٨٤)، والنسائي: الصيام (٢١١٧،٢١١٨،٢١١٩،٢١٢٣)، وابن ماجه: الصيام (١٦٥٥)، وأحمد (٢/٢٥٩،٢/٢٦٣،٢/٢٨١،٢/٢٨٧،٢/٤١٥،٢/٤٢٢،٢/٤٣٠،٢/٤٣٨،٢/٤٥٤،٢/٤٥٦،٢/٤٦٩،٢/٤٩٧)، والدارمي: الصوم (١٦٨٥) .
[ ٢١٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: إبراهيم بن عبد الله بن عمار -سلمه الله، وصرف عنا وعنه عذاب النار-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد. فوصل خط السائل، والجواب عن مسألة رفع اليدين إذا قام في التشهد الأول، فهو في هذا الموضع ثابت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر، وثابت أيضا من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عند الإمام أحمد، خرجه في المسند، وكذلك في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، وهو أصح الروايتين عند أصحاب الإمام أحمد.
[صيام يوم الثلاثين من شعبان]
وأما مسألة: السنة لمن صام يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال -ليلة الثلاثين- دون الهلال غم أو قتر. فالقائلون بصومه -وجوبا أو استحبابا- يجزيه عندهم إذا نواه من رمضان، والصحيح الذي عليه المحققون: أنه لا يجب صومه، ولا يؤمر به، ومن صامه من السلف لم يوجبه. والحُجَّة لمن منع صومه –مطلقا- ما في صحيح البخاري، أنه قال ﷺ "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ١ انتهى، وليس لأحد بلغته سنة رسول الله ﷺ وصح عنده الحديث أن يعدل إلى غيره لرأي أحد من الناس، كائنا من كان. أقول: وله في هذه المسألة كلام مبسوط، رد على عثمان بن منصور، أوضح فيه كلام الأئمة، وجلى غياهب الشُّبه فيه عن الأمة، فأبصروا بنور الله حقائق التحقيق ومدارك الأحكام، وانجلى عن بصائرهم ذلك القتر
_________________
(١) ١ البخاري: الصوم (١٩٠٩)، ومسلم: الصيام (١٠٨١)، والترمذي: الصوم (٦٨٤)، والنسائي: الصيام (٢١١٧،٢١١٨،٢١١٩،٢١٢٣)، وابن ماجه: الصيام (١٦٥٥)، وأحمد (٢/٢٥٩،٢/٢٦٣،٢/٢٨١،٢/٢٨٧،٢/٤١٥،٢/٤٢٢،٢/٤٣٠،٢/٤٣٨،٢/٤٥٤،٢/٤٥٦،٢/٤٦٩،٢/٤٩٧)، والدارمي: الصوم (١٦٨٥) .
[ ٢١٧ ]
والقتام، وذكر فيه عن الإمام أحمد سبع روايات أوردها بعض الأصحاب والصحيح منها: الاستحباب من غير شك ولا ارتياب. فراجعه إن كنت مشتاقا إلى ذلك التحقيق، واسمُ بهمتك إلى معالم ذلك المهيع والطريق.
[هل القبض والاستدامة شرط للزوم صحة الرهن؟]
ثم قال -﵀-: وأما مسألة الرهن، فاعلم أن القبض والاستدامة شرط للزومه لا لصحته؛ فيصح ولو لم يحصل قبض ولا استدامة، لكن لو تصرف الراهن ببيع أو هبة صح ذلك، بخلاف المقبوض المستدام فلا يتصرف فيه إلا بإذن المرتهن، ولمصلحة وفائه.
[قطع يد السارق]
وأما السارق فلا تقطع يده إلا بإذن الإمام أو نائبه في الحكم.
[الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه]
وأما مسألة الطلاق في الحيض، وفي الطهر الذي جامعها فيه، فمسألة معروفة مشهورة، وجمهور أهل العلم يوقعون الطلاق فيها، ويرون أنه طلاق بدعة محرم، فاعله مستهزئ بآيات الله.
[الوقف على الضعيف]
وأما الوقف على الضعيف، فكثير من الناس يستعمل الضعيف بمعنى الفقير، والفقير عندهم من لا يجد كفاية، ولو بالقدرة على الكسب، والفقراء متفاوتون بعضهم أحوج من بعض، فيلزم الناظر أن يعطي كلا بحسبه.
[عاق والديه هل عليه حد مقدر؟]
وأما عاق والديه فليس عليه حد مقدر، لكن يعزر بقدر ما يردعه، ويردع أمثاله. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
[ ٢١٨ ]