وله أيضا -﵀ وعفا عنه- رسالة إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي المحمل، وقد سأله عن حديث جابر بن عبد الله لما توفي أبوه، وعليه ثلاثون وسقا لرجل من اليهود، وفي الحديث: "فجاء رسول الله ﷺ وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى" ١. قال السائل: وظاهر هذا إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس، وهذا ممنوع شرعا فأجابه -﵀-، وذكر تراجم الأئمة، وتعددها بحسب ما تضمن من الفقه، وأن قول السائل: وهو ممنوع شرعا عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهي خطأ منه في التعبير وغفلة، وقد بين الشيخ فسادها في نفسها، وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن -سلمه الله تعالى وهداه- آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط وصل -وصل الله حبلك وأعلا مجدك- وما ذكرته قد علم، وحديث جابر حديث صحيح مشهور خرجه الجماعة، وترجم له تراجم متعددة بحسب ما تضمن من الفقه. قال البخاري: باب إذا قاصه وجازفه في الدَّين تمرا بتمر وغيره، وذكره وقال: باب: إذا قضى دون حقه فهو جائز، وكذلك أهل السنن وسياقهم متقارب. وقال البخاري في باب المقاصة والمجازفة: قال وهب بن كيسان: إن جابر بن عبد الله أخبره أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وَسْقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن يُنظِره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ البخاري: في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (٢٣٩٦)، والنسائي: الوصايا (٣٦٣٩،٣٦٤٠)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٨٤)، وابن ماجه: الأحكام (٢٤٣٤)، وأحمد (٣/٣٧٣) .
[ ٢٨٤ ]
وسلم وكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله ﷺ النخل فمشى فيه، ثم قال لجابر: "جُذَّ له فأوف له الذي له" ١، فجذه بعدما رجع رسول الله ﷺ فأوفاه ثلاثين وَسْقا، وفضلت له سبعة عشر، فجاء جابر إلى رسول الله ﷺ ليخبره بالذي كان فوجده يصلي العصر فلما انصرف أخبره بالفضل فقال: " أخبر بذلك ابن الخطاب" ٢. فجاء جابر إلى عمر فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله - ﷺ- َليبارَكنّ فيها، وقبل هذا قال -﵀-: باب: إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، وساق الحديث مختصرا من طريق آخر، لكن ذكر فيه شاهدا للترجمة، وهو قوله: فأتيت النبي ﷺ فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي. إذا عُرِف هذا بطل قول السائل: وظاهر هذا إباحة بيع المجهول بالمعلوم في الجنس، فلا جهالة والحالة هذه لأن الحديث صريح في أن ثمر الحديقة دون الثلاثين، وإنما بُورِك فيه لما مشى فيه رسول الله ﷺ. وقول السائل: وهو ممنوع شرعا، عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهل الشرع إلا ما جاء عن الله وعن رسوله؟ وأيضا فهي فاسدة في نفسها، فإن الاعتياض بالمجهول عن المعلوم في الجنس جائز في غير رِبا الفضل إذا حصل التراضي، لأن للمدِين أن يزيد، و"خيركم أحسنكم قضاء" ولرب الدَّين أن يضع من دينه ما شاء، وفي حديث كعب: "ضع الشطر" ٣ وأن تمنع هذه المسألة لما فيه ضرر وغرر من المبايعات والمعاملات. هذا ما ظهر لي، وهو المعروف من القواعد الشرعية فانتبه -لازالت قريحتك وقّادة زكية- وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
_________________
(١) ١ البخاري: في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (٢٣٩٦)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٨٤)، وابن ماجه: الأحكام (٢٤٣٤) . ٢ البخاري: في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (٢٣٩٦)، وابن ماجه: الأحكام (٢٤٣٤) . ٣ البخاري: الصلاة (٤٧١)، ومسلم: المساقاة (١٥٥٨)، والنسائي: آداب القضاة (٥٤٠٨)، وأبو داود: الأقضية (٣٥٩٥)، وابن ماجه: الأحكام (٢٤٢٩)، وأحمد (٣/٤٥٤،٣/٤٦٠،٦/٣٨٦)، والدارمي: البيوع (٢٥٨٧) .
[ ٢٨٥ ]