وله أيضا -قدس الله روحه، ونور ضريحه- رسالة إلى سهل بن عبد الله التويجري، ومحمد آل عثمان يحضهما على الدعوة إلى الله، وقد سألاه عن هذا الحديث: "ثلاثة لا يغل عليهن قلب مسلم" ١ الحديث، فأفاد وأجاد، وبلغ من الإفادة غاية المراد، فتأمله، فإنه مفيد جدا، والله المستعان، وهذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخوين المكرمين سهل بن عبد الله ومحمد بن عثمان، حفظهما الله من طوائف الشيطان، وزينهما بزينة العلم والإيمان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما تعاقبت غدوات الدهر وروحاته، والخط وصل -وصلكم الله إلى مرضاته- وسرّني ما ذكرتما من الدعوة إلى الله
_________________
(١) ١ الترمذي: العلم (٢٦٥٨) .
[ ٣٤٨ ]
وما حصل بكما من الانتفاع، فالحمد لله على ذلك، وفي الحديث: "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلّغها؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" قلت: وهذا من عاجل ثواب الله لأهل العلم.
[الحث على تبليغ الدعوة الإسلامية إلى الناس]
وفي الحديث المبلغين ١ عن الله وعن رسوله ﷺ فإنهم يعطون نضرة في وجوههم يمتازون بها عن سائر الخلق، وفي صحيح البخاري: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٢ ٣. وتعليمه يتناول تعليم معانيه، وما دل عليه من الأصول الإيمانية والقواعد الشرعية، فإن المعنى هو المقصود، وفي الحديث: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا" ٤. والأحاديث في المعنى كثيرة.
وللحديث الأول بقية قد سألني سهل عنها، وهي قوله ﷺ: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ٥ ذكر العلامة ابن القيم وغيره: أن المعنى لا يحمل الغل ويبقى فيه مع وجود هذه الثلاث، فإنها تنفي الغل والغش وهو فساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع وجود الغل في قلبه، ويخرجه ويزيله؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه فلم يبق فيه موضع للغل.
[إخلاص العمل لله]
وقد أشار -تعالى- إلى هذا المعنى بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٦، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، ولما علم إبليس هذا المعنى استثناهم في قوله: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٧. فالإخلاص
_________________
(١) ١ كذا ولا بد أن يكون قد سقط هنا كلمة مضافة إلى المبلغين فلعل الأصل: وفي الحديث: فضل المبلغين عن الله إلخ. ٢ البخاري: فضائل القرآن (٥٠٢٧)، والترمذي: فضائل القرآن (٢٩٠٧،٢٩٠٨)، وأبو داود: الصلاة (١٤٥٢)، وابن ماجه: المقدمة (٢١١)، وأحمد (١/٥٧،١/٥٨،١/٦٩)، والدارمي: فضائل القرآن (٣٣٣٨) . ٣ هو حديث مرفوع رواه أحمد، وأكثر أصحاب السنن أيضا. ٤ مسلم: العلم (٢٦٧٤)، والترمذي: العلم (٢٦٧٤)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٩)، وأحمد (٢/٣٩٧)، والدارمي: المقدمة (٥١٣) . ٥ الترمذي: العلم (٢٦٥٨) . ٦ سورة يوسف آية: ٢٤. ٧ سورة الحجر آية: ٤٠.
[ ٣٤٩ ]
[لزوم جماعة المسلمين]
هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان. ومناصحة المسلمين تنافي الغل أيضا؛ فإن النصح لا يجامع الغل إذ هو ضده. وكذلك لزوم جماعة المسلمين مما يطهر القلب من الغل، فإن صاحبه للزومه الجماعة يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسره ما يسرهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذم كما يفعله الجهال والضلال مع شيخ الإسلام وأتباعه على توحيد الله ودينه. وكما فعله إخوانهم الرافضة والخوارج والمعتزلة والجهمية، فإن قلوبهم ممتلئة غلا وغشا، ولهذا تجدهم من أبعد الناس عن الإخلاص وأغشهم للأئمة والأمة، ولا يكونون -قط- إلا أعوانا على أهل الإسلام مع أي عدوّ نأواهم، وهذا أمر شاهدته الأمة، ومن لم يشاهده فقد سمع منه ما يصم الآذان ويشجي القلوب. وقوله ﷺ: "فإن دعوتهم تحيط مِنْ ورائهم" ١ هو بكسر الميم وإسكان النون، وهذا من أحسن الكلام وأوجزه، شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوهم عليهم؛ فكانت دعوة الإسلام سورا وحصنا لمن لزمها تحيط بتلك الدعوة، فالدعوة تجمع شمل الأمة وتلم شعثها وتحيط بها، فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشملته. هذا وما ذكرتما من الأخبار صار معلوما، والجواب من الرأس عن قريب إن شاء الله -تعالى-، وبلغوا سلامنا محمدا، ومحمدا، وإخوانكم من الطلبة، ومن لدينا الشيخ الوالد المكرم وأولاده وأولادنا بخير وينهون السلام وحال التاريخ، وفي عزمنا الركوب غزاة مع الإمام -أيدنا الله وإياه بالنصر للدين-، والسلام.
_________________
(١) ١ ابن ماجه: المناسك (٣٠٥٦)، وأحمد (٤/٨٠،٤/٨٢)، والدارمي: المقدمة (٢٢٧) .
[ ٣٥٠ ]