وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى أو لغرض دنيوي فهذا لا يجوز وصاحبه يكون متبعًا لهواه وقد نص الإمام أحمد ﵀ على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو محرمًا ثم يعتقده غير واجب أو محرم بمجرد هواه، وذلك مثل أن يكون طالبًا للشفعة بالجوار فيعتقدها أنها حق ويقول مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور ثم إذا طلبت منه الشفعة بالجوار اعتقد أنها ليست ثابته وقال مذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح. ومثل من يعتقد إذا كان أخًا مع جد أن الأخوة تقاسم الجد كما هو مذهب الأئمة الثلاثة فإذا كان جدًا مع أخ اعتقد أن الجد يسقط الأخوة كما هو مذهب أبي حنيفة. فهذا نحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحق فيما له وعليه ولا يتبع هواه ولا يتبع الرخص، فمتبع الرخص مذموم والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبع هواه.
والمتعصبون لمذاهب الأئمة تجدهم في أكثر المسائل خالفوا نصوص أئمتهم واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم فهم يحرصون على قاله الآخر فالآخر وكلما تأخر الرجل أخذوا بكلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدمين هجرًا ورغبة عنه حتى إن كتب المتقدمين لا تكاد توجد عندهم فإن وقعت في أيديهم فهي مهجورة.
فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في الإقناع والمنتهى ولا ينظرون فيما سواهما ومن خالف مذهب المتأخرين فهو عنهم مخالف لمذهب أحمد ﵀ مع أن كثيرًا من المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد يعرف ذلك من عرفه. وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم بل قد هجروا كتب المتأخرين فالمغني والشرح والإنصاف والفروع ونحو هذه الكتب التي يذكر فيها أهلها خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب لا ينظرون فيها. فهؤلاء في الحقيقة أتباع الحجاوي وابن النجار لا اتباع الإمام أحمد وكذلك متأخرو الشافعية هم في الحقيقة اتباع ابن حجر الهيتمي صاحب التحفة واضرابه من شراح المناهج فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا يعبئون به شيئًا وكذلك متأخرو المالكية هم في الحقيقة اتباع خليل فلا يعبئون بما خالف مختصر خليل شيئًا ولو وجدوا حديثًا ثابتًا في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف المذهب
[ ٥٤ ]
وقالوا الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ .
فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم فلا يرجعون إلا إليها ولا يعتمدون إلا عليها. وأما كتب الحديث كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها وكتب الفقه الكبار التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل. ويعتذرون بأنهم قاصرون عن معرفتها. فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبقى إلا التقليد، والمقلد يأخذ بقول إمامه ولا ينظر إلى دليله وتعليله، ولم يميزوا بين المجتهد المطلق الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد فهو يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد، وبين المجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب الأئمة الأربعة من غير خروج عنها، فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة وينظر في كتب الخلاف ويمعن النظر في الأدلة فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه قلد الإمام الذي قد أخذ بالدليل فهو اجتهاد مشوب بالتقليد، فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر في الأدلة فإن وجد مع أحدهم دليلًا أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة دليلًا من الجانبين أخذ بما عليه الجمهور، فإن لم يجد ذلك بل قوي الخلاف عنده من الجانبين التزم قول إمامه إذا لم يترجح عنده خلافه. فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره وجعلوهما نوعًا واحدًا، وهذا غلط واضح فإن من كان قاصرًا في العلم لا يستقل بأخذ الأحكام من الأدلة بل يسأل أهل العلم كما نص عليه الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله وقد ذكرناه فيما تقدم.
وأما الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل وبما عليه الجمهور فهذا الذي ينبغي العدول عنه وهو الذي ذكره صاحب الإفصاح. وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو السنة فهذا مذموم غير ممدوح وقد ذمه صاحب الإفصاح كما تقدم ذكره بل قد ذمه الأئمة ﵃.
قال الشافعي ﵀: طالب العلم بلا حجة كحاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يحل لأحد يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه. وقد صرح مالك أن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب. فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دون إبراهيم أو مثله.
فقال جعفر الفريابي حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل (قال) قلت لمالك بن أنس يا أبا عبد الله إن عندنا قومًا وضعوا كتابًا يقول أحدهم حدثنا فلان عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك وصح عندهم قول عمر؟ قلت إنما هي رواية كما صح عنده قول إبراهيم، فقال هؤلاء يستتابون.
[ ٥٥ ]
وقال أبو عمر بن عبد البر يقال لمن قال بالتقليد. لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسول الله صلى الله عليه لم أحصها والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني.
قيل له أما العلماء إذا أجمعوا على تأويل شيء من كتاب أو حكاية عن سنة رسول الله ﷺ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟ فإن قال قلدته لأني أعلم أنه على صواب. قيل له علمت ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع؟ فإن قال نعم أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال قلدته لأنه أعلم مني، قيل له فقلد كل من هو أعلم منك فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا ولا تخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك. فإن قال قلدته لأنه أعلم الناس، قيل له فهو إذًا أعلم من الصحابة فكفى بقول مثل هذا قبحًا،١.
"فإن قال أنا أقلد بعض الصحابة، قيل له فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟ على أن القول لا يصح بفضل قائله وإنما بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مدين عن عيسى بن دينار عن القاسم عن مالك قال ليس كلما قال الرجل قولًا وإن كان له فضل يتبع عليه لقوله ﷿ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ .
فإن قال قصري وقلة علمي تحملني على التقليد، قيل له أما من قلد فيما ينزل به أحكام شرعية عالمًا يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره به فمعذور لأنه قد أتى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولابد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك يصيرها إلى غير من كانت في يده بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه وهو مقر أن صاحبه يخطئ ويصيب وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة وكفى بذلك جهلًا وردًا للقرآن قال الله ﷿: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يستقين فليس بعلم وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئًا".
ثم ذكر حديث ابن عباس ﵁ "من أفتى بفتيا وهو يعمي عنها كان
_________________
(١) ١ إنه على قبحه بمخالفة إمامه وسائر الأئمة على تفضيل الصحابة على أنفسهم باطل بالبداهة فإن المجتهد لا يمكنه أن يعرف أعلم الناس على الإطلاق فضلًا عن المقلد الذي لا يعرف أدلة أحد منهم.
[ ٥٦ ]
إثمها عليه" موقوفًا ومرفوعًا، قال وثبت عن النبي ﷺ: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" قال ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى.
فتأمل ما في هذا الكلام من الرد على من يقول بلزوم التمذهب بمذهب من هذه المذاهب الأربعة لا يخرج عن ذلك المذهب ولو وجد دليلًا يخالفه لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه ويجعل هذا عذرًا له في رد الحديث أو ترك العمل به.
وتأمل قوله لا خالف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. ومراده إذا كان المقلد قادرًا على الاستدلال وأما العاجز عنه فهو كالأعمى يقلد في جهة القبلة فهو معذور إذا كان عاجزًا وقد حكى الإمام أبو محمد بن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب بعينه لا يخرج عنه فقال: أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكم ولا لمفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتى إلا بقوله انتهى.
فحكاية الإجماع من هذين الإمامين أعني أبا عمر بن عبد البر وأبا محمد بن حزم كاف في إبطال قول المتعصبين للمذهب والله ﷾ أعلم.
بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط
ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين آمين.
[ ٥٧ ]