(رسائل وفتاوي الشيخ حمد بن ناصر بن معمر)
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(الأولى) ما قول العلماء ﵃ فيمن صلى خلف الإمام؟ وما حكمه؟
(الجواب وبالله التوفيق) السنة أن يقوم المأمومون خلف الإمام فإن كان واحدًا صلى عن يمينه، فإن كان معهم امرأة قامت خلفهم، فإن وقف المأموم قدام الإمام لم تصح صلاته، وإن وقف الرجل خلف الصف أو خلف الإمام لم تصح صلاته.
(الثانية) هل تصح صلاة من أخل بأعراب الفاتحة أم لا؟
(الجواب وبالله التوفيق) هذه المسألة فيها روايتان عن أحمد (إحداهما) لا تفسد ملحون فيها لحنا يحيل المعنى نحو أن يقول (أنعمت) برفع التاء فإن فعل لم يعتد بقراءته إلا أن يكون عاجزًا، وهذا مذهب الشافعي فإن كان لحن فيها يحيل المعنى نحو أن يكسر النون لم تبطل صلاته.
(الثالثة) إذا صلى من في بدنه أو ثوبه نجاسة لنسيها أو لم يعلم بها إلا بعد انقضاء صلاته هل يعيدها أم لا؟
(الجواب وبالله التوفيق) هذه المسئلة فيها روايتان عن أحمد (إحداهما) لا تفسد صلاته وهو قول ابن عمر وعطاء لحديث النعلين، وفيه "يصلي بأصحابه إذا خلع نعليه –إلى أن قال- إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى" رواه أبو داود، ولو بطلت لاستأنفها (والثانية) يعيد وهو مذهب الشافعي فإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير كخلع النعال والعمامة ونحوها أزالها وبنى على ما مضى من صلاته وإلا بطلت.
(الرابعة) إذا صلى الإمام محدثًا جاهلًا هو والمأمومون حتى سلموا ما حكم صلاتهم؟
(الجواب وبالله التوفيق) صلاتهم صحيحة دون الإمام فإنه يعيد روي عن عمر وعثمان وعلي ومالك والشافعي وإن علمه في الصلاة بطلت وأعادها.
(الخامسة) إذا كان في أعضاء الوضوء نجاسة أو في بدن الجنب نجاسة فزالت بغسل من نوى غسل الجنابة ولم ينو إزالتها هل تزول أم لابد من النية؟
(الجواب) غسل النجاسة لا يفتقر إلى النية بل متى زالت النجاسة بالماء طهر
[ ٩٥ ]
المحل لأنها من باب التروك بخلاف الأوامر فإنها تفتقر إلى النية لقوله ﵊: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" الحديث ولكن عليه أن يزيل النجاسة عن أعضائه وعن بدنه قبل الغسل.
(السادسة) إذا توضأ الإنسان لمشروع كالنافلة وصلاة الجنازة لم ينو به الفرض هل يصلي به الفرض أم لا؟
(الجواب) يصلي به ما شاء فرضًا أو نفلًا، قال في الشرح الكبير ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد. لا نعلم فيه خالفًا.
(السابعة) إذا دخل الوقت على عادم الماء وهو يرجو أن يصلي في آخر الوقت هل يصلي بالتيمم في أول الوقت أو يؤخر الصلاة حتى يأتي الماء؟
(الجواب) قال في الشرح: يستحب تأخير التيمم لآخر الوقت كمن يرجو وجود الماء. روي ذلك عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي وقال الشافعي في أحد قوليه التقديم أفضل. انتهى.
(الثامنة) إذا طلقت المرأة وهي ترضع ولم يأتها الحيض بسبب الرضاع ما عدتها؟
(الجواب) هي في عدة حتى يأتيها الحيض فتعتد به ثلاث حيض أو تصير آيسة فتعتد بثلاثة أشهر.
(التاسعة) إذا ادعت المرأة أنها اعتدت بعد الطلاق في وقت تمكن العدة فيه هل تصدق أم لا؟ وإذا شهدت امرأة أو امرأتان أنها اعتدت بالحيض أتقبل شهادتهن في ذلك لعدم إطلاع الرجل أم لا؟
(الجواب) تصدق لقوله تعالى ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية وإذا شهدت امرأة عدلة أنها حاضت ثلاث حيض وهو ممكن قبلت والأحوط شهادة المرأتين.
(العاشرة) هل وجه الأمة المملوكة عورة فيلزمها الخمار كالحرة أم لا؟
(الجواب) لا يلزمها لأن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى الإماء عن التقنع فاشتهر ولم ينكر فكان إجماعًا لكن إن كانت المرأة جميلة يخشى بها الفتنة فلا يجوز النظر إليها بشهوة، وأما الحرة فلا يجوز كشف وجهها في غير الصلاة بغير خلاف، والأمة إذا اعتقت فهي حرة.
(الحادية عشرة) ما حكم الكلام عند الأذان والإقامة وتلاوة القرآن والكلام عند الجماع؟
(الجواب) قال في الشرح: يستحب لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا مستحب لا نعلم فيه خلافًا، ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة
[ ٩٦ ]
وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته. رواه البخاري. وقال بعض العلماء كذلك عند الإقامة.
وأما الكلام عند تلاوة القرآن فقال النووي في كتابه (التبيان) ويتأكد الأمر باحترام القرآن من أمور (فمنها) اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القرآن إلا كلام يضطر إليه ويتمثل لأمر الله، قال تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي اسكتوا، وعن عمر أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأه. انتهى
وأما الكلام حال الجماع فيكره كثرة الكلام حال الوطء قيل أنه يكون منه الخرس والفأفاء.
(الثانية عشرة) هل ينادي الشخص والديه بأسمائهم أو قرابته أو هو من العقوق؟
(الجواب) قال في (كتاب الأذكار) باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ أن ينادي أباه أو معلمه أو شيخه باسمه. روينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معه غلام فقال: "ياغلام من هذا؟ " قال أبي. قال "لا تمش أمامه ولاتستبر له ولا تجلس قبله ولا تدعه باسمه" (قلت) معنى (لا تستبر له) أي الا تفعل فعلًا تتعرض فيه لأن يسبك زجرًا وتأديبًا على فعلك القبيح، وروينا فيه عن عبد الله بن زحر قال: كان يقال من العقوق أن تدعو أباك باسمه وأن تمشي أمامه في الطريق. انتهى. وأما القرابة غير الوالدين فلا أعلم بندائهم بأسمائهم بأسًا.
(الثالثة عشرة) هل يجوز التفرقة بين المملوكة وولدها في البيع أم لا؟
(الجواب) لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم قبل البلوغ لقوله ﷺ: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" حديث حسن.
(الرابعة عشرة) هل يفتقر غسل النجاسة إلى عدد أم لا؟
(الجواب) أما نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما إذا أصابت غير الأرض فيجب غسله سبعًا إحداهن بالتراب سواء من ولوغه أو غيره لأنهما نجسان وما تولد منهما لقوله ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" متفق عليه ولمسلم أولاهن بالتراب، وأما النجاسة على الأرض فيطهرها أن يغمرها في الماء ويذهب عينها ولونها لقوله ﷺ: "صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء" متفق عليه وأما باقي النجاسات ففيه عن أحمد ثلاث روايات (الأولى) تغسل سبعًا (والثانية) ثلاثًا (والثالثة) تكاثر بالماء حتى تذهب عينها ولونها من غير عدد لقوله ﷺ: "اغسليه بالماء" ولم يذكر عددًا وهو مذهب الشافعي واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو المفتى به عندنا.
[ ٩٧ ]
(الخامسة عشرة) إذا تكلم المصلي في نفس الصلاة أو تنحنح هل تبطل صلاته أم لا؟
(الجواب) إن تكلم فيها عمدًا لغير إصلاح بطلت بالإجماع وإن تكلم ناسيًا أو جاهلًا بتحريمه لم تبطل في إحدى الروايتين عن أحمد وهو مذهب الشافعي لحديث معاوية بن حكيم حيث تكلم في صلاته ولم يأمره بالإعادة وكذلك إن تنحنح لم تبطل وقيل إن بان حرفان بطلت.
(السادسة عشرة) هل يحل عرض أحد من المسلمين أم لا؟
(الجواب) الغيبة محرمة بالإجماع وهي ذكرك أخاك بما يكرهه لو كان حاضرًا ويباح منها ستة أسباب (الأول) التظلم فيجوز للمظلوم أن يقول لمن له قدرة فلان ظلمني أو فعل بي كذا ونحو ذلك.
(الثاني) الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر فلان يعمل كذا فأزجره عنه.
(الثالث) الاستفتاء بأن يقول للمفتي ظلمني أبي أو أخي أو فلان بكذا ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة.
(الرابع) تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم (فمنها) جرح المجروحين من الرواة والشهود (ومنها) إذا تشارك إنسان في مصاهرة أو معاملة ونحو ذلك فيجب عليك أن تذكر له ما تعلم منه على وجه النصيحة (ومنها) إذا رأيت من يشتري سلعة معيبة فعليك أن تبين للمشتري وهذا على كل من علم بالعيب وجب عليه تبيانه.
(الخامس) أن يكون مجاهرًا بالفسق أو ببدعة كالمجاهرة بشرب الخمر وخيانة الأموال ظلمًا وتولي الأمور الباطلة فيجوز ذكره بما يجاهر به ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوزه سبب آخر.
(السادس) التعريف إذا كان الإنسان معروفًا بلقب كالأعرج والأعمى ونحوهما جاز تعريفه بذلك بنية التعريف لا التلقيب.
فهذه الستة ذكرها العلماء مما تباح بها الغيبة ودلائلك مشهور في الأحاديث.
تمت فرحم الله من نظر فيها وأصلح خلل ألفاظها ومعانيها بعد التحقق فإن الإنسان لا يعصم من الخطأ والنسيان، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٩٨ ]