من حمد بن ناصر إلى الأخ سعيد أسعده الله بطاعته وجعله من أهل ولايته.
سلام عليكم ورحمه الله وبركاته. وبعد الخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وسر الخاطر حيث أفاد العلم بطيبكم وصحة حالكم أحال الله عنا وعنك جميع ما نكره.
وأما المسألة المسئول عنها هل الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة أم لا؟ فالمسألة فيها ثلاث روايات عن أحمد ليس كما ذكر صاحب الشرح حيث ذكر أن الدين يمنع وجوب الزكاة رواية واحدة، والروايات الثلاث حكاها في الفروع والانصاف.
(الأولى) وهي المذهب الدين يمنع وجوب الزكاة.
(والثانية) أنه لا يمنع مطلقًا كما هو مذهب الشافعي.
(الثالثة) الفرق بين الحال وغيره فالحال يمنع وجوب الزكاة بخلاف المؤجل واختار هذه الرواية بعض الأصحاب وهي ظاهر حديث عثمان لأنه قال هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه ثم ليزك ما بقي، وهذه الرواية هي التي عليها ظاهر الفتوى.
[ ١٣٠ ]
(المسألة الثانية) وهي أن الناس قبل الإسلام منهم من لا يورث المرأة ومنهم من يصالحها ويسلمون وبينهم عقار ونحوه من الإرث شيء باعه الرجال ولم يعطوا النساء منه شيئًا قبل الإسلام الخ، فالذي عليه الفتوى في هذه المسائل أعني عقود الجاهلية من نكاح وبياعات وعقود الربا والغصوب ومنع المواريث أهلها ونحو ذلك أن من أسلم على شيء من ذلك لم نتعرض له فلا نتعرض لكيفية عقد النكاح هل وقع بشروطه كالولي والشهود ونحو ذلك، وكذلك البياعات لا تنقض إذا اسلم المتعاقدان ولا ننظر كيف وقع العقد، وكذلك عقود الربا إذا أسلما ولم يتقابضا بل أدركهما الإسلام قبل التقابض فليس لصاحب الدين إلا رأس ماله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ .
وأما المال المقبوض فلا يطالب به القابض إذا أسلم لقوله تعالى: ﴿َمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ وكذلك المواريث والغصوب فإذا استولى إنسان على حق غيره وتملكه في جاهليته ومنع ملكه بحيث أيس منه ثم أسلم وهو في يده لا ينازع فيه فهذا لا نتعرض له لظاهر قوله ﷺ: "الإسلام يجب ما قبله" ولأن الناس أسلموا في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ولم يبلغنا أنهم نظروا في أنكحة الجاهلية ولا في عقودهم ومعاملاتهم ولا في غصوبهم ومظالمهم التي تملكوها في حال كفرهم.
قال ابن جريج قلت لعطاء أبلغك أن رسول الله ﷺ أقر الجاهلية على ما كانوا عليه؟ قال لم يبلغنا إلا ذلك، وقال الإمام أحمد في رواية مهنا من أسلم على شيء فهو عليه.
وقال الشيخ تقي الدين ولو تزوج المرتد كافرة مرتدة كانت أو غيرها ثم أسلما فالذي ينبغي أن يقال هنا أن نقرهم على مناكحهم كالحربي إذا أنكح نكاحًا فاسدًا ثم أسلما فإن المعنى واحد وهو جيد في القياس إذا قلنا أن المرتد لا يؤمر بقضاء ما تركه في الردة من العبادات، فأما إذا قلنا أنه يؤمر بقضاء ما تركه من العبادات ويضمن ويعاتب على ما فعله ففيه نظر، وما يدخل في هذا كل عقود المرتدين إذا أسلموا قبل التقابض أو بعده، وهذا باب واسع يدخل فيه جميع أحكام أهل الشرك في النكاح وتوابعه والأموال وتوابعها أو استولوا على مال مسلم أو تقاسموا ميراثًا ثم أسلموا بعد ذلك والدماء وتوابعها كذلك. انتهى كلام الشيخ ﵀.
وقال ﵀ في موضع آخر: ولو تقاسموا ميراثًا جهالًا فهذا شبيه بقسم ميراث المفقود إذا ظهر حيًا لا يضمنون ما أتلفوا لأنهم معذورون، وأما الباقي فيفرق بين المسلم والكافر فإن الكافر لا يرد باقيًا ولا يضمن تالفًا انتهى.
وأما قولك: وأيضًا ذكر الفقهاء أن المرتد لا يرث ولا يورث فكفار أهل زماننا هل هم مرتدون أم حكمهم حكم عبدة الأوثان لأنهم مشركون؟ (فنقول) أما من دخل منهم
[ ١٣١ ]
في الإسلام ثم ارتد عنه فهؤلاء مرتدون وأمرهم عندك واضح، وأما من لم يدخل في دين الإسلام بل أدركته الدعوة الإسلامية وهو على كفره كعبدة الأوثان اليوم فهذا حكمه حكم الكافر الأصلي لأنا نقول أن الأصل الإسلام والكفر طاريء، بل نقول الذين نشأوا بين الكفار وأدركوا آباءهم على الشرك بالله هم كآبائهم كما دل عليه الحديث الصحيح "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فإذا كان دين آبائهم الشرك بالله فنشأ هؤلاء عليه واستمروا عليه فلانقول الأصل الإسلام والكفر طاريء، بل نقول هم كالكفار الأصليين ولا يلزم هنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور هذا الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم، بل نقول من كان من أهل الجاهلية عاملًا بالإسلام تاركًا للشرك فهو مسلم وأما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين فهو ظاهره الكفر وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لجهله وعدم من ينبهه لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك أمره إلى الله والله تعالى لم يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة كما قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وأما من مات منهم مجهول الحال فهذا لا نتعرض له ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه وليس ذلك مما كلفنا به ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فمن كان منهم مسلمًا أدخله الله الجنة، ومن كان منهم كافرًا أدخله الله النار، ومن كان لم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله، وقد علمت اختلاف العلماء في أهل الفترة ومن لم تبلغه الحجة الرسالية وأيضًا فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا بما حكم به الفقهاء في المرتد بأنه لا يرث ولا يورث لأن من قال بأنه لايرث ولا يورث يجعل ماله فيئًا لبيت مال المسلمين وطرد هذاالقول أن يقال جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال لأنهم ورثوها عن أهاليهم وأهاليهم مرتدون ولا يورثون وكذلك الورثة مرتدون لايرثون لأن المرتد لايرث ولايورث، وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين لم يكن شيء من ذلك بل يتوارثون، فإذا أسلموا فمن أسلم على شيء فهو له ولا نتعرض له ولا نتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم لا المواريث ولا غيرها، وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "من أسلم على شيء فهو له" ونص أحمد على مثل ذلك كما تقدم عنه في رواية مهنا.
وأعلم بأن القول بأن المرتد لا يرث ولا يورث أحد الأقوال في المسألة وهو المشهور في المذهب وهو مذهب مالك الشافعي (والقول الثاني) أنه لورثته من المسلمين وهو رواية عن أحمد وهو مروي عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وهو قول جماعة من التابعين وهو الأوزعي وأهل العراق (والقول الثالث) أن ماله لأهل دينه الذي اختاره ان كان منهم من يرثه وإلا فهو فيء وهو رواية عن أحمد وهو مذهب داود بن علي والسلام.
(فائدة) قال في الإقناع وشرحه: وإذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسميًا حل لربه ونحوه أكله ولم يكن ميتة كالمغصوب ويقطع السارق إن كان قيمة
[ ١٣٢ ]
المذبوح نصابًا وإلا فلا –إلى أن قال: - ومن سرق من ثمر أو شجر أو جمار نخل وهو الكثر بضم الكاف وفتح المثلثة قبل إدخاله الحرز كأخذه من رءوس النخل وشجر من بستان لم يقطع، وإن كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرتين لحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر" رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بغيته من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة" ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ قيمتها على سارقها ردعًا له وزجرًا بخلاف غيرها، وقوله ﷺ "غير متخذ خبنة" بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي غير متخذًا في حجره، ومن سرق منه أي من الثمر نصابًا بعد أن يؤويه الحرز كجرين ونحوه أو سرق نصابًا من ثمر من شجره في دار محرزة قطع لقوله ﵇ في حديث عمرو بن شعيب السابق " ومن سرق منه شيء بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه أحمد والنسائي وأبو داود ولفظه له، وكذلك الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة تضمن بمثلي قيمتها ولا قطع كثمر وكثر، واحتج أحمد بأن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة مزينة مثلي قيمتها. رواه الاثرم، وما عداها أي الثمر والكثر والماشية يضمن بقيمته مرة واحدة إن كان متقومًا أو مثله إن كان مثليًا كان التضعيف فيها على خلاف القياس للنص فلا يتجاوزه محل النص وقال في كتاب الأطعمة: ومن مر بثمر على شجر أو مر بثمر ساقط تحته لا حائط عليه أي على الشجر ولا ناظر ولو كان المار غير مسافر ولا مضطر فله أن يأكل منه ولو لغير حاجة إلى أكله ولو أكله من غصونه من غير رميه ولا ضرر به ولا صعود شجره لما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت حائط بستان فناد: يا صاحب البستان. فان أجابك وإلا فكل من غيرأن تفسد " رواه أحمد وابن ماجه ورجاله ثقات.
قال في المبدع: وروى سعيد باسناده نحوه مرفوعًا، ومثله عن عبد الرحمن بن سمرة وأبو برزة وهو قول عمرو بن شعيب وابن عباس وعلم منه أنه لا يجوز رميه بشيء ولا صعود شجره لأنه يفسد، واستحب جماعة أن ننادي قبل الأكل ثلاثًا يا صاحب البستان فان أجابه وإلا أكل للخبر السابق، وكذلك ينادي للماشية إذا أراد أن يشرب من لبنها ولبن ماشية إذا مر بها كالثمر لما روى الحسن عن سمرة مرفوعًا قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان صاحبها فيها فليستأذنه فإن لم يجد أحدًا فليحتلب وليشرب ولا يحتمل" رواه الترمذي وصححه، وحديث ابن عمر "لا يحتلبن أحدكم ماشيته إلا بإذنه" متفق عليه يحتمل حمله على ما إذا كان حائط أو حافظ جمعًا بين الخبرين، والأولى في الثمار وغيرها كالزرع ولبن الماشية لا يأكل منها إلا بإذن خروجًا من الخلاف انتهى كلام الإقناع وشرحه، وصلى الله عليه محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٣٣ ]