وهذه مسائل أخر سئل عنها الشيخ الإمام أحمد بن ناصر ﵀
(المسألة الأولى) إذا التقى فئتان من المسلمين ووقع بينهما قتال وقتل من إحدى الطائفتين رجل وعلم قاتله بعينه ورضوا بالدية فهل تكون الدية على القاتل أم على أم على جميع الطائفة؟
[ ٩١ ]
فنقول وبالله التوفيق إذا اقتتلت طائفتان لعصبيه أو رياسة ونحو ذلك فهما ظالمتان وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى صرح بذلك في الشرح الكبير والانصاف والإقناع والشيخ تقي الدين في السياسة الشرعية قال في الانصاف بعد قوله "وتضمن كل واحدة ما أتلفته على الأخرى" وهذا بلا خلاف أعلمه: لكن قال الشيخ تقي الدين أن جهل قدر ما تهبه كل طائفة تساقطا كمن جهل الحرام من ماله أخرج نصفه والباقي له. وقال أيضًا أوجب الأصحاب الضمان على مجموع الطائفة وإن لم يعلم عين المتلف قال في الإقناع وشرحه فلو دخل بينهم بصلح وجهل قاتله ضمناه وإن علم قاتله من طائفة وجهل عينه ضمنته وحدها قال ابن عقيل ويفارق المقتول في زحام الجامع والطواف أن الزحام والطواف ليس فيه تعلا بخلاف الأول انتهى.
قال مالك في الموطأ في جماعة اقتتلوا فأنكشفوا وبينهم قتيل أو جريح لا يدري من فعل ذلك به إن أحسن ما سمعه في ذلك العقل وإن عقله على القوم الذين نازعوه وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين فعقله على الفريقين جميعًا انتهى. وقال في الشرح الكبير إذا اقتتلت الفئتان فتفرقوا عن قتيل من أحدهما فاللوث على عاقلة القتيل وهذا قول الشافعي وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه وهذا قول مالك وقال ابن أبي ليلى عقله على الفريقين جميعًا لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعض فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح انتهى.
وقال في الانصاف بعدما ذكر نص أحمد هذا: قال الإمام أحمد قضى به علي. وحمله على من ليس به جرح من دية القتلى شيء فيه وجهان قال ابن حامد قلت الصواب على أنهم يشاركونهم في الدية انتهى.
فهذا كلام الفقهاء فيما إذا جهل عين القاتل وأما إذا علم القاتل ففيه تعلق الحكم به فإن كان القتل عمدًا فأولياؤه يخيرون إن شاءوا اقتصوا أو إن شاءوا أخذوا الدية فإن قبلوا الدية فهو من مال القاتل دون العاقلة ولا شيء على الطائفة التي هو منها إلا أن يكونوا قطاع الطريق لأنهم ردؤهم ومباشرهم سواء وكذا إن تواطؤا على قتله فقتله بعضهم وإعانة الأخرون كالممسك مع القاتل عند مالك وهو إحدى الروايتين عن أحمد فتكون الدية على المباشر والمعين لأنهم سواء عند الجمهور ذكره الشيخ تقي الدين.
(والمسألة الثانية) إذا ادعى على رجل أنه قتل رجلًا فأقر بالقتل ولكن ادعى أنه قتله خطأ فهل يقبل قوله أم لا؟ فنقول إذا لم يكن للمدعي بينة وعلم القتل وصار ثبوت القتل بإقرار المدعي عليه سئل المدعي عليه عن صفة القتل فإن كان عمد الفعل بما يقتل غالبًا على تفصيل الفقهاء في أول كتاب الجنايات فهذا لا يقبل قوله في دعوى الخطأ لأنه أقر أنه ضربه بما يقتل غالبًا وإن أنكر يكون تعمد الفعل بل زعم أنه خطأ
[ ٩٢ ]
محض وفسره بذلك فالقول قوله ولا قصاص عليه لان من شرطه أن يكون القتل عمدًا محضًا والأصل عدم ذلك وعلى هذا فتكون الدية في ماله دون عاقلته.
(والمسألة الثالثة) إذا اقتتلت طائفتان وادعت إحداهما بالتعدي من الأخرى وجاءوا بالشهود وادعى المشهود عليهم بأن الشهود من الطائفة المقاتلة لهم فهل ترد شهادتهم بذلك؟ فنقول ينظر في حال الشهود فان كانوا عدولا وادعوا أنهم لم يحضروا القتال ولم يدخلوا معهم وعلم صدقهم بقرائن الحال ترد شهادتهم بمجرد دعوى الخصوم لأن الخصم إذا جرح الشاهد العدل لا يقبل قوله فيه إلا ببينة. وأما إذا كان الشهود لا يعرفون بالعدالة أو كانت القرائن تدل على أنهم حاضرون معهم وأنهم من جملتهم لم يقبلوا ولم تسمع شهادتهم. ومن صور المسألة ما جرى بين الوداعين وأهل ميراث فان الوداعين زعموا أن معهم البينة على أنهم لم يبدؤ بقتال وانما قتلوا دفعًا على أنفسهم فلما سألنا عن شهودهم إذا هم من جملتهم الذين غزوا فقلنا لهم هؤلاء من جملتكم وعليهم من الدية بقدر نصبيهم منها ولا تقبل شهادتهم بأنهم يدفعون بها عن أنفسهم والمسألة واضحة في كلام العلماء لا تحتاج إلى نقل عبارات الفقهاء والله أعلم.
(والمسألة الرابعة) إذا أرضعت امرأة مطلقة ولدها ولم يجر بينهما وبين الأب مشارطة على الرضاع ولكنها نوت الرجوع عليه وأشهدت على أنها محتسبة عليه فهل لها ذلك أم لا يثبت لها أجرة إلا بالمشارطة بينهما وبين الأب؟ فنقول قد ذكر الفقهاء أن الأم أحق برضاع ولدها إذا طلبت ذلك بأجرة مثلها ولكن اختلفوا هل لها ذلك إذا كانت في حبال الزوج أم لا؟ وأما إذا كانت مطلقة فهي أحق برضاعه وأن طلبت أجرة مثلها ولو مع وجود متبرعة غيرها واستدل صاحب الشرح بقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ فقدمهن على غيرهن وقال ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجرة مثلها فما ذكرنا من الآيتين، ولأن الأم أحنى وأشفق ولبنها أمرأ من لبن غيرها فكانت أحق به من غيرها، كما لو طلبت الأجنبية إرضاعه بأجرة مثلها ولأن في إرضاع غيرها تفويتا لحق من الحضانة وإضرارًا بالولد ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق أوجبه الله على الأب انتهى.
فإذا عرفت أنها أحق بإرضاعه بأجرة المثل ولو وجد الأب متبرعة تبين لك أن لها الرجوع بالأجرة على الأب إذا نوت ذلك وأشهدت عليه وان لم تشارط الأب لأن غاية ما يقال لعل الأب يجد متبرعة أو يجد من يرضعه بدون أجرة المثل فيقال في جواب ذلك الأم أحق به ولو حصل من يتبرع برضاعه فحينئذ لا تأثير لكونها تشارط أو لا تشارط لأنها متى أرضعته وطلبت أجرة مثلها لزم الأب ذلك إلا أن تكون أرضعته متبرعة برضاع ابنها ولو تنوي الرجوع على الأب فلا شيء لها والله أعلم.
(المسألة الخامسة) هل منيحة الناقة ونحوها كالعاربة والقول فيهما سواء؟
[ ٩٣ ]
فيقال المنيحة عارية لأنه قبضها للانتفاع بلبنها فهو قابض بحظ نفسه وللمعير الرجوع في العارية متى شاء فان تلفت عند المستعير فهل هي مضمونة بكل حال كما هو المشهور عن أحمد والشافعي أم لا تضمن مطلقًا كما هو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وهو اختيار ابن القيم في الهدي أم لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها كما هو اختيار الشيخ ولا يخفي الراجح عند التأمل وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. وقع ذلك سنة ١٢٢٥هـ.
[ ٩٤ ]