رسالة ثامنة
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وهذا جواب المسائل واصلك إن شاء الله تعالى.
(الأولى) فيمن طلق زوجته في مرض موته وأبانها فالذي عليه العمل أنها ترثه ما دامت في العدة في قول جمهور العلماء وكذا ترثه بعد العدة ما لم تتزوج كما ذهب إليه مالك والإمام أحمد في رواية بل مذهب مالك أنها ترثه ولو تزوجت والراجح الأول.
(وأما المسألة الثانية) وهي قولهم في المطلقة عليها أطول الأجلين من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشرًا فصورة المسألة على ما صورته في السؤال وأما الخلاف فالمشهور عن أحمد المعمول به عند أصحابه أن المطلقة البائن في مرض الموت تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء وهذا مذهب أبي حنيفة وقال مالك والشافعي تبني على عدة الطلاق.
(وأما المسألة الثالثة) فالمشهور جواز إجارة العين المستأجرة قال في المغني يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي والشعبي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأما اجارتها قبل قبضها فلا يجوز من غير المؤجر في إحدى الوجهين وهو قول أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي ويجوز للمستأجر إجارة العين بمثل الأجرة وزيادة نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وابن المنذر.
(وأما المسألة الرابعة) وهي مسألة الحرز فالحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه ويختلف باختلاف الأموال فحرز الغنم الحظيرة وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها إذا كان يراها في الغالب وأما إذا نام عنها فقد خرج من الحرز والضابط ما ذكرناه وهو أن الحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه الأموال تختلف وتفصيل المسألة مذكور في باب القطع في السرقة فراجعه.
(وأما المسألة الخامسة) وهي السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز فهذا لا قطع فيه ولو كان عليه حائط أو حافظ إذا كان في رؤوس النخل لحديث رافع بن خديج "لا قطع في ثمر ولا كثر " وكذلك الماشية تسرق من المرعى إذا لم تكن محرزة لا قطع فيها وتضمن بمثل قيمتها والثمر يضمن بمثلي قيمته لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وروى الأثرم أن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل مزينة مثلي قيمتها وهذا مذهب أحمد. وأما الجمهور فقالوا: لا يجب عليه إلا غرامة مثله قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بغرامة مثليه وحجة أهل القول الأول حديث عمرو بن شعيب قال أحمد لا أعلم شيئًا يدفعه. وأما المختلس والمنتهب والخائن وغيرهم فلا يغرم إلا مثله
[ ٧٣ ]
من غير زيادة على المثل والقيمة لأن الأصل وجوب غرامة المثل بمثله والمتقوم بقيمته خولف في هذين الموضعين للأثر ويبقى ما عداهما على الأصل.
(وأما المسألة السادسة) إذا جامع جاهلًا أو ناسيًا في نهار رمضان هل حكم الجاهل حكم الناسي أم بينهما فرق؟
فالمشهور أن حكمها واحد عند من يوجب الكفارة وبعض الفقهاء فرق بين أن يكون جاهلًا بالحكم أو جاهلًا بالوقت فأسقط الكفارة عن الجاهل بالوقت كما لو جامع أول يوم من رمضان يظن أنه من شعبان أو جامع معتقدًا أن الفجر لم يطلع فبان أنه قد طلع ومن أسقطها عن الجاهل بالوقت فالناسي مثله وأولى قال الشيخ تقي الدين: لا قضاء على من جامع جاهلًا بالوقت أو ناسيًا ولا كفارة أيضًا.
(وأما المسألة السابعة) وهي مسألة القذف فالقذف ينقسم إلى صريح وكناية كالطلاق فالصريح ما لا يحتمل غيره نحو يازاني يا عاهر ونحو ذلك والكناية التعريض بالألفاظ المجملة المحتملة للقذف وغيره فان فسر الكناية بالزنا فهو قذف لأنه أقر بالقذف وأن فسره بما يحتمله غير القذف قبل مع يمنيه ويعزر تعزيرًا يردعه وأمثاله ونحو ذلك فمتى وجد منه اللفظ المحتمل للقذف وغيره ولم يفسره بما يوجب القذف فانه يعزر ولا حد عليه.
(وأما المسألة الثامنة) هل للأب أن يأخذ من صداق ابنته أم لا؟ فالمشهور عن أحمد جوازه وهو قول اسحق بن راهويه وقد روي عن مسروق أنه زوج ابنته واشترط لنفسه عشرة آلاف يجعلها في الحج والمساكين ثم قال للزوج: جهز امرأتك وروي ذلك عن علي بن الحسين أيضًا واستدلوا لذلك بما حكى الله عن شعيب ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ وبقوله ﷺ "أنت ومالك لأبيك" وقوله "إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم" فإذا شرط لنفسه شيئًا من الصداق كان آخذا من مال ابنته وله ذلك.
(وأما المسألة التاسعة) إذا كان لأنسان طعام في ذمة رجل وليس هو سلمًا وذلك بأن يكون قرضًا أو إجارة أرض أو عمارة تخل وأراد صاحبه أن يأخذ عنه جنسًا آخر من الطعام فهذا لا بأس به إذا لم يتفرقًا وبينهما شيء فان اتفقًا على المعارضة وتفرقًا قبل التقابض لم يثبت الأول ومتى تقايضًا جازت المعاوضة كما يجوز ذلك في بيع الأعيان لقوله ﷺ: " إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد " وكما وردت السنة بمثل ذلك في قبض الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم في حديث ابن عمر.
(وأما المسألة العاشرة) فالعاصب للميت من كان أقرب من غيره بعد العاصب أو قرب فمتى ثبت النسب بأن هذا ابن عم الميت ولا يعرف أحدًا أقرب منه فهو العاصب ولو بعد عن الميت فان عرف أن هذا الميت من هذه القبيلة ولم يعرف له عاصب معين
[ ٧٤ ]
وأشكل الأمر دفع إلى أكبرهم سنًا فان كان للميت وارث ذو فرض أخذ فرضه ولم يوجد عاصب فالرد إلى ذوي الفروض أولى من دفعه إلى بيت المال ويرد على أهل الفروض على حسب ميراثهم إلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهم.
(وأما المسألة الحادية عشرة) إذا زنت المرأة البكر وجلدت فهل تغرب أم لا فالمسألة فيها خلاف بين العلماء والمشهور أنها تغرب كما هو ظاهر الحديث أعني قوله ﷺ "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" والله أعلم.
[ ٧٥ ]