بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر حفظه الله تعالى آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وكل من تسأل عنه طيبون آل الشيخ وسعود وإخوانه وأولاده الجميع فيما تحب ولله الحمد، وأن سألت عن حالي فالحمد لله الذي بنعمته تنم الصالحات وما ذكرت من جهة العذر عن الزيارة فعذرك واضح ولا عليك شرهة في الزيارة والحالة هذه، وما ذكرت من جهة المشاورة في التحول بأهلك جهة رنية فالذي أراه لك استخارة الله سبحانه، فإن وجدت نفسك مهتوية فتوكل على الله والوادي فيه ما يكفيك وهذا رجب تبغي تصدر قالته إن شاء الله ولا أكره لك نفع الناس وبث العلم الذي تفهم لا كان في أصل الدين ولا فروعه، واحرص على تعليم الناس ما أوجب الله عليهم وكثرة القراءة في نسخ الأصول خصوصًا مختصرات الشيخ ﵀ وكذلك السير وحط الباب على تعليم العامة أصل دين الإسلام ومعرفة أدلته ولا تكتف بالتعليم أنشدهم واجعل لهم وقتًا تسألهم عن أصل دينهم، ولا تغفل عن استحضار النية فإن الأعمال
[ ١٢٣ ]
بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا، فالصواب ما وافق شرع رسول الله ﷺ والخالص ما أريد به وجه الله تعالى.
قال تعالى ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وأحذر القول على الله بلا علم فإن الله تعالى لما ذكر المحرمات العظام ختمها بقوله تعالى ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فجعل القول منه بلا علم قرينًا للشرك في الآية الكريمة، الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولكن العبد هو الذي يكلف نفسه ويحملها ما لا تطيق ويعرضها لسخط الله ومقته.
ومن أعظم التكلف أن يتكلم الإنسان بما لا يعلم، والواجب على الإنسان أن يتكلم في دين الله بما يعلم فإن لم يكن عنده علم فليقل الله ورسوله أعلم، ولا تستح من قول لا أدري فقد قيل إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله.
فإذا وقع عليك قضية من القضايا فإن كان عندك علم فتكلم وإلا فإن أمكن فيها الإصلاح فأصلح فيها فإن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، فإن لم يمكن الصلح أولم يرض به الخصمان فأصرفهما عنك ولا تعاظم ذلك ولا تستح منه فإن الأمر عظيم ولا بد من يوم تعاد فيه الخصومات بين يدي رب العالمين، قال تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
وأما المسائل التي سألت عنها (فالأولى) شهادة المرأة الواحدة في الرضاع عند من يقول به هل تصدق ولو ادعت أم الطفل كذبها؟ فالأمر كذلك تصدق والقول قولها.
وأما قولك: هل تعتبر العدالة في المرضعة إذا ادعت الرضاع؟ فالأمر كذلك بل لا بد من العدالة في الشهادة في الرضاع وغيره، والمراد العدالة ظاهرًان وأما الرضاع فنصوا على العدالة في المرأة إذا ادعت ذلك قال ابن عباس: يقبل قولها إّا كانت مرضية وتستخلف فإذا حلفت فارق الزوج المرأة. وقال الشيخ تقي الدين: يقبل قول المرأة في الرضاع إذا كانت معروفة بالصدق لحديث عقبة المخرج في الصحيحين.
وأما قولك: إذا ماتت المرأة وشهد على إقرارها بالرضاع امرأة أو امرأتان فالظاهر أن ذلك لا يعمل به لأن الشهادة على الشهادة لها تسعة شروط (أحدها) أن تكون في غير حق الله (ومنها) أن يستدعي شاهد الأصل شاهد الفرع فيقول اشهد على شهادتي. وأيضًا فإن الشهادة على الرضاع لا تقبل إلا مفسرة لاحتمال أن يكون الشاهد يرى في الرضاع خلاف الصواب، فلا بد من تفسير الرضاع بخمس رضعات في الحولين.
(المسألة الثانية) إذا كان بين شريكين نخل أو زرع وأراد أحدهما تركه للآخر وعوضه كيلًا معلومًا أو جزءًا مشاعًا من الثمرة فهذا مساقاة لا مشاركة ولا بأس بها،
[ ١٢٤ ]
فإن كان بجزء مشاع فهو مساقاة وإن كان بكيل معلوم فهو إجارة وفيها خلاف والمفتى به عندنا جوازها.
(المسألة الثالثة) إذا كان شريكان في نخل أو زرع وبدا صلاح الثمرة واشترى أحدهما نصيب الآخر بكيل يشترطه من الثمرة بعينها والبائع عليه مؤونة الكد حتى يتم العمل، فهذه مسألة من حيث أن كلام الفقهاء فيها يخالف ظاهر السنة قال ابن عبد البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء وعلله وجعل أخذ الثمرة بكيل معلوم من المزابنة المنهي عنها، ولكن ظاهر السنة جاوز هذا، فإنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص على أهل خيبر، فإذا خرصها خيرهم وقال: "إن شئتم فخذوها بخرصها وإن شئتم فهي لنا" وقد روي أنه خرص عليهم أربعين ألف وسق فأخذوا الثمن وضمنوا للمسلمين عشرين قال ابن القيم على فوائد قصة خيبر وفيها جواز قسمة الثمار خرصًا، وان القسمة ليست بيعًا. انتهى بمعناه.
وأما الأمر الذي لا يجوز وهو واقع كثيرًا وينبغي التفطن له والتنبيه عليه إذا كان لرجل طعام في ذمة صاحب النخل قد أسلمه في ذمته وحضرت الثمرة وأخذ المسلم من المسلم إليه نخلًا بخرصه فهذا لا يجوز ولا يحل لمن أخذه أن يبيعه حتى يكتاله لقول رسول الله ﷺ: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله" حديث صحيح. ونص الفقهاء على أنه لا يجوز لمن قبض الطعام جزافا أن يبيعه حتى يكيله.
[ ١٢٥ ]