بسم الله الرحمن الرحيم
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان جعله الله من أهل العلم والإيمان)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وكذلك المسائل التي تسأل عنها.
[ ١٢٧ ]
(الأولى) إذا سرقت الدابة ونحرت إلى آخر المسالة
(فالجواب) أن الدابة إن سرقت من حرز مثلها كالبعير المعقول الذي عنده حافظ أو لم يكن معقولًا، وكان الحافظ ناظرًا إليه أو مستيقظًا بحيث يراه ونحو ذلك مما ذكره الفقهاء في معرفة حرز المواشي فهذه إذا سرقت من الحرز فعلى السارق القطع بشرطه، فإن لم تكن في حرز فلا قطع على السارق وعليه مثلًا قيمة مثلها، وهو مذهب الإمام أحمد. واحتج بأن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين انحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها. وأما من سرق من الثمر المعلق فلا قطع عليه وعليه غرامة مثليه في مذهب الإمام احمد، وقال أكثر الفقهاء: لا تجب فيه اكثر من مثليه وبالغ أبو عمر بن عبد البر فقال: لا اعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليهن والصحيح ما ذهب إليه الإمام احمد لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلق فقال "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" حديث حسن. قال الإمام أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه. وأما ما عدا هذا أعني الثمرة والماشية فالمشهور من مذهب الإمام أحمد لا يغرم أكثر من القيمة إن كان متقومًا أو مثله إن كان مثليًا لأن الأصل وجوب غرامة المثل فقط بدليل المتلف والمغصوب والنهب والاختلاس وسائر ما تجب غرانته فخولف الأصل في هذين الموضعين للأثر ويبقى ما عداهما على الأصل.
واختار الشيخ تقي الدين ﵀ وجوب غرامة المثلين في كل سرقة لا قطع فيها.
(وأما قول السائل) وفقه الله: وإذا اختلفا في القيمة ولا بينة لهما من القول قوله؟ فالظاهر من كلامهم أن القول قول الغارم.
(وأما قوله) وإذا سرقها ثم باعها على من لا يعرف فما الحكم؟ فنقول فيها كما تقدم وهو غرامة المثلين على ما ذكرنا من تغريم عمر حاطبًا، وعلى ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب فإن فيه أن السائل قال: الشاة الحريسة يا نبي الله؟ قال: "ثمنها ومثله معه" ولا فرق بين بيع الشاة وبين ذبحها ونحر الناقة وبيعها.
(المسألة الثانية) إذا دبر الرجل جاريته كقوله أنت عتيق بعد موتي وإذا مت فأنت حرة هل بين هذه الألفاظ فرق؟
(فالجواب) أنه لا فرق بين هذه الألفاظ، بل متى علق صريح العتق بالموت فقال أنت حرة محررة أوعتيق بعد موتي صارت مدبرة بغير خلاف علمته.
(وأما قوله) وإذا دبرها وهي حامل أو حملت بعد التدبير فما الحكم في ولدها؟ فنقول أما إذا دبرها وهي حامل فإن ولدها يدخل معها في التدبير بغير خلاف علمناه لأنه بمنزلة عضو من أعضائها، وأما إذا حملت به بعد التدبير ففيه خلاف بين العلماء فذهب الجمهور إلى أنه يتبع أمه في التدبير ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها
[ ١٢٨ ]
وهو مروي عن ابن مسعود وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
وذكر القاضي أن حنبلًا نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشترط المولي؟ قال فظاهره أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها. وهذا قول جابر بن زيد هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت، فإن ثمرته لك ما عشت وللشافعي قولان كالمذهبين.
(المسألة الثالثة) إذا تصرف الفضولي وأنكر صاحب المال فلم يجز التصرف فما الحكم في نماء المبيع؟
(فنقول) اختلف الفقهاء في تصرف الفضولي إذا أجازه المالك هل هو صحيح أم لا؟ والخلاف مشهور، وأما إذا لم يجز المالك فلم ينعقد بيع أصلًا ولا تدخل هذه المسألة في الخلاف بل الملك باق على ملك صاحبه ولا ينتقل بتصرف الفضولي ونماؤه لمالكه.
(وأما قوله) إذا قال الفضولي للمشتري أنا ضامن ما الحكم في الغرامة هل يلزمه غرامة النماء؟ فنقول إن كان المشتري جاهلًا أن هذا مال الغير أو كان عالمًا لكن جهل الحكم وغره الفضولي فما لزم المشتري من الغرامة من هذا النماء الذي تلف تحت المعهود يكون على الضامن الغار.
(المسألة الرابعة) وهي قوله على القول بإثبات الشفعة بالشركت في البئر والطريق، وهل إذا باع إنسان عقاره وقد وقعت الحدود إلا أن الشركة باقية في البئر والطريق ومسيل الماء هل يأخذ الشفيع المبيع كله لأجل الشركة في هذه الأمور أم لا شفعة له إلا في البئر والطريق ومسيل الماء؟
(فنقول) على القول بإثبات الشفعة بالشركة في البئر والطرق يأخذ الشفيع المبيع كله بالشركة في البئر والطريق ولا يختص ذلك بالبئر نفسها ولا بالطريق وحده، وقد نص على ذلك أحمد في رواية أبي طالب فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال للجار إذا كان الطريق واحدًا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة، ويدل على ذلك ما رواه أهل السنن الأربعة من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ " الجار أحق بشفعة جاره وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحد".
وفي حديث جابر المتفق عليه "الشفعة في كل مال يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فمفهوم الحديث الأخير موافق لمنطوق الأول بإثبات الشفعة إذا لم تصرف الطرق. والشركة في البئر تقاس على الشركة في الطريق لأن الشفعة إنما شرعت لإزالة الضرر عن الشريك ومع بقاء الشركة في البئر والطريق يبقى الضرر بحاله وهذا اختيار الشيخ تقي الدين ﵀ وهو الذي عليه الفتوى.
[ ١٢٩ ]
وأما الشفعة فيما لا ينقل وليس بعقار كالشجر إذا بيع مفردًا ونحو ذلك فاختلف العلماء في ذلك فالمشهور في المذهب أنها لا تثبت فيه الشفعة وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أن الشفعة تثبت في البناء والغراس وأن بيع مفردًا لعموم قوله ﷺ: "الشفعة فيما لم يقسم" ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ينقسم. وقد روى الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الشفيع شريك والشفعة في كل شيء" وقد روي مرسلًا ورواه الطحاوي من حديث جابر مرفوعًا ولفظه: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء.
وأما مسألة الضيافة على القول بوجوبها فالضيف على من نزل به، وأما الغائب ومن لم ينزل به الضيف فلا يجب عليه معونة المنزول به إلا أن يختار المعين.
وأما مسألة المريض الذي أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين فلما بريء من المرض أراد الرجوع فيما زاد على الثلث فهذا لا رجوع فيه، بل يسقط الدين بمجرد إسقاطه، وإنما التفصيل فيما إذا برأ من الدين ومات في ذلك المرض.
وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول بأن شرط عليه ذلولًا تمشي في الجهاد دائمًا، ومتى ماتت اشترى أخرى أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام فهذا لا يصح والبراءة والحالة هذه لا تصح والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٣٠ ]